في الطريق الي عزومة عائلية

لمحة نيوز

كان الطريق طويل وهادئ بشكل غريب، والضباب نازل على الأسفلت كأنه بطانية تقيلة مخبية الدنيا كلها.
أنا كنت ماسكة الدركسيون بإيد، وبالإيد التانية بآكل حتة بسكويت جبنة من العلبة اللي أولادي كانوا بيزعقوا عليها في الكنبة الخلفية.

"ماما… ياسين خد العصير بتاعي!"

"عشان إنتِ شربتي حقي الأول!"

ضحكت وأنا ببص في المراية الصغيرة، وقلت: — "خلاص يا جماعة، لما نوصل هجيبلكم اتنين."

جنبى كان أحمد، جوزي، قاعد هادي جدًا على غير عادته.
من ساعة ما اتحركنا من القاهرة وهو ساكت، مركز في موبايله، كل شوية يرفع عينه للطريق ويرجع يبص للشاشة.

كنا رايحين لمزرعة كبيرة في شمال سيناء.
العزومة دي كانت فكرة أمي.
من أسبوع وهي بتكلمني بحماس غريب:

"هتبقى أحلى لمة عائلية يا مريم… كل الناس جاية، والأولاد هيفرحوا جدًا."

وأنا صدقتها.
ليه ما أصدقش؟
دي أمي.

قبل نقطة التفتيش بحوالي كيلو ونص… كل حاجة اتغيرت فجأة.

أحمد اتنفض مكانه كأنه شاف شبح.

الموبايل وقع تقريبًا من إيده، ووشه كله سحب لونه.

بص قدامه وهو بيهمس: — "لفي العربية وارجعي… حالًا."

ضحكت بتوتر: — "إيه؟ ليه؟"

لكنه فجأة صرخ: — "يا مريم ارجعي حالًا!"

قلبي وقع.

أول مرة في حياتي أشوف الخوف بالشكل ده في عينيه.

مد إيده وخطف الدركسيون، والعربية عملت يو تيرن عنيف خلى العيال يصرخوا من ورا.

دخلت بسرعة على محطة بنزين قديمة مهجورة، ووقفت العربية وأنا بنهج.

صرخت: — "إيه اللي حصل؟!"

أحمد ما ردش.

بس سلّمني الموبايل.

كانت رسالة واتساب من أمي.

الرسالة متبعتة الساعة ستة الصبح، وواضح إنها كانت متوجهة لحد تاني بالغلط.

مكتوب فيها:

"جهزت الأوضة للتلات أطفال.
بس خليهم يعدّوا نقطة التفتيش الأول.
العيال هيبقوا بأمان عندنا.
أما الأب والأم… فالأيام الجاية هتبعدهم عن كل حاجة."

حسيت الدنيا بتميل.

الكلمات نفسها ماكانتش صريحة… لكن الإحساس اللي دخل قلبي كان مرعب.

قلت بصوت متقطع: — "دي… دي ماما."

أحمد فتح صور على الموبايل وقال: — "أنا من يومين كنت شاكك إن في حاجة غريبة."

بصيتله بعدم فهم.

كمل: — "أبوكِ كل شوية يسألني عن شغلي، مرتبك، التأمين، المدرسة اللي ناوي ندخلها للأولاد… وكأنه بيجمع معلومات."

بلعت ريقي بصعوبة.

قال: — "ولما الرسالة وصلت… فهمت إن في حاجة مستخبية."

بصيت على الخريطة اللي فاتحها.

المكان اللي كنا رايحينله كان بعيد جدًا… منعزل وسط منطقة شبه فاضية.

قلت بسرعة: — "يمكن فاهمين غلط!"

أحمد سكت ثواني، وبعدين قال بهدوء: — "يارب نكون غلط."

فضلنا واقفين عشر دقايق كاملة.

العيال من ورا بدأوا يسألوا: — "إحنا مش هنروح؟"

حاولت أبتسم: — "تغيير خطط بس."

لكن جوايا كان فيه خوف عمره ما دخل قلبي قبل كده.

رن موبايل أحمد فجأة.

رقم أبويا.

بصينا لبعض.

رد أحمد بهدوء: — "ألو يا عمي."

صوت أبويا كان طبيعي جدًا: — "إنتوا اتأخرتوا ليه؟"

أحمد قال: — "الطريق زحمة شوية."

سكت أبويا ثواني، وبعدين قال: — "خلي بالك من نقطة التفتيش القديمة… الطريق الجديد أفضل."

أحمد شكرُه وقفّل.

وبمجرد ما المكالمة انتهت، بصلي وقال: — "إحنا عمرنا ما قولناله إننا قربنا من نقطة تفتيش."

البرودة مشت في ضهري.

أحمد شغّل العربية تاني، لكن بدل ما نكمل، دخل طريق جانبي صغير وسط الأشجار.

بعد حوالي نص ساعة لقينا استراحة بسيطة فيها قهوة بدوية قديمة ونور أصفر خافت.

وقفنا هناك.

العيال نزلوا ياكلوا ويجروا شوية.

وأنا قعدت قدام أحمد، ولسه عقلي مش مستوعب.

قلت: — "يعني إيه؟ أهلي يعملوا كده ليه؟"

أحمد تنهد وقال: — "مش شرط اللي فهمناه يكون صح… بس أكيد في سر."

في اللحظة دي، صاحب القهوة، راجل كبير في السن، قرب مننا وقال: — "إنتوا ضايعين؟"

أحمد قال: — "كنا رايحين مزرعة قريبة من هنا."

ولما قلنا اسم المكان، الراجل سكت فجأة.

وقال: — "المزرعة دي مقفولة من شهور."

أنا اتجمدت.

أحمد سأله: — "إزاي؟"

قال: — "كان بييجي ناس ينظفوها كل فترة… لكن محدش عايش هناك."

بصيت لأحمد، وهو بدأ يفهم أكتر مني.

سأل الراجل: — "في حد من القاهرة جه هناك قريب؟"

الراجل فكر شوية وقال: — "أيوه… عربية كبيرة سودا جت من يومين."

طلع أحمد صورة أبويا من الموبايل.

الراجل أشار فورًا: — "أيوه… هو الراجل ده."

إيدي بدأت ترتعش.

لكن المفاجأة الحقيقية ماجاتش غير بعدها بدقائق.

وأنا قاعدة، لقيت رسالة جديدة وصلت لموبايل أحمد.

من أمي.

"لو قريت الرسالة بالغلط… متخليش مريم تكمل الطريق.
أرجوك."

شهقت.

أحمد فتح الرسالة بسرعة.

وكان تحتها تسجيل صوتي.

شغّلناه.

صوت أمي كان مرعوب ومخنوق بالبكا: — "يا أحمد… لو الرسالة وصلتلك يبقى أنا غلطت وبعتها لك بدل أبو مريم… اسمعني كويس… متكملوش الطريق… أخو مريم داخل في مشاكل كبيرة جدًا مع ناس خطيرين، وكان فاكر إنهم هيقدروا ياخدوا الأولاد ويضغطوا عليكم علشان تساعدوه يهرب… أنا حاولت أوقفهم… والله حاولت… بس معرفتش… ابعدوا حالًا."

الهواء رجع يدخل صدري تاني.

مش مؤامرة من أهلي كلهم…

لكن كارثة كان بيخبّيها أخويا عن الجميع.

قعدت أعيط وأنا مش مصدقة.

أخويا؟
الولد اللي كان بيجيبلي الشوكولاتة وأنا صغيرة؟

أحمد مسك إيدي بهدوء: — "لازم نمشي من هنا."

وفعلًا اتحركنا فورًا.

طول الطريق وأنا ببص للعيال النائمين ورا، وحاسة قد إيه كنا قريبين من مصيبة كبيرة من غير ما نعرف.

بعد ساعات، وقفنا في فندق صغير بعيد عن المنطقة كلها.

وهناك، أمي كلمتني فيديو.

أول ما شفت وشها، عرفت إنها كانت منهارة بجد.

فضلت تعيط وتقول: — "سامحيني يا بنتي… والله كنت بحاول أحميكم."

عرفنا بعدها إن أخويا كان متورط في ديون ضخمة، وناس كتير كانت بتطارده.
وهو افتكر إن أسهل طريقة يضمن بيها مساعدتنا… إنه يجبرنا نفضل قريبين منه فترة.

لكن أمي اكتشفت الموضوع بالصدفة.

ولما حاولت تبعت رسالة تحذر أبويا… وصلت لأحمد بالغلط.

الغلط اللي أنقذ حياتنا.

بعدها بأيام، الأمور اتحلت بهدوء.

وأخويا سلّم نفسه وسافر يبدأ حياة جديدة بعيد عن المشاكل كلها.

أما أنا…

فمن يومها فهمت حاجة مهمة جدًا.

مش كل خوف بيكون خيانة.
ومش كل سر معناه شر.

أوقات الناس بتغلط وهي بتحاول تنقذ اللي بتحبهم.

ولحد النهارده…

كل ما أحمد يبصلي ويقول: — "ثقي فيّ."

أفتكر الليلة دي…

وأعرف إن ثانية واحدة ممكن تغيّر العمر كله.

تمت. 

تم نسخ الرابط