لقيت حمايا القديم مرمي
الوحيدة قايا القديم مرمي في دار مسنين، بنطلونه متبهدل، ومع كده كان باين عليه الكسوف.. كأنه بيعتذرلي وبيترجاني ما ضيعش ثانية واحدة من عمري عليه.
في اليوم ده، كنت رايحة دار المسنين في حي راقي عشان أعمل مراجعة حسابات سنوية روتينية. أنا عندي 32 سنة، محاسبة مستقلة، ومن يوم طلاقي وأنا معودة نفسي أدخل أي مكان وأخرج منه من غير ما أخلي الذكريات القديمة تطاردني.
بس الظهر ده، ماضيّ كان مستنيني على كرسي متحرك تحت شباك مش نضيف، وهو بيمد إيده بضعف عشان يطول كوباية بلاستيك وقعت منه على الأرض.
وطيت عشان أجيبها.
ولما رفعت عيني، النفس اتكتم في صدري.
ده كان عم "رأفت".
حمايا القديم.
نفس الراجل اللي كان بيقولي يا بنتي طول الخمس سنين اللي عشتهم مع "إيهاب".. في الوقت اللي إيهاب نفسه ما كانش فاهم يعني إيه يكون جوز مسؤل. النجار الشاطر، السند، اللي كانت دايماً ريحته خشب وقهوة ونشارة. الراجل اللي وقف معايا في اليوم اللي عرفت فيه إن إيهاب خانني مع زميلته الصغيرة في الشغل.
دلوقتي كان منكمش في نفسه، جلده دبلان فوق عضم ناشف، ضوافره طويلة، وعينيه باهتة كأنها بتعتذر إنها لسه مفتوحة ومبتسمة للحياة.
همست: "عم رأفت!.. إيه اللي جابك هنا؟"
أخد كام ثانية عشان يفتكر وشي.
وبعدين لمعت في عينيه نظرة معرفة سريعة، قبل ما ينزل عينه الأرض من الكسوف وهو بيحاول يدري البهدلة اللي على بنطلونه.
"نادية، يا بنتي.. ما كانش نفسي تشوفيني بالمنظر ده."
الكلمة دي كسرت حاجة جوايا.
"إيهاب قال لي إنه أخدك تعيش معاه في شقته الجديدة في القاهرة!"
صوابع عم رأفت اتشدت على مسند الكرسي.
"أخدني فعلاً.. لفترة. بس بعد كده.. بقيت حمل تقيل عليه."
ما لحقش يكمل كلامه، لأن الممرضة عدت وهي بتوزع الأدوية وقالت من غير ما تقف حتى:
"ابنه عدا عليه من شهر. قعد أقل من عشر دقايق. كان عينه في الموبايل طول الوقت، ولا حتى هان عليه ياخده يفسحه بالكرسي بره في الجنينة."
غضب بارد سكن في صدري.
إيهاب.. الراجل اللي حلف لي في يوم من الأيام إنه هيفضل معايا للعمر كله وبعدها فضحني وباعني.. رمى الراجل اللي علمه يعني إيه يكون راجل، ويعني إيه يشتغل بشرف، وما يوطيش راسه لحد أبدًا.
عم رأفت قال بصوت واطي: "أبوس إيدك ما تعمليش مشاكل بسببي.. إنتي ما بقتيش من بقية أهلنا خلاص."
بصيت في عينيه التعبانة من غير تردد وقلت: "ورقة الطلاق ما تقدرش تحدد مين أهلي ومين لأ."
ليلتها، النوم ما دخلش عيني.
المطر كان بيخبط في شباك شقتي والذكريات بتتعاد قدامي زي شريط فيلم قديم.. يوم فرحنا، وعم رأفت وهو بيشد على إيدي جنب الكوشة وبيوشوشني:
"لو المغفل ده في يوم زعلك أو بكى عينيكي، حسابه معايا أنا."
ولما إيهاب خانني، عم رأفت هو اللي كان مستنيني تحت الشجرة في حوش البيت. بكى معايا. وحط مغلف في جيب بالطوي. وطلب مني أسامحه على خيبة ابنه.
مع أول ضوء للصبح، عملت شوربة فراخ دافية بالأعشاب وأخدتها ورحت له الدار.
لقيته قاعد بره، بيبص على فروع شجرة دبلانة.
لما فتح الترمس، البخار اللي طالع غطى رموشه.
"محدش طبخ لي لقمة بالنفس ده من يوم ما مشيتي."
إيديه كانت بترتعش جامد ومش قادر يمسك المعلقة، فقعدت أأكله بنفسي، لقمة لقمة بالراحة.
واحدة من الممرضات ابتسمت وسألتني: "إنتي بنته؟"
عم رأفت غمض عينيه، مستني ردي وهو على آخره.
قلت لها: "آه.. أنا بنته."
الكلام اتقلب في الدار كلها قبل ما الشمس تغيب.
بعد الظهر، "منى" كلمتني وهي متنرفزة ومغلولة:
"نادية، إنتي جرى لعقلك حاجة؟ ده أبو الراجل اللي دمرك ودمر حياتك!"
"وهو بره نفس الراجل اللي سندني وجمع فرافيتي بعد ما مشيت."
الأسبوع اللي بعده، نزلت صورة على النت لإيدينا وإحنا ساندين على بعض تحت الشجرة اللي بره الدار.
من غير أسامي.
من غير أي شرح.
ما كنتش مستنية مدح من حد.
كنت بس عايزة أثبت إن لسه في أصل وخير في الدنيا دي.
في نفس الليلة، تليفوني رن من رقم مجهول.
"إنتي ناوية على إيه بالظبط يا نادية؟"
ده كان إيهاب.
صوته لسه فيه نفس النبرة المستفزة والغرور.
رديت: "باخد بالي من أبوك.. بعد ما إنت نسيت يعني إيه بر والدين."
"ما تعمليش فيها الشيخة خديجة.. نادين مراتي هتتجنب، والناس كلها عمالة تقول إني رميت أبويا!"
"خلاص، تعالى حماه بنفسك. أكله. بّص في عينه لو تقدر."
سكت تماماً.
وبعدين قال بفحيح وفلوس في صوته:
"إنتي بتلعبي بديلك عشان تلهفي منه الكشك والأرض اللي حيلته!"
قفلت السكة في وشه.
الأربع اللي بعده، عم رأفت شاورلي أقرب منه.
من تحت مخدته، طلع مفتاح نحاس قديم مربوط بشريطة حمراء دبلانة.
وقال بصوت هادي: "المفتاح ده بيفتح ورشة الخشب.. والبيت الصغير اللي على التبة.. أنا عايزك إنتي اللي تاخديه."
رجعت خطوة لورا: "ما أقدرش يا عم رأفت."
عينيه دمعت وقال: "عيالي هيبيعوه في ظرف يومين.. إنتي الوحيدة اللي هترجعي في المكان ده الروح."
إيديا كانت بترتعش وأنا بأخده منه.
ما كنتش أعرف إن المفتاح ده مش بس هيفتح باب بيت مقفول..
ده كان هيفتح عليا أبواب جهنم وحرب مش هتنتهي.
يا ترى إيه اللي حصل بعد كده..؟
تابعوا بقية القصة في التعليقات
المفتاح النحاس كان تقيل في إيدي، بس التقل الحقيقي كان في قلبي. عم رأفت ابتسم لي ابتسامة صافية كأنه رمى حمولة كانت كتما لفضه بقالها سنين، وأنا نزلت من الدار والمفتاح في جيب شنطتي، حاسة إنه قنبلة موقوتة.
وملحقتش أكدب خبر.. تاني يوم الصبح، وأنا بفتح مكتب الحسابات بتاعي، لقيت إيهاب واقف لي قدام الباب، ووشه جايب ألوان من الغل.. وما كانش لوحده، كانت معاه "نادين" مراته الجديدة، لابسة ومتمكيجة على السنجة وعينيها بتطق شرار.
إيهاب أول ما شافني زعق: "المفتاح فين يا نادية؟ أبويا خرف وخلاص عقله فوت، وإنتي جاية تعملي فيها حامية الحما وتلهفي شقا عمره!"
نادين بدلع مستفز: "بقولك إيه يا شاطرة، الشغل ده مش علينا.. الورشة والبيت دول ملك جوزي وأخواته، وبصراحة كده إحنا مش هنسيب واحدة طليقة تاكل ورثنا عيني عينك."
بصيت لهم ببرود يحرق الدم، وفتحت باب مكتبي ودخلت، وقلت لهم وأنا بقلع البالطو: "أولاً، عم رأفت لسه بكامل قواه العقلية، بدليل إنه عارف مين اللي صانه ومين اللي رماه.. ثانياً، اللي يسأل على الورث يسأل على أبوه وهو عايش، مش يسيبه ببنطلون متبهدل في دار مسنين وجاي يتشطر هنا."
إيهاب دمه غلي وهجم على المكتبي: "هرفع عليكي قضية حجر، وهثبت إنك استغليتي كبر سنه.. المفتاح ده مش هيفيدك بحاجة، والبيت والورشة هخدهم يعني هخدهم!"
قلت له وأنا ببص في عينه بقوة: "أعلى ما في خيلك اركبه يا إيهاب.. والباب يفوت جمل."
خرجوا وهم بيلعنوا ويشتموا، ومن هنا بدأت الحرب رسمياً.. إيهاب كلم إخواته اللي عايشين بره وميعرفوش عن أبوهم حاجة، وشحنهم ضدي.. وبقيت أسمع كلام وتلقيح من قرايبهم ليل نهار على النت وفي كل حتة: "المحاسبة اللي سرقت الراجل العجوز".
بس أنا ما اتهزتش.. الرد بتاعي كان عملي.. أخدت أجازة أسبوع من الشغل، وسافرت للقرية اللي فيها البيت الصغير والورشة على التبة.
المكان كان مهجور، التراب مغطي كل حتة، وريحة الخشب والنشارة القديمة كاتمة.. بس أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، شميت ريحة عم رأفت.. ريحة السند والأصل.. أخدت نفس عميق وشمرت إيدي، وبدأت أنضف الورشة، وجبت صنايعية يصلحوا السقف، وفتحت الشبابيك عشان الشمس تدخلها من تاني.
نزلت صور للورشة وهي بتنور من جديد، وكتبت عليها: "الأماكن لا تموت ما دام هناك من يحفظ العهد."
إيهاب لما شاف الصور اتجن جنونه، وعرف إن مفيش فايدة من التهديد، فقرر يلعب دنيء.. راح لدار المسنين عشان يجبر أبوه يمضي على تنازل عن كل حاجة ويثبت إنه بايع له هو من زمان.
وفي يوم، وأنا في الورشة، تليفوني رن.. كانت الممرضة من الدار، صوتها كان مرعوب: "لحقي يا نادية.. إيهاب هنا وجايب محامي وبيقنعوا عم رأفت يمضي بالعافية، والراجل تعب وضغطه علي جداً!"
سيبت كل اللي في إيدي، وركبت عربيتي وطيرت على الدار، وقلبي حاسة إنه هيقف من الخوف على الراجل اللي حماني في يوم من الأيام.. ودخلت الأوضة زي الإعصار..
يا ترى لحقت عم رأفت؟ وإيه المفاجأة اللي المحامي كان مخبيها؟
تدخلت الأوضة زي الإعصار، ولقيت عم رأفت وشه أزرق، ونفسه مكتوم، وإيهاب واقف فوق راسه وماسك إيده وبيحاول يجبره يبصم على ورق كتير مفروش على السرير، والمحامي واقف جنبه ببرود وبيقوله: "ابصم يا حاج وخلصنا عشان ترتاح".
أول ما شفت المنظر ده، صرخت فيهم بأعلى صوتي: "شيل إيدك عنه أنت وهو! والنعمة الشريفة لو ما بعدتوا عنه لأكون مكلماكم النجدة ومبلّغة عن شروع في قتل!"
إيهاب لف لي وهو بيبرق وعروق وشه طالعة: "أنتي إيش دخلك؟ ده أبويا وبيمضي لي على حاجتي، أطلعي بره!"
زقيت المحامي وجريت على عم رأفت، لقيت إيده بتترعش والورق كله حبر.. شيلت الترمس وبخاخ الأكسجين بتاعه، وزعقت للممرضة: "دكتور الدار فوراً يا مدام! الراجل هيروح مننا!"
المحامي لما لقى الموضوع قلب بجد وجري ودكاترة، لّم ورقه بسرعة وبص لإيهاب وقال له: "الموضوع كده فيه شُبهة جنائية وإجبار، أنا مش هورط نفسي.. سلام يا إيهاب بيه". وجري بره الأوضة.
إيهاب وقف يبص لي بغل وهو شايف الدكاترة داخلين يلحقوا أبوه، وبص لي وقالي بفحيح: "والله ما هسيبك يا نادية.. الورشة والبيت دول بتوعي، وهتدفعي تمن اللي عملتيه ده غالي أوي". وساب الأوضة وخرج.
قعدت جنب عم رأفت ليلتها في المستشفى بعد ما نقلوه العناية المركزة.. الدكتور قالي إنها جلطة خفيفة والحمد لله لحقناه في آخر لحظة.. فضلت ماسكة إيده وبأكل عيش وملح مع دموعي، وبدعي ربنا يقومه بالسلامة.
بعد يومين، عم رأفت فتح عينيه.. وبص لي وابتسم ابتسامة باهتة، وقالي بصوت مبحوح: "نادية.. يا بنتي.. أنا أسف إني تعبتك معايا وجبت لك المشاكل لحد عندك".
قلت له وأنا ببوس إيده: "تعبك راحة يا عم رأفت.. أنت أبويا، والولد اللي خلّف وما صانش ملوش حق يرفع عينه فيك".
هز راسه وقال لي بصوت واثق: "المحامي الغبي وإيهاب ما يعرفوش حاجة.. فاكرين إن المفتاح ده لبيت وورشة وبس.. افتحي الدرج الصغير اللي جوه مكتب الورشة يا نادية.. هتلاقي صندوق خشب صغير أنا عامله بإيدي.. افتحيه بالمفتاح النحاس نفسه".
أنا استغربت، بس سمعت كلامه.. وتاني يوم الصبح رحت الورشة، وفتحت المكتب، وفعلاً لقيت درج سحري من تحت، جواه صندوق خشب ريحته أرز وسرو.. حطيت المفتاح ولفيته.. الصندوق اتفتح.
جوه الصندوق ما كانش فيه ورق وبس.. ده كان فيه "عقد بيع وشراء قطعي ومسجل في الشهر العقاري" بتاريخ قديم من خمس سنين.. من أيام ما عرف عم رأفت إن إيهاب خانني!
عم رأفت كان كاتب الورشة والبيت باسمي أنا "بيع وشراء رسمي" من زمان جداً، وشايل العقد ده للزمن.. ومع العقد ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيده الناشف: (إلى ابنتي نادية.. اللي صانت شرفي وبيتي لما ابني هدمه.. ده حقك وشرع ربنا اللي يحميكي من غدر الأيام).
ومش بس كده.. كان فيه دفتر توفير باسمي، فيه مبلغ محترم، كاتب في ظهره إنه نتاج تعبه وشقاه وشايله ليا عشان أوسع بيه مكتبي.
دموعي نزلت ومبقتش قادرة أوقفها.. الراجل ده كان شايل لي همي وأنا مش دريانة، وبيرد لي اعتباري بعد السنين دي كلها.
بعدها بأسبوع، عم رأفت خرج من المستشفى، وبناءً على طلبه، ما رجعش دار المسنين.. أنا أخدته يعيش معايا في البيت الصغير اللي على التبة بعد ما نضفته وفرشته وبقى جنة.. والورشة رجعت تفتح وتشتغل من تاني، وجبت لها صنايعية شباب يشتغلوا فيها تحت إشراف عم رأفت اللي كان بيقعد على كرسيه وسط ريحة الخشب، وعينيه بتلمع بالفرحة والأمل من جديد.
إيهاب حاول يرفع قضايا، بس لما المحامي بتاعه شاف العقود المسجلة في الشهر العقاري من خمس سنين، قاله: "قضيتك خسرانة يا إيهاب بيه، الورق سليم ومفيش فيه ثغرة واحدة، وأبوك بايع بكامل قواه العقلية ومن زمان جداً".
وفي يوم.. وأنا قاعدة في جنينة البيت الصغير بالليل، وعم رأفت بيشرب الشاي المظبوط اللي بعمله له، قالي: "عارفة يا نادية.. الدنيا دي تدور وتدور، وبيرجع لكل واحد أصله.. إنتي صنتي الأصل، فربنا صانك ونور طريقك".
بصيت للشمس وهي بتغرب ورا التبة، وحسيت براحة عمري ما حسيتها من يوم طلاقي.. عرفت إن الحق مابيموتش، وإن النضافة والخير اللي بنزرعهم في قلوب الناس، بيرجعوا لنا في الآخر ولو بعد حين.
تمت