بعد وفاة زوجي
أنا ياسمين، عندي 38 سنة. بعد وفاة جوزي بسنتين، كنت حاسة إن الدنيا وقفت بيا. المسؤولية كانت كبيرة، وبنتي شهد كانت كل حياتي. حاولت أكون لها الأم والأب في نفس الوقت، لكن الحقيقة إن غياب والدها كان مأثر فيها جدًا.
لما اتقدّم لي طارق واتجوزنا، حسيت إن ربنا بيعوضني. راجل محترم، هادئ، ومتدين، والكل يشهد له بالأخلاق. أكتر حاجة فرحتني إنه عامل شهد كويس، وكان بيحاول يحتويها ويعوضها عن حنان الأب اللي فقدته.
في البداية، كنت مبسوطة بالعلاقة الطيبة بينهم. شهد كانت بتحكي له عن دراستها وأحلامها ومشكلاتها، وهو كان يسمع لها وينصحها. لكن مع الوقت بدأت أحس إن البنت بقت تعتمد عليه في كل حاجة، حتى في أمور بسيطة كانت زمان بتجيلي أنا فيها.
كل ما تزعل من حاجة تروح تكلمه، وكل ما تحتار في قرار تستشيره. وبدل ما تفضفض لي، بقيت تفضفض له. الموضوع بدأ يضايقني، ليس لأنه عمل شيء غلط، لكن لأني حسيت إن بنتي بتبعد عني شوية بشوية.
وفي ليلة من الليالي، صحيت حوالي الساعة 3 الفجر. ملقتش طارق جنبي، فقمت أدور عليه. شفت نور أوضة المكتب منور.
قربت بهدوء، ولقيت شهد قاعدة معاه. كانت منهارة من البكاء، وهو بيهديها ويتكلم معاها.
اترددت أدخل، لكن سمعت شهد وهي بتقول:
"أنا خايفة يا عمو طارق... كل ما أفتكر بابا بحس إني لو نسيته أبقى خنته."
ساعتها فهمت إن البنت شايلة جواها وجع كبير من سنين، وإنها لسه مش متخطية وفاة والدها.
طارق كان بيقول لها بهدوء:
"أبوكي عمره ما هيتنسي يا شهد، والنجاح اللي هتعمليه في حياتك هو أحسن حاجة تفرحيه بيها."
رجعت أوضتي وأنا حاسة بمزيج من الراحة والذنب. الراحة لأني اكتشفت إن مخاوفي مكانش لها أساس، والذنب لأني سيبت الشك يدخل قلبي.
في اليوم التالي، قررت أقعد مع بنتي. اتكلمنا ساعات طويلة، وبكت في حضني لأول مرة من شهور. اعترفت لي إنها كانت مخبية حزنها علشان متزودش همومي.
ومن يومها اتفقنا كلنا إن البيت ده يقوم على الصراحة والثقة. وطارق ساعد شهد في دراستها، وأنا رجعت أقرب لبنتي من الأول.مرت الأيام بعد الليلة دي، وبدأت أحس إن البيت رجع له هدوؤه من جديد. شهد بقت تتكلم معايا أكتر، وطارق كان حريص إنه يقرب المسافات بيني وبينها بدل ما يكون وسيط بينا.
لكن في يوم من الأيام، رجعت من السوق بدري على غير العادة. أول ما دخلت البيت، لقيت شهد في أوضتها بتقلب في درج مكتبها بسرعة، وأول ما شافتني اتوترت وقفلت الدرج.
ابتسمت وقلت: ـ مالك يا بنتي؟
ردت بسرعة: ـ ولا حاجة يا ماما... مجرد ورق للمدرسة.
الكلام كان عادي، لكن توترها مكانش عادي.
من ساعتها بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
كل شوية مكالمات تليفون تقفل أول ما أدخل. وأوراق كتير بتستخبى. وكام مرة أصحى ألاقيها قاعدة تذاكر لحد الفجر وهي سرحانة ومش مركزة.
قلقي رجع من جديد.
مش لأن في حاجة غلط، لكن لأن شهد عمرها ما كانت بتخبي عني أسرار بالشكل ده.
وفي مساء يوم الجمعة، كنت بجهز السفرة، ولقيت ظرف أبيض واقع من شنطتها.
بصيت عليه من غير ما أفتحه.
كان مكتوب عليه بخط واضح:
"إلى شهد... يُفتح يوم إعلان النتيجة فقط."
وقفت مكاني مستغربة.
نتيجة إيه؟
وشهد أصلاً كانت متوترة بشكل غريب من فترة.
فضل الظرف يشغل تفكيري طول الليل.
وفي الصبح، خرجت شهد بدري جدًا وقالت إنها رايحة المدرسة.
بعدها بساعتين، جرس الباب رن.
فتحت لقيت راجل كبير محترم واقف ومعاه ملف أوراق.
سألني: ـ حضرتك والدة شهد؟
قلبي دق بسرعة.
قلت: ـ أيوة... خير؟
ابتسم وقال: ـ الحقيقة كنت جاي أبلغكم بحاجة مهمة جدًا تخص بنتكم... لكن واضح إنها كانت ناوية تعملها مفاجأة.
ساعتها حسيت إن المفاجأة أكبر بكتير مما كنت متخيلة...
وتركت الرجل يدخل الصالون، بينما كنت أحاول أفهم: يا ترى شهد كانت مخبية إيه كل الفترة اللي فاتت؟ وإيه سر الظرف اللي مكتوب عليه "يُفتح يوم إعلان النتيجة"؟دخل الرجل وجلس في الصالون، بينما كنت واقفة مش عارفة أتوقع ماذا سيقول.
فتح الملف بهدوء وأخرج عدة أوراق، ثم ابتسم وقال:
ـ أولًا أحب أطمن حضرتك، مفيش أي مشكلة، بالعكس... أنا جاي بسبب حاجة تفرح.
شعرت أنفاسي تعود تدريجيًا، لكن فضولي ازداد.
سألته: ـ خير يا أستاذ؟ شهد عملت إيه؟
قال: ـ أنا مدير إحدى المبادرات التعليمية للطلاب المتفوقين، وبنتك من أوائل المتقدمين عندنا هذا العام.
اتسعت عيناي من الدهشة.
ـ شهد؟!
هز رأسه مبتسمًا: ـ أيوة. بنتك شاركت في مسابقات ومشروعات من شهور، وكانت طالبة إن الموضوع يفضل سر لحد ما تظهر النتيجة النهائية.
جلست على أقرب كرسي وأنا أحاول استيعاب الكلام.
كل الأيام اللي كنت فاكرة إنها متوترة فيها أو بتخبي حاجة... كانت في الحقيقة بتجتهد وتذاكر وتحضر للمسابقة.
أكمل الرجل: ـ والأجمل من كده إنها حصلت على منحة كاملة للدراسة في برنامج مميز للمتفوقين.
في تلك اللحظة شعرت بمزيج من الفخر والندم.
الفخر لأن بنتي حققت إنجازًا كبيرًا. والندم لأنني شكيت فيها أكثر من مرة.
شكرته كثيرًا، وبعد أن غادر ظللت أنظر إلى الأوراق غير مصدقة.
لكن المفاجأة لم تنتهِ هنا.
في المساء عادت شهد إلى البيت، وكانت تبدو متوترة كعادتها.
ناديتها بهدوء: ـ تعالي يا شهد، عايزة أكلمك.
جلست أمامي وهي تراقب وجهي بحذر.
وضعت الأوراق أمامها.
تجمدت مكانها.
ثم قالت بدهشة: ـ حضرتك عرفتي؟
ابتسمت لأول مرة منذ أيام وقلت: ـ أيوة... وعرفت إن عندي بنت تستحق أفتخر بيها قدام الدنيا كلها.
وفجأة انفجرت شهد في البكاء.
لكنها لم تكن دموع حزن.
كانت دموع راحة.
قالت وهي تمسح عينيها: ـ كنت خايفة أفشل يا ماما... كنت عايزة أفرحك بحاجة كبيرة بعد كل اللي تعبتيه عشاني.
حضنتها بقوة، وشعرت أن سنوات التعب كلها تهون في تلك اللحظة.
ثم تذكرت الظرف.
أحضرتُه من الدرج وقلت: ـ طيب والظرف ده؟
ابتسمت شهد لأول مرة منذ مدة طويلة.
وقالت: ـ افتحيه.
فتحت الظرف ببطء.
وفي داخله كانت رسالة بخط يدها.
بدأت أقرأ...
"إلى أمي...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى حلمي اتحقق.
أنتِ أقوى إنسانة عرفتها في حياتي.
بعد وفاة بابا، كنتِ الأم والأب والصديقة والسند.
وأي نجاح أو خطوة حلوة في حياتي هي بسببك بعد ربنا.
يمكن معرفتش أقول الكلام ده قدامك، لكني فخورة إني بنتك."
توقفت عن القراءة لأن الدموع ملأت عيني.
أما شهد فكانت تبكي هي الأخرى.
وفي تلك اللحظة أدركت أن أجمل المفاجآت ليست التي تخفي أسرارًا... بل التي تخفي حبًا وامتنانًا لا نراه إلا في الوقت المناسب.
النهاية. ❤️