وانا قاعدة جبت في الرعايه
وأنا قاعدة جنب بنتي في الرعاية المركزة... أبويا وأمي باعوا كل حاجتنا ورمونا في الشارع. بعد ٣ شهور كانوا بيتمنوا إني أسامحهم.
بنتي عندها ٨ سنين كانت بين الحياة والموت في المستشفى... ولما اتأخرت ١١ يوم بس في إيجار أوضة عند أبويا وأمي، رموا هدومنا وباعوا حاجتنا وسكنوا أختي مكانا. قالولي ببرود اللي ميعرفش يدبر نفسه يستحمل. ما عيطتش... ولا اتوسلت. أخدت بنتي ومشيت من حياتهم للأبد. بعد ٣ شهور، شافونا بالصدفة في الشارع... والصدمة اللي ظهرت على وشوشهم كانت أكبر من أي كلام كانوا ممكن يقولوه...
الساعة كانت داخلة على اتنين وربع بعد نص الليل، ورنة الموبايل قطعت هدوء طرقة المستشفى وأنا قاعدة على كرسي حديد، حاضنة بطانية بنتي الصغيرة اللي ريحتها لسه فيها.
الممرضة خرجت من أوضة الرعاية المركزة ونادت
مدام ندى؟
قمت بسرعة وقلبي هيطلع من مكانه.
قالت بهدوء
الحمد لله... حالة ملك استقرت مؤقتًا، لكن الدكتور عايز يقابلك.
استقرت مؤقتًا...
كانت الجملة الوحيدة اللي مخلية عندي أمل إني أكمل واقفة.
من عشرين يوم بس، بنتي ملك، اللي عندها ٨ سنين، وقعت فجأة في المدرسة وهي بتلعب. في الأول افتكروا إنها سخونية أو هبوط، وبعدها التحاليل بدأت تكشف حاجة أخطر... فيروس نادر عمل لها مضاعفات خطيرة في القلب.
وفي أقل من يوم، لقيت نفسي عايشة بين جدران الرعاية المركزة.
أنام على كرسي.
آكل أي حاجة من ماكينة المستشفى.
وأفضل أبص على شاشة الأجهزة مستنية أي خبر يطمني.
قبل اللي حصل بست شهور، كنت مطلقة من أحمد بعد جواز انتهى بخناقات ومحاكم، وخسرت تقريبًا كل اللي كنت محوشاه.
ماكنش قدامي غير إني أروح أقعد أنا وملك في أوضة تحت بيت أبويا وأمي.
بس حتى هناك... كانوا بياخدوا مني ٤ آلاف جنيه إيجار كل شهر.
وكنت بدفعهم في معادهم... عمري ما اتأخرت.
لحد ما بنتي دخلت المستشفى.
الإجازة من الشغل، تمن العلاج، الأدوية، والمشاوير... كل ده خلاني أتأخر في الإيجار.
مرة واحدة بس.
١١ يوم.
في اليوم ال١٢، رجعت البيت أجيب لعبتها المفضلة، البيجامة اللي بتحبها، وألبوم صور صغير كانت بتنام وهو في حضنها.
لكن أول ما حطيت المفتاح في الباب...
المفتاح مرضيش يلف.
طلعت أجري فوق.
لقيت أمي بتقطع فاكهة بكل هدوء.
وأبويا بيشرب الشاي.
وأختي الصغيرة دنيا قاعدة في الصالة... ولابسة الكارديجان الرمادي بتاعي.
بصيت لهم وأنا مش مستوعبة.
قلت
فين حاجتنا؟
أمي ردت بمنتهى البرود
فضينا الأوضة.
افتكرتها بتهزر.
قلت
يعني إيه فضيتوها؟
أبويا قال وهو بيتنهد
اتأخرتي في الإيجار.
بصيت له وأنا مذهولة.
قلت
أنا بقالي ١١ يوم عايشة في الرعاية المركزة... بنتي بين الحياة والموت.
دنيا هزت كتفها وقالت
أنا كنت محتاجة الأوضة بعد ما سبت الشقة.
سألت وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع
فين هدوم ملك؟
ولا حد رد.
فين لعبها؟
سكون.
فين شهاداتها وصورها؟
أمي حطت طبق الفاكهة على السفرة وقالت بمنتهى القسوة
بعنا أي حاجة ينفع تتباع... والباقي رميناه في الزبالة.
في اللحظة دي...
الكلام وجعني أكتر من يوم ما الدكتور قالي إن بنتي حالتها خطيرة.
قلت بصوت مكسور
بنتي كل يوم بتسألني على الأرنب اللعبة بتاعها...
أبويا أخد رشفة من الشاي وقال
اعتبري اللي حصل درس... علشان تعرفي تعتمدي على نفسك.
في اللحظة دي...
حاجة جوايا ماتت.
مش قلبي.
ولا دموعي.
الأمل الوحيد إن الناس دي في يوم هتحس إنها أهلي.
ما صرختش.
ما عيطتش.
ولا اتوسلت.
لفيت وشي... ومشيت.
رجعت المستشفى، وقعدت جنب سرير بنتي، وهي نايمة والأجهزة حوالين جسمها الصغير.
وبعدين فتحت اللابتوب...
واتخذت القرار اللي هيغيّر حياتي كلها.
بعد ٣ شهور...
لما أبويا وأمي شافونا بالصدفة في الشارع...
وقفوا مكانهم كأنهم شافوا أشباح.
وشوشهم اصفرّت.
وعيونهم كانت مليانة صدمة.
لأنهم كانوا متأكدين إنهم كسروني...
لكن اللي حصل بعد ما سبت بيتهم، قلب حياتهم هم رأسًا على عقب... وخلاهم يتمنوا يرجعوا الزمن دقيقة واحدة بس.
كانوا واقفين في نص الرصيف، عيونهم متسعة ومش قادرين يحركوا خطوة واحدة. أبويا كان لسه رافع يده بيحاول يوقف تاكسي، فاليد تجمدت في الهواء كأنها حجر. وأمي كانت فاتحة فمها مش قادرة تطلع ولا حرف، والشنطة اللي في يدها كادت تقع من إيدها. وبجانبهم دنيا، كانت لابسة الفستان الجديد اللي اشترته من فلوس بيع حاجاتنا، لون وشها صار زي الطحين لما بصت ليا.
أنا وقفت مكاني شوية، مش عارفة أضحك ولا أندم. كنت ماشية بملك على كتفي، وهي لسه ضعيفة بس قاعدّة تضحك وتشاور على العصافير اللي طايرة فوق الشجر. الدكتور كان قال إن الحركة دي هي أفضل علامة على التحسن، وإنها قريبة جداً من الخروج من المستشفى نهائيًا.
عشرات الكلمات كانت عايزة تطلع من حلقي كلام وجع، كلام لوم، كلام كان بيتجمّع في قلبي كل ليلة وأنا قاعدة جنب سريرها. بس لما شفت حالتهم دي، كل الكلام ده اختفى. مش كرهتهم، ولا سامحتهم. بس ببساطة، ما عادوش لهم مكان في قلبي ولا في بالي.
أنا كنت ماشية أكمل طريقي، لما أبويا نادى بصوت مهزوز
ندى؟ يا بنتي... هو أنتي ندى حقًا؟
التفت لهم ببطء، وقلت بصوت طبيعي بلا أي انفعال
أيوه، أنا ندى. إزيكم؟
السؤال ده خليهم يرتجفوا أكتر. كانوا متوقعين صراخ، أو بكاء، أو لوم. بس الهدوء اللي في صوتي كان أثقل من أي عقاب ممكن يخيلوه.
أمي جت خطوة نحيا، ويدها بتترعش
يا بنتي... كنا... كنا فاكرين... فاكرين إنكم...
إننا إيه؟ سألتها بهدوء إننا متنا؟ ولا إننا تعبانين في الشارع ونطلب من الناس مساعدة؟ ولا إننا نعيش في زبالة زي ما توقعتم؟
دنيا نزلت عيونها للأرض، وشدّت حافّة الفستان بتاعها كأنها تحاول تخفيه. وأبويا مسح العرق