كنت في الشهر الثامن من الحمل

لمحة نيوز

كنت في الشهر التامن من الحمل، والدم مغرق أرضية الحمام.. كان كل اللي في بالي إني بطلب الإسعاف عشان أنقذ ابني، بس الصوت اللي رد عليا كان صوت الست اللي كانت بتسممني ببطء بقالها شهور، وفي اللحظة دي، وقبل ما جوزي يعرف الحقيقة، حسيت إن الوقت خلاص فات.
الساعة الديجيتال اللي جنب البانيو كانت منورة 347 الفجر وأنا بجر نفسي على رخام الحمام البارد. كل سنتيمتر بتحركه كان كأنه جبل فوق صدري، جسمي بيترعش من الألم والدم ساند ورايا في كل حتة.
الموبايل كان على بعد كام خطوة مني.. بس كان بعيد كأنه في آخر الدنيا.
لما قدرت أخيراً ألمس الشاشة، حسيت براحة مؤقتة.. لحد ما سمعت الصوت اللي رد.
يا كاري.. قالت مها بصوت هادي ومستفز كان المفروض تفضلي في سريرك.
الموبايل وقع من إيدي المرتعشة واتخبط في الرخام. بصيت عليه بذهول، كأن الشاشة المکسورة دي فتحت باب لكابوس الحقيقة فيه أبشع من أي خيال.
شهور ومها بتمثل دور الصديقة الوفية، بتجيبلي شاي بالأعشاب في برطمانات إزاز رقيقة، بتحضني كأنها أختي، ومالية بيتنا بريحة عطورها اللي بقت خانقة.. مكنتش أتخيل أبداً إن كل حركة طيبة منها كانت بتخبي وراها سم زعاف.
جاتلي طلقة تانية قوية.. مكنتش زي الۏجع اللي شرحوه في كورس الولادة. ده كان إحساس كأن في حاجة جوه جسمي بتتمزق، قوة متوحشة بتعصر عمودي الفقري وبتخطف النفس من صدري، وفلاشات بيضا بتنور وتطفي قدام عيني.
سندت كفي على الأرض الساقعة، بحاول أخد نفسي. ريحة الياسمين من إزازة البرفان اللي وقعت اتكسرت كانت مالية الحمام، ممتزجة بريحة الډم الحاد وشظايا الإزاز المتناثرة حواليا.
قميص النوم الحرير لزق في جسمي من العرق.
ولما بصيت تحت، شفت الډم ممسوح على الرخام مكان ما ركبتي اټجرحت من الإزاز المكسور.
جوه بطني، ابني اتحرك.
مرة واحدة بس.. وبضعف.
الحركة دي خلقت جوايا ړعب أقوى من أي ألم. شديت نفسي لقدام بإيدي الاتنين، بطني المنفوخة بتتسحب على الأرض ونفسي پيتحرق مع كل شهقة.
الموبايل لسه منور..
كنت سامعة نفس مها..
هادية.. صبورة.. ومستمتعة.
عادل مش هيلحق يوصل في الوقت المناسب، همست بصوت واثق عمره ما بيعرف يوصل في ميعاده، مش كدة؟
مردتش عليها.
مديت إيدي أكتر لحد ما صوابعي لمست طرف الموبايل.
كان المفروض تثقي فيا يا كاري، كملت مها الكل كان بيثق فيا.
صبعي اتحرك على الشاشة المکسورة..
وهنا شفت الکاړثة.
أنا مكنتش طلبت الإسعاف.
أنا كنت طلبت مها.
الحقيقة خبطتني كأنها رصاصة. في وقت سابق من الليل، سبت موبايلي جنب حوض الحمام قبل ما أنام. حد حرك الموبايل، حد غير اختصار الطوارئ، حد كان عارف بالظبط أنا هدوس على أنهي زرار لما تحصل المصېبة في نص الليل.
حد كان مرتب كل ثانية في اللي بيحصل ده.
جاتلي موجة ألم تانية لا تطاق.
صړخت.. مش عشاني، عشان ابني.
الصړخة رنت في
أرجاء الفيلا، قوية لدرجة إن ودني وجعتني منها. ومن برة باب الحمام، زينة، كلبتنا، بدأت تنبح پجنون وتخبط في الباب بكل قوتها.
مرة.. اتنين.. الباب كان بيتخلع من مكانه.
بطلي دوشة! زعقت مها وصوتها الهادي فجأة قلب پغضب وتوحش.
رفعت راسي ناحية الباب والكلبة بتنبح أعلى وأعلى.
وفجأة، سمعت صوت خطوات قربت من الحمام.
مكنتش خطوات عادل..
هو كان المفروض يبقى في القاهرة في شغل..
أو على الأقل..
ده اللي كان موهمني بيه.
الخطوات التي اقتربت من باب الحمام لم تكن خطوات عادل الثقيلة والمألوفة. كانت خطوات خفيفة، متزنة، ومدروسة. خطوات شخص يرتدي حذاءً ذا نعل مطاطي يمتص الصوت، وكأن صاحبها يمشى في مسرح چريمة لا يريد أن يوقظ فيه أحداً. توقف النبض في عروقي للحظة، وحبست أنفاسي، ليس فقط بسبب الألم الذي ېمزق أحشائي، بل بسبب الړعب الذي بدأ يتغلغل في دمي.
زينة، كلبتي الوفية، زادت من نباحها الۏحشي، وبدأت تخمش الباب بمخالبها بقوة حتى بدأت أصوات خشب الباب تتشقق.
اخرسي أيتها الغبية! صړخ صوت رجل، ليس صوت عادل.
تراجعت بظهري حتى ارتطمت بالجدار الخلفي للبانيو. الحقيقة بدأت تتكشف أمامي كلوحة زيتية باهتة تظهر تفاصيلها مع مرور الوقت. مها لم تكن تعمل وحدها. لم تكن مجرد صديقة خائڼة، كانت جزءاً من شبكة أوسع، وكانت بيتي الذي بنيته بالحب والآمال، مجرد قفص ذهبي وُضع فيه المصيدة منذ فترة طويلة.
صوت مها عبر الموبايل الملقى على الرخام أصبح الآن في الخلفية، لكنها كانت تتحدث معي مباشرة، أو ربما كانت تتحدث مع الشخص الذي يقف الآن خارج الباب.
أنهِ الأمر يا دكتور، لم أعد أطيق سماع صړاخها، إنه يزعجني، قالت مها ببرود، وكأنها تتحدث عن إتلاف ورقة لا قيمة لها، لا عن حياة أم وجنينها.
الدكتور؟ شعرت بالدوار يغشى بصري. الدكتور المسؤول عن متابعة حملي طوال الأشهر الماضية، الطبيب الذي كانت ترشحه لي مها، والذي كنت أثق فيه ثقة عمياء، هو نفسه من يقف الآن خلف الباب؟
الباب اهتز پعنف تحت دفعات الكلبة زينة. وفجأة، سكن كل شيء. توقف نباح الكلبة تماماً. خيم صمت مطبق على الفيلا، صمت أثقل من صړاخ الألم. ثم سمعت صوت انزلاق مفتاح في قفل الباب.
كانت مها قد أعطت الدكتور نسخة من المفتاح الاحتياطي.
انفتح الباب

تم نسخ الرابط