زعيم المافيا سال مين اللي عمل الاكله السريه بتاعت امه
مروان رفع الورقة قدام عينيه ببطء، وكل ثانية كانت بتمر كأنها ساعة، والصوت الوحيد اللي كان مسموع في المكان كان صوت تنفس مريم السريع، وضربات قلبها اللي كانت بتدق في ودنيها كأنها طبول حرب.
هو ما نطقش كلمة أولًا. بس رفع عينه لمساعد الشيف اللي كان واقف زي الحجر قريب من الباب، ورجليه بتترعش لدرجة ما كانش قادر يقف عليها. الراجل كان شاب في أوائل العشرينات، اسمه كريم، كان جاي من قرية صغيرة في الدلتا، واشتغل في المطعم ده من سنة ونص، وكان دايماً يبدي الطاعة ويخفض عينه لما حد يكلمه، لدرجة إن مريم كانت تشفق عليه أحيانًا، وتعطيه نصيبها من الحلويات اللي بتفضل من الطلبات. دلوقتي كان شكله زي اللي شاف الموت قدام عينيه.
مروان مد إيده ومد الورقة لصاحب المطعم اللي كان قاعد على كرسي صغير في الزاوية، وشكله كان هيغمى عليه في أي لحظة.
اقرأها. قال بصوت خالص من أي تعبير، فالراجل اخد الورقة بيدين بتترعش، وقرأ الكلمات بصوت مسموع للكل، وكل كلمة كانت بتقطع معاه
سممو طبق الدمنهوري قبل ما يدوقه واخلصو من النادله اللي بتقدمه. المبلغ اللي اتفقنا عليه هيوصل لأهلك قبل الفجر. ما تحاولش تتهرب، ونعمة الله عليك إنك تفضل صامت لحد ما تخلص.
لما خلص القراءة، سقطت الورقة من إيده على الأرض، ووجهه تحول لونها للون الرمادي.
أنا... أنا ما عرفش حاجة يا أستاذ مروان... وحياة ولادي ما كنت أعرف إن فيه حاجة زي كده...
مروان ما التفتش له. بص لكريم اللي كان بيدور على أي طريق يهرب منه، وقال بصوت هادي لكنه وصل لأعماق قلب كل واحد موجود
مين اللي كلمك؟ ومين اللي دفعلك؟
كريم نزل على ركبتيه فجأة، ودموعه نزلت بسرعة، وضرب راسه في الأرض كأنه بيطلب العفو من حكم الموت.
سامحني يا باشا... سامحني... ما كانش باختياري... أختي الصغيرة مريضة بالسرطان، ومحدش كان عنده المبلغ اللي محتاجه للعلاج... جالي راجل مجهول ليل أمس، وقال لي إن هيعطيني كل المبلغ لو عملت الحاجة دي... وقال لو رفضت هيقتلوا أختي ويموتوها وحيدة في المستشفى...
مريم قلبها اتقطع لما سمعت كلامه، رغم الخوف اللي كان ماسكها من كل جهة. هي عارفة معنى العجز قدام مرض الأهل، عارفة معنى إنك تبيع روحك عشان تنقذ روح غالية عليك، لأنها عاشت نفس الشعور لما كانت أمها مريضة، وتجولت كل الشوارع بتدور على قرش ولا حد سمع لها. لكن مروان كان بيسمع بتركيز، وملامحه ما تغيرتش، بس عينيه كانت بتجمع كل كلمة كأنها بتربط خيوط قديمة بعضها ببعض.
والشيف الرئيسي؟ سأل فسكت كريم لحظة، ثم قال بصوت مهزوز
هم اللي خوفوه كمان... قالوا لو ما ساب المكان قبل ما تيجي أنت، هيفضحوا كل حاجة بيعملها في المطعم... وهددوا بقتل بنته الصغيرة اللي في السنة الأولى من المدرسة...
الكل فهم الحكاية دلوقتي. الخطة كانت محكمة يخلوا المكان بلا شيف، يضطروا أي حد يطبخ الطبق، يسمموه، وبعدين يلقوا اللوم على أي شخص، ويتخلصوا منها عشان ما تتكلم، وكل ده يتم تحت سمع وبصر المكان اللي كله بيخاف من صاحب المطعم ومن رجال مروان، فمحدش كان يجرأ يسأل أو يتكلم. لو مريم ما دخلت المطبخ، لو ما استخدمت وصفة أمها، لو ما كان الطبق ده أثار ذكريات مروان، كان ممكن الخطة تنجح، وكل واحد كان يخرج من القصة بريء إلا الضحايا.
مروان لف وجهه لصاحب المطعم اللي كان لسه قاعد في مكانه زي المشلول
منذ متى وانت بتاخد طلبات من ناس تانية غيري؟ ومنذ متى وانت بتسمح لحد يهدد عمالك ويتلاعب بمكاني؟
أبدًا يا باشا... أبدًا... أنا ما كنتش أعرف حاجة... ما كنتش أعرف... تكرر الكلام زي المجنون، فمروان رفع إيده ووقف الكلام، وقال لواحد من رجال اللي كان واقف وراه
اخدهم الاتنين... خليهم في المكان الآمن لحد ما نعرف كل حاجة بالتفصيل. خلي حد يتابع حالة أخت كريم في المستشفى، وادفع كل التكاليف، وما حدش يضربهم ولا يهينهم لحد ما نخلص التحقيق.
الراجل أمر، فاتنين من الرجال اخدوا كريم وصاحب المطعم وخرجوا بهم، وساد الصمت تاني، بس صمت مختلف، صمت انتظار لما هيقول الزعيم بعد كده.
مروان لف وجهه لمريم تاني، ولأول مرة لاحظ تفاصيلها اليونيفورم اللي كان نظيف لكن قديم، والجزمة اللي نعلها منفوش، والخاتم النحاسي الصغير في إصبعها اللي كان نفس الخاتم اللي كان في إصبع ليلى فؤاد زمان، اللي كان مروان شافه مرة واحدة لما كان صغير. نظراته ما كانتش تخوفها دلوقتي، كانت نظرة حنين وحيرة، وكأنها بتبحث عن أثر لشخص كان مفقود من سنين طويلة.
تعالي معايا. قال ببساطة، فمريم ترددت، وبصت للرجال اللي كانوا واقفين حولين المكان، فقال مروان بلهجة أرق
مش هأذيكِ. عايز أعرف كل حاجة عن والدتك. وعايزك تشوفي حاجة كانت ليها علاقة بيها من سنين طويلة.
مريم هزت راسها بالإيجاب، واتبعته بره المطعم. كان موكب العربيات واقف بره، والهواء البارد ليل القاهرة لامس وجهها، وشممت رائحة التراب والزهور اللي كانت بتملأ الشوارع الجديدة في القاهرة الجديدة. مروان فتح لها باب العربية الكبيرة السودا، وركب وراها، وبدأت العربيات تتحرك ببطء، مع سيارة حماية قدام وورا، والشوارع تمر بسرعة كأنها أجزاء من حكاية تانية ما ليها علاقة بيها.
الفصل الثاني الأسرار اللي اخفاها الزمن
الطريق كان طويل، ولا أحد تكلم في البداية. مريم كانت بتنظر للشوارع اللي بتتغير، من المطعم اللي كان في منطقة راقية، لشوارع أوسع، لحد ما وصلوا لمنطقة الفيلات المنعزلة اللي تحيط بها أشجار كثيفة، وكل فيلا منها تبدو كأنها عالم لوحدها. العربية وقفت قدام فيلا ضخمة مبنية بالحجر البني، وباب حديدي ضخم اتفتح تلقائيًا لما شاف الموكب، ودخلوا لحد ما وقفوا قدام المدخل الرئيسي.
لما نزلت مريم، لاحظت إن المكان مش زي ما كانت تتوقع. ما كانش فيه استعراض للقوة ولا للثروة زي ما بتسمع عن بيوت العائلات الكبيرة، كان المكان هادي، مليء بالذكريات، والريحة اللي كانت بتطلع من الحديقة كانت ريحة زهور الياسمين اللي كانت أمها بتحبها أكتر من أي حاجة تانية.
دخلوا للفيلا، والديكور كان بسيط لكنه فخم، بالخشب الطبيعي واللوحات القديمة، وفي وسط الصالة الكبيرة كان صورة ضخمة لامرأة جميلة بابتسامة هادية، عيونها بنية دافئة، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها. مريم عرفت فورًا إنها مدام سلوى، أم مروان، واللي كانت تشبهها كتير في الملامح، وكأنها قريبة منها من غير ما تعرف السبب.
مروان وقف قدام الصورة لحظة، ثم لف لها وقال
تعالي معايا للمكتب.
المكتب كان في الطابق الأول، غرفة كبيرة بباب خشبي ضخم، وعلى الجدران أرفف مليئة بالكتب القديمة، وفي النص مكتب خشبي عتيق، وكرسي جلدي بني. مروان شغل الإضاءة الخافتة، وفتح درجًا سريًا في جانب المكتب، واخرج منه صندوقًا خشبيًا صغيرًا عليه نقوش زهور، ووضعه على المكتب، وفتحه قدام مريم.
جواه؟ كان شال صوف أبيض، وقارورة عطر قديمة، وصورة صغيرة لطفل صغير