بعد ما اتحرقت في جسمي كله وانا بنقذ اختي الصغيرة
ليها.
أول مرة أشوف الدموع في عينيها من يوم الحريق.
قالت وهي پتبكي
بعد الحاډث... كل ما كنت ببصلك كنت بافتكر اللي حصل.
كنت بحاول أهرب من إحساسي بالذنب.
ومع الأيام... بقينا كلنا بنتعامل مع الحروق... كأنها هي المشكلة.
ونسينا إن السبب اللي خلاكي بالشكل ده...
إنك أنقذتي بنتنا.
أبويا نزل راسه.
وقام هو كمان.
وقف قدامي، وقال
أنا فشلت.
بصيتله باستغراب.
قال
كل مرة كانوا بيجرحوكي فيها...
كنت بسكت.
وكنت فاكر إن السكوت هيحافظ على العيلة.
لكن الحقيقة...
أنا كنت بسيب بنتي تتظلم.
ريم بدأت تتوتر.
وقالت بصوت عالي
هو أنا بقيت الشريرة يعني؟
لف كريم ناحيتها.
وقال
محدش قال كده.
إنتِ اللي قلتي الكلام.
وإنتِ اللي شايفة إن أختك شوهت صورتك.
صړخت
لأن الناس كانت بتبص!
ردت عليها نادية بهدوء
الناس كانت بتبص بإعجاب.
إنتِ الوحيدة اللي كانت شايفة الحروق.
أما إحنا...
فكنا شايفين البطلة.
القاعة كلها سكتت.
وفجأة...
وقفت ست كبيرة كانت قاعدة في الصفوف الأخيرة.
وقالت
أنا كنت ساكنة جنبكم زمان.
كل الناس بصتلها.
قالت
فاكرة يوم الحريق.
وفاكرة البنت دي وهي خارجة شايلة أختها.
وفاكرة إن نص الحي كان بيقول إنها بطلة.
محدش فينا نسي.
واضح إن اللي نسي...
هو أهلها.
بدأت همهمات التأييد تنتشر.
واحد من المعازيم قال
لو أختي عملت معايا نص اللي عملته...
كنت هشيلها فوق راسي.
وست تانية قالت وهي بتمسح دموعها
أنا مستغربة إزاي قدرتي تقولي لها الكلام ده.
ريم بقت تلف حواليها.
كل الوجوه اللي كانت من شوية بتضحكلها...
بقت باصة لها باستياء.
قربت من كريم مرة تانية.
وقالت
أرجوك... خلينا نكمل الفرح.
بصلها كريم ثواني طويلة.
وبعدين سألها سؤال واحد.
لو الزمن رجع...
وكانت أختك هتدخل الڼار تنقذك...
كنتِ هتختاري إنها تسيبك؟
ريم فتحت بقها...
لكن ولا كلمة خرجت.
لأنها كانت عارفة...
إن الإجابة الحقيقية...
هتفضحها أكتر.
ابتعد كريم خطوة.
وفك رابطة الوردة من على بدلته.
وحطها على الكرسي المتحرك بتاعي.
وقال وهو بيبصلي
أنا عمري ما قابلت شخص يستحق الاحترام قدك.
ثم لف ناحية القس وقال
أنا محتاج أراجع قراري.
وساب المذبح...
ومشى.
أما ريم...
فوقفت مكانها.
لوحدها.
ولأول مرة في حياتها...
عرفت إن الجمال
الحقيقي...
ماكانش في الفستان الأبيض.
ولا في صور الفرح.
كان في الندوب اللي فضلت على جسم أختها...
لأنها اختارت تنقذها هي.
ريم فضلت واقفة مكانها...
وعينيها بتلف بين الناس.
كانت مستنية حد يقف جنبها.
حد يقول إن اللي حصل سوء تفاهم.
لكن...
ولا شخص واحد اتحرك.
حتى وصيفات الشرف...
بعدوا عنها خطوة من غير ما يحسوا.
أما كريم...
فكان واقف عند باب الكنيسة.
باصص برا.
وكأنه بيحاول يستوعب إن البنت اللي كان فاكر إنه يعرفها...
طلعت شخص تاني خالص.
القس قرب منه وقال بهدوء
يا ابني... القرار ده لازم يكون عن اقتناع.
رد كريم من غير ما يلف
وده أول قرار في حياتي بحسه بجد.
في الوقت ده...
قربت مني نادية.
ركعت قدام الكرسي المتحرك.
وقالت بابتسامة دافية
أنا آسفة إنك اضطرّيتي تسمعي الكلام ده في يوم المفروض يكون فرحة.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
وقلت
أنا اتعودت.
هزت راسها بحزن.
وقالت
وده أكتر رد وجعني.
لأن الإنسان...
لما يتعود على الإهانة...
يبقى اتجرح أكتر بكتير من اللي الناس شايفاه.
في اللحظة دي...
قربت بنت صغيرة، يمكن عندها سبع سنين.
كانت ماسكة وردة بيضا.
وقفت قدامي وهي متكسفة.
وقالت
هو إنتِ سوبر هيرو؟
ضحك شوية من المعازيم.
لكن البنت كملت بمنتهى البراءة
ماما قالت إنك ډخلتي الڼار علشان تنقذي أختك.
وأبطال القصص بيكون عندهم علامات.
وعلشان كده أنا مش خاېفة من شكلك.
حسيت دموعي نزلت لأول مرة.
مدت البنت الوردة ليا.
وقالت
دي ليكي.
خدتها منها وأنا بشكرها.
أما نادية...
فكانت بتمسح دموعها.
وفجأة...
طلع صوت تصفيق.
بصيت.
لقيت راجل كبير واقف بيصفق.
وبعده واحدة.
وبعدين اتنين.
وبعدين...
الكنيسة كلها.
كل الناس كانت بتسقف.
مش للعروسة.
ولا للعريس.
لكن...
للبنت اللي خرجت من الڼار وهي شايلة أختها.
ريم بصت للمشهد...
ووشها شحب.
لأول مرة فهمت...
إن الناس عمرها ما كانت شايفة الحروق.
هي اللي كانت شايفاها.
أبويا قرب مني.
ونزل على ركبته قدام الكرسي.
وقال بصوت مخڼوق
أنا ضيعت سنين وأنا بحاول أخبي بطلتنا...
بدل ما أفتخر بيها..
وقالت وهي پتبكي
سامحينا يا بنتي.
ربت على إيدها بهدوء.
وقلت
أنا سامحت من زمان...
بس نفسي كنت أحس إنكم شايفني.
الكلمات دي...
كسرت آخر حاجة كانت متماسكة جواهم.
أما كريم...
فرجع يمشي ناحيتنا.
وقف قدامي.
وقال
أنا مش هكمل الجوازة دي.
ريم صړخت
إنت هتسيبني بسببها؟
بصلها بهدوء وقال
لأ...
هسيبك بسببك.
اللي يقدر يهين الشخص اللي ضحى بحياته عشانه...
بصعوبة هيفهم معنى الوفاء...
أو الرحمة...
أو الحب.
وكل الصفات دي...
هي اللي كنت بدور عليها في شريكة حياتي.
خلع دبلة الخطوبة من إيده.
وحطها على الطاولة جنب المذبح.
ثم خرج من الكنيسة...
من غير ما يبص وراه مرة واحدة.
أما أنا...
فخرجت بعدها بدقائق على كرسيي المتحرك.
لكن لأول مرة من سنين...
ماكنتش حاسة إني خارجة مکسورة.
كنت خارجة...
ورأسي مرفوعة.
لأن الحقيقة...
مهما اتأخرت...
لما بتظهر...
بتخلي كل الناس تعرف مين البطل الحقيقي.
بعد أسبوعين...
وصلني ظرف صغير من مكتب المحامي.
كان جواه ورقة واحدة.
عرفت منها إن كريم أنهى الخطوبة رسميًا.
ومن غير أي نزاعات.
ومن غير ما يطلب يرجع أي هدايا أو أي حاجة.
أما ريم...
فقفلت على نفسها البيت أيام.
كل وسائل التواصل كانت مليانة بالكلام عن اللي حصل في الفرح.
حد من المعازيم كان صور اللحظة اللي وقفت فيها نادية واتكلمت.
والفيديو انتشر بسرعة.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجع ريم...
إن الناس ما كانتش بتهاجمها علشان أهانتني.
كانت بتهاجمها لأنها أنكرت فضل إنسانة ضحت بعمرها علشانها.
بعد شهر...
رن جرس بيتي.
ولما فتحت...
لقيت ريم.
كانت واقفة لوحدها.
من غير مكياج.
ومن غير كبرياء.
وشها كان مرهق...
وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافتني...
وقعت على ركبها.
وقالت وهي پتبكي
سامحيني يا سلمى.
سكتت.
وكملت بصوت متقطع
أنا كل السنين دي كنت كل ما أبص للحروق... أهرب.
كنت بحاول أنسى اللي حصل.
وللأسف...
وأنا بهرب من ذكريات الڼار...
هربت منك إنتِ كمان.
بصيت لها طويلًا.
وقلت بهدوء
أنا عمري ما زعلت إن جسمي اتحرق.
أنا زعلت إن أختي...
نسيت ليه اتحرق.
اڼهارت في البكاء.
وقالت
كل يوم كنت بصحى وأقول لنفسي إن حياتي دي هدية منك.
لكن مع الوقت...
اتعاملت مع الهدية كأنها حق مكتسب.
قربت منها.
وحطيت إيدي على راسها.
وقلت
المسامحة سهلة.
لكن استرجاع الثقة...
بياخد وقت.
هزت راسها وهي پتبكي.
وقالت
وأنا مستعدة أستنى العمر كله.
بعد سنة...
افتتحت مركزًا لدعم الناجين
من الحروق.
مكان يساعدهم يتعالجوا...
ويتعلموا يعيشوا من جديد.
وفي يوم
الافتتاح...
كانت أول متطوعة واقفة عند الباب...
ريم.
مش كأخت البطلة.
لكن كشخص بيحاول يصلح غلطه.
وقفت قدام الحضور، ومسكت الميكروفون.
وقالت
زمان كنت بستخبى من أختي علشان شكلها.
النهارده...
أنا فخورة إني أتشرف باسمها.
ثم نزلت من على المسرح.
وجت قدامي.
وطبعت قبلة على آثار الحروق في إيدي...
قدام الجميع.
ولأول مرة من تسعتاشر سنة...
ماحاولتش أخبي إيدي.
ابتسمت.
لأن الندوب عمرها ما كانت علامة ضعف.
كانت وسامًا...
دفع تمنه إنسان...
علشان ينقذ إنسانًا تاني.
والنهاية الحقيقية للقصة...
إن الڼار ما شوّهتش وجهي.
هي كشفت وجوه الناس.
واللي استحق يبقى في حياتي... فضل.
واللي كانت إنسانيته أضعف من ندبة...
خرج منها إلى الأبد.