ولادي التوأم
ابني التوأم اللي عاش كان بيزرع زهور الزنبق كل سنة عشان أخته اللي ماتت وقت الولادة... لكن في عيد ميلادهم ال، لقينا كل الزهور متقطعة، وفي نصها بالظبط كان فيه صندوق أسود غامض.
ابني عمر اتولد قبل أخته التوأم ليلى ب دقيقة.
عمر رجع معايا البيت من المستشفى.
أما ليلى... ما رجعتش.
قالولي إن ليلى بطلت تتنفس بعد الولادة بوقت قصير.
وقتها كنت ضعيفة جدًا، وتحت تأثير الأدوية، ووعيّي شبه غايب. ولما حالتي اتحسنت أخيرًا وبقيت قادرة أفهم اللي حصل حواليا، كان كل شيء خلص بالفعل.
قالولي إن بنتي ماتت...
وإن كل الإجراءات اتعملت.
كبر عمر، وأنا عمري ما خبيت عليه إنه كان عنده أخت توأم.
ولما كان عنده خمس سنين، سألني سؤال لحد النهارده مش قادرة أنساه.
قال لي
ماما... بما إن ليلى مش هتقدر تحتفل بعيد ميلادها معانا، ينفع نزرعلها ورد بدل كده؟
في نفس اليوم بعد الضهر، نزلنا وزرعنا أول زهرة زنبق بيضا جنب مدخل البيت.
ومن يومها، بقى ده طقس عمر كل سنة.
في كل عيد ميلاد، كان بيزرع زهرة جديدة لأخته.
ومع مرور السنين، الزهرة الواحدة بقت اتنين وتلاتة وعشرة...
لحد ما المكان اتحول لرقعة كاملة مليانة بزهور الزنبق الأبيض الجميلة.
وعمر سماها
جنينة ليلى.
كان هو اللي بيسقيها بنفسه.
وهو اللي بيشيل أي حشائش غريبة تطلع وسطها.
وكان بيرفض تمامًا إن أي حد يقطف منها زهرة واحدة.
باستثناء يوم واحد بس في السنة...
يوم عيد ميلادهم.
في اليوم ده، كان عمر بيختار بنفسه أجمل زهرة زنبق في الجنينة، ويقطفها بحرص، وياخدها معاه وهو رايح يزور قبر أخته.
كل سنة...
نفس الطقس.
نفس الزهرة البيضاء.
ونفس الزيارة.
لحد امبارح.
امبارح ابني تم 15 سنة.
صحيت قبل الساعة سبعة الصبح على صوت صرخة جاية من بره البيت.
صرخة خلتني أقوم من السرير مفزوعة وأجري ناحية الباب.
ولما وصلت لباب البيت وخرجت...
لقيت عمر واقف حافي وسط النجيلة.
واقف مكانه من غير ما يتحرك.
كأنه اتجمد.
بصيت قدامه...
واتصدمت.
كل زهور الزنبق اختفت.
كلها.
حد دخل الجنينة وقطع كل زهرة بعناية من عند الساق.
مش بس كده...
الزهور البيضاء المتقطعة كانت مترمية ومتناثرة في كل مكان فوق النجيلة.
بصيت لعمر.
كان واقف بيبص للمنظر ومش قادر يستوعب.
وبعد ثواني، صوته خرج مكسور
ماما...
وسكت لحظة، قبل ما يقول
مين ممكن يعمل فيها كده؟
قلبي اتقبض.
بالنسبة لعمر، دي ما كانتش مجرد شوية زهور.
دي كانت جنينة أخته.
الشيء الوحيد اللي بناه بإيده عشان يحافظ على ذكراها طول السنين دي كلها.
لكن وأنا ببص وسط زهور الزنبق البيضاء المقطوعة، عيني وقعت على حاجة غريبة.
حاجة سوداء وسط كل اللون الأبيض ده.
صندوق أسود.
كان موجود بالظبط في منتصف جنينة ليلى.
ومن طريقة وضعه، كان واضح جدًا إنه ما وقعش هناك بالصدفة.
حد حطه بعناية في المكان ده تحديدًا.
عمر اتحرك بسرعة ناحيته ومد إيده عشان ياخده.
لكن قبل ما يلمسه، مسكت رسغه.
استنى يا عمر.
وقف وبصلي.
كنت حاسة إن فيه حاجة غلط.
على غطا الصندوق كان فيه ظرف أبيض متثبت بشريط لاصق.
وعلى الظرف، حد كتب بخط إيده كلمتين
إلى عمر.
حسيت معدتي اتقبضت.
مديت إيدي، شلت الظرف من على الصندوق وفتحته.
كان جواه ورقة واحدة.
رسالة مكتوبة بخط الإيد.
فتحتها وبدأت أقرا.
لكن أول جملة خلتني أقف.
قريتها مرة...
وبعدين قريتها مرة تانية.
كأن عقلي كان رافض يفهم معنى الكلمات اللي قدامي.
كان مكتوب
والدتك قالت لك ما قيل لها... لكن لا أنت ولا هي تعرفان ما حدث فعلًا لليلى.
حسيت رجلي مش شايلاني.
فضلت باصة للورقة، وإيدي بدأت ترتعش.
إيه معنى الكلام ده؟
أنا قلت لعمر اللي قالوهولي في المستشفى.
إن أخته توقفت عن التنفس بعد الولادة.
إنها ماتت.
إن كل شيء انتهى.
لكن الرسالة بتقول إن ده مش اللي حصل؟
نزلت بعيني للسطر اللي بعده.
وكان فيه جملة واحدة أخيرة
افتح الصندوق يا عمر... حان الوقت لتعرف الحقيقة.
رفعت عيني ببطء ناحية ابني.
عمر كان بيبصلي.
وشه بقى أبيض تمامًا.
ولا أنا كنت عارفة أقول له إيه...
ولا هو كان قادر يسأل.
فضلنا واقفين وسط زهور أخته المقطوعة، والصندوق الأسود بينا.
وبعد لحظات، عمر انحنى ناحيته.
إيديه كانت بتترعش وهو بيمسك الغطا.
حاولت أتكلم...
لكن صوتي ما خرجش.
رفع عمر غطاء الصندوق ببطء.
بص جواه...
وفجأة اتسعت عينيه.
اتراجع خطوة للخلف...
ثم صرخ بأعلى صوته.
رفع عمر غطاء الصندوق ببطء.
بص جواه...
وفجأة اتسعت عينيه.
اتراجع خطوة للخلف وطلع منه صوت مخنوق، قبل ما يصرخ
مامااا!
جريت عليه وبصيت جوه الصندوق.
كان فيه طاقية صغيرة جدًا من الصوف، لونها أبيض وفيها خط وردي باهت.
جنبها كان فيه سوارين من أساور المستشفى البلاستيك اللي بيتحطوا للأطفال بعد الولادة.
وورقة مطوية.
وفي قاع الصندوق كانت فيه صورة مقلوبة على وشها.
مد عمر إيده المرتعشة وأخذ أول سوار.
قرأ الاسم المكتوب عليه
عمر.
وتاريخ ميلاده.
وبعدين أخذ السوار التاني.
وسكت.
كان مكتوب عليه
ليلى.
نفس تاريخ الميلاد...
لكن التوقيت بعد عمر ب دقيقة.
رفع عينيه ناحيتي، وطلع منه صوت شبه شهقة مكتومة.
دول... بتوعنا؟
ما قدرتش أرد.
أنا نفسي ما كنتش فاهمة إزاي الحاجات دي موجودة هنا.
مد عمر إيده ناحية الصورة الموجودة في قاع الصندوق.
قلبها.
وفي اللحظة اللي شافها فيها، صرخ
ماما!
خدت الصورة بسرعة من إيده.
وكانت الصدمة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
في الصورة كان فيه طفلين حديثي الولادة نايمين جنب بعض تحت بطانية المستشفى.
واحد منهم كان وشه مليان ولونه وردي.
والطفلة اللي جنبه كانت أصغر، وحواليها خراطيم طبية رفيعة.
لكن أكتر حاجة شدت عيني...
كانت إيديهم.
إيد الطفل الصغير كانت قريبة من إيد الطفلة...
وصوابعها الصغيرة كانت ملتفة حوالين صوابعه.
عمر أشار للصورة بإصبعه لدرجة إنه لمسها بقوة.
ده... أنا.
بصيت للأسماء المكتوبة جنب الطفلين.
عمر.
ليلى.
وقعت على الأرض وسط النجيلة المبلولة.
لأ...
قعد عمر جنبي.
ماما،