سر اخت جوزي الاخير
صوت السارينة كان بيقرب بسرعة رهيبة، ونور عربيات البوليس الأحمر والأزرق شق ضلمة مدخل البلد وعكس على وشوش المعازيم اللي بدأوا يتدافعوا برة الفرح عشان يفهموا إيه اللي بيحصل.
المزيكة جوة الصيوان قطعت فجأة، والدي جي سكت، والهمهمات اتقلبت لهرج ومرج:
"في إيه؟! البوليس جاي لمين في الفرح؟!"
"ده البوكس واقف قدام بيت الحاج عبد العظيم!"
رانيا وشها اتخطف، ورجليها مكنتش شايلاها، لدرجة إنها سندت بإيد مرتعشة على كتف محمود اللي كان واقف متجمد كأن صاعقة نزلت عليه من السما.
بصتلي وعينيها كانت مليانة رعب حقيقي لأول مرة أشوفه فيها، رعب الست اللي طول عمرها متعودة تظلم وتفتري وفاكرة إن الدنيا مالهاش صاحب.
"داليا… داليا أبوس إيدك، إنتِ عملتي إيه؟! قوليلي مين اللي كان بيكلمك ده؟!"
ابتسمت ببرود وقولتلها:
"اللي كان بيكلمني دي مديحة… صاحبتك الأنتيم وشريكة جوزك في المعرض، اللي إنتِ وجوزك طارق نصبتوا عليها في نص مليون جنيه عشان تعملوا شبكة توظيف الأموال القذرة بتاعتكم! فاكرة إنك لما كنتي بتخططي مع جوزك تلهفوا فلوس أبويا، مكنش في حد شايفكم؟ مديحة لما حست إن جوزك هيلبسها هي الليلة وهيخلع بفلوس الناس، جت لحد عندي وفتحتلي كل الدفاتر!"
محمود حط إيده على راسه كأنه هيموت من الصداع، وبص لأخته وصرخ بأعلى حسه وسط الناس اللي بدأت تتلم حوالينا دايرة مقفولة:
"طارق ومديحة؟! توظيف أموال إيه يا رانيا؟! إنتِ وجوزك بتشتغلوا نصابين؟! والتوكيل اللي خليتيني أمضيه عشان شقة العجمي ده كان داخل في مصيبتكم السودة دي؟!"
رانيا لسه هترد وتصرخ، لكن عربيتين شرطة وقفوا بفرملة حادة في نص الشارع الترابي، ونزل منهم ظابط مباحث ومعاه أمناء شرطة.
الظابط شاور بإيده وقال بصوت جهوري هز المكان:
"مين هنا المدعوة رانيا فهمي، والمدعو محمود فهمي؟"
محمود اتنفض، وجسمه كله اتشنج:
"أنا… أنا محمود يا باشا، في إيه حضرتك؟! إحنا في فرح!"
الظابط بص في الملف اللي في إيده وقال بجمود:
"صادر ضدكم أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بناءً على البلاغات المقدمة من أكتر من ستين شخص بالنصب، وإيصالات أمانة وتزوير عقود بيع وشراء، وجوز أختك طارق لسه مقبوض عليه في كمين على أول الطريق الزراعي وهو بيحاول يهرب بشنطة فيها دولارات وعقود مزورة!"
الكلمة نزلت على رانيا زي حد السيف، صرخت بصوت هستيري: #حكايات_منــال_عـلـي
"طارق هرب وسابني؟! الكلب… الندل! والله ما عملت حاجة لوحدي، هو اللي خطط لكل ده! ومحمود… محمود أخويا هو اللي ماضي على كل العقود وإيصالات الأمانة، اسألوه هو، هو صاحب المعرض مش أنا!"
كل الناس اللي في الفرح شهقوا من الصدمة.
أهل البلد، والمعازيم، وقرايبهم اللي كانت رانيا بتعمل قدامهم الست التقية الشريفة، كلهم بقوا بيبصوا لها بنظرات احتقار تقطع الجلد.
محمود بص لأخته، والدموع نزلت من عينيه زي الشلال، بس المرة دي كانت دموع قهر من اللي لحمه ودمه عملته فيه.
"بتبيعيني يا رانيا؟! بعد ما بعت مراتي اللي صانتني وخربت بيتي عشان أرضيكي؟! بترميني للبوليس عشان تنفدي بجلدك؟!"
رانيا كانت بتصرخ وهي بتتقيد بالكلابشات:
"الحقني يا محمود، قولهم إنك المسؤول، أنا ولية وعندي عيال! متسيبهمش ياخدوني!"
قربت خطوة بهدوء من الظابط، وفتحت شنطتي وطلعت منها ملف أزرق كامل، وسلمته له بإيدي:
"اتفضل يا فندم… دي كل الأصول، وتسجيلات صوتية موثقة ومعمولة بمعرفة خبير أصوات بتثبت إن محمود كان ممضي على التنازلات دي بالنصب وخيانة الأمانة، وإن رانيا وطارق هما المدبرين الوحيدين للشبكة دي، وكمان إيصالات الأمانة اللي على محمود متفبركة بتاريخ قديم قبل جوازنا."
الظابط بص في الورق، وبصلي بإعجاب وقال:
"البلاغ بتاعك يا مدام والتوكيلات اللي قدمها والدك ومحاميه هي اللي خلتنا نتحرك بسرعة ونلحق المتهم الرئيسي قبل ما يهرب… تمام، اتفضلوا معانا على القسم عشان نقفل المحضر."
الكلابش نزل في إيد رانيا، وهي بتصرخ وتولول زي المجنونة وسط زفة المعازيم اللي كانوا لسه من دقايق بيهيصوا، والناس كلها بتبص عليها بشماتة ومحدش واحد رضي يمد إيده أو يرمي كلمة يسترها بيها.
محمود فضل واقف مكانه، وشه في الأرض، تايه ومصدوم ومش قادر يرفع عينه في أي حد من أهل البلد.
لف وشه ناحيتي، ولقيته بيقرب مني وخطواته تقيلة، وفجأة… رمى نفسه على ركبه قدامي قدام كل المعازيم، مسك طرف عبايتي وهو بينهار بالبكا:
"داليا… حقك عليا، أنا خسيس وواطي… استاهل أي حاجة تعمليها فيا. إنتِ نقذتيني من السجن وأنا كنت لسه كاسر خاطرك وبقولك هطلقك لو لمستي أختي! أنا مكنتش شايف، كانت مغمياني… أرجوكي يا داليا متخربيش بيتنا، تعالي نرجع وأنا هكتبلك كل حاجة باسمك، وهبوس راسك ورجلك قدام أهلك وأهل البلد كلهم!"
رجعت خطوتين لورا، وسحبت هدومي من إيده بمنتهى الحسم، وبصيت له بنفس النظرة الباردة اللي وعدته بيها:
"إنت قولتلي من شوية لو إيدي لمست أختك هكون طالق… وأنا ملمستهاش، بس فضحتها… وفوقتك. بس اللي انت مش فاهمه يا محمود، إني منقذتكش عشان سواد عيونك، أنا أنقذتك عشان ده حق أبويا وفلوسه اللي كانت هتضيع في وسط المصيبة دي."
مسحت دمعة يتيمة نزلت على خدي، دمعة كانت بتودع تلات سنين من السذاجة وقلة الحيلة، وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي واقفين:
"أنا كرامتي مش رخيصة يا محمود، ومفيش راجل في الدنيا يرفع إيد أخته على وش مراته ويهددها بالطلاق، ويفضل في نظري راجل. يمين الطلاق اللي رميته في الفرح ده هثبته بكرة في المحكمة، وورقة طلاقي توصلني على بيت أبويا… معززة مكرمة."
لفيت ضهري ومشيت في الشارع، ركبت تاكسي كان والدي ومحاميه مستنيني فيه على أول الطريق.
بصيت من الشباك ورايا لآخر مرة…
شوفت رانيا بتركب بوكس البوليس مكلبشة ومذلولة، وشوفت محمود واقع على ركبه في تراب الشارع بيبكي بحرقة وندم مش هينفعه طول عمره.
قفلت الشباك وابتسمت وأنا مرتاحة لأول مرة من تلات سنين… #حكايات_منــال_عـلـي
حق القلم جالي، بس المرة دي مش بقلم تاني، ده كان بدرس كسر عين اللي ظلموني وعلّمهم إن الساكت لما بينطق… مبيسبش وراه غير الخراب على الظالمين!