بعد شهر واحد

لمحة نيوز

الساعة كانت خمسة الفجر بالظبط، لما موبايلي رن.
فتحت عيني، وبصيت للشاشة.
رقم حماتي السابقة.
فضلت ثواني ساكتة.
أنا مطلقة بقالى شهر.
شهر كامل من يوم ما خرجت من بيتهم، وكنت فاكرة إن أخيرًا حياتي هتبدأ من جديد.
لكن الظاهر إنهم كانوا شايفين الموضوع بشكل تاني.
رديت.
ما لحقتش أقول ألو.
سمعت صوتها
إنتِ بتعملي نفسك نايمة ليه؟ الساعة بقت خمسة الصبح! النهارده عيد ميلاد حماكي السبعين، والضيوف هييجوا بدري، وأنا عايزاكي هنا خمسة ونص بالظبط.
غمضت عيني.
وبدأت أفتكر.
عشر سنين.
عشر سنين وأنا بصحى قبل الناس.
أدخل مطبخهم.
أطبخ.
أجهز.
أنضف.
أغسل.
وأقف آخر اليوم أسمع ضحكهم في الصالة، وأنا لسه واقفة عند الحوض.
قالت
هتعملي اللحمة بالأعشاب، والأرز، ولفائف اللحمة، والسلطة الكبيرة، وكيكة الجوز. وما تتأخريش، عشان أنا مش ناقصة ضغط.
بصيت للساعة.
504.
قلت بهدوء
آسفة... مين معايا؟
سكتت.
وبعدين قالت
إنتِ بتستهزئي بيا؟
لأ.
أنا حماتك!
قلت
حماتي السابقة.
الصمت اللي حصل بعدها كان أغلى من أي كلمة.
قالت
إنتِ نسيتي نفسك؟
بالعكس.
يعني مش جاية؟
لأ.
عندنا تلاتين ضيف!
مش مسؤوليتي.
ده عيد ميلاد أبو جوزك!
قلت
جوزي السابق.
اتنهدت بعصبية.
ابنك... أقصد ابني، قال لي إنك قاعدة لوحدك وبتعملي نفسك قوية. لو عايزة نكلمه يرجعك، تعالي ساعديني الأول.
ضحكت.
لأ.
لأ إيه؟
مش جاية.
صوتها ارتفع
والله لو ما وصلتيش هنا خلال عشرين دقيقة، إحنا جايين عند أهلك!
سكت.
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي كانت عارفة إنها ممكن تهزني.
أهلي.
لأنهم ماكانوش يعرفوا الحقيقة.
أنا كنت مخبية عنهم كل حاجة.
كنت بقول لأمي
أنا كويسة.
وأبويا
مفيش مشاكل.
كنت بخاف أقول لهم إن بنتهم اللي اتجوزت وهي عندها أحلام وشغل، قضت سنين وهي بتخدم بيت جوزها وكأن ده واجب أبدي.
لكن المرة دي...
ما رجعتش.
قلت
روحي.
إنتِ متأكدة؟
أيوه.
وقبل ما أقفل، سمعت صوته.
هاتي الموبايل.
أخد التليفون.
وقال
إنتِ ليه بتفضحي نفسك كده؟
أنا مش بڤضح نفسي.
أمال إيه؟
برفض.
ضحك بسخرية.
إنتِ مش هتقدري تعيشي لوحدك.
ممكن.
تعالي ساعدي أمي.
عندي شغل.
شغل؟
أيوه.
فين؟
قلت
في مكان إنت حاولت تدخل شغله بقالك سنين.
ضحك.
وأنا مالك دار الأوبرا؟
قفلت المكالمة.
حطيت الموبايل على السرير.
وبصيت للساعة.
509.
وقتها ما فكرتش كتير.
قمت.
غسلت وشي.
وقفت قدام المراية.
وشفت الست اللي قضت عشر سنين وهي بتحاول ترضي ناس عمرهم ما كانوا راضيين.
وبعدين فتحت الدولاب.
طلعت بدلة.
لبستها.
سرحت شعري.
أخدت شنطتي.
فتحت درج المكتب.
طلعت ملف سميك.
حطيته في الشنطة.
ونزلت.
ركبت تاكسي.
وقلت للسواق
على الفندق الكبير في وسط البلد.
العربية اتحركت.
وأنا بصيت من الشباك.
وفي الطريق، افتكرت حياتي قبل الجواز.
أنا ماكنتش ست قاعدة مستنية جوزها.
كان عندي شغل.
كنت مستشارة في مجال المطاعم والمطابخ.
بعمل ورش تدريب.
أطور قوائم طعام.
أراجع تكاليف التشغيل.
أدرب الطهاة.
وأساعد أصحاب المطاعم يحلوا مشاكلهم.
كان عندي عملاء.
وكان عندي اسم معروف في دايرتي.
وكنت بحب شغلي.
لحد ما اتجوزته.
في البداية، كان بيشجعني.
قال
أنا فخور بيكي.
وبعدها قال
نفسي أفتح مطعم.
قلت
وأنا أساعدك.
ابتسم.
وقال
مش تساعديني... نعمله سوا.
صدقته.
وكانت دي أول غلطة.
مش لأن المشروع فشل.
بالعكس.
المشروع نجح.
بفضل شغلنا إحنا الاتنين.
لكن مع الوقت، بدأ شغلي يختفي.
أنا اللي كتبت أول قائمة.
أنا اللي جربت الوصفات.
أنا اللي تفاوضت مع الموردين.
أنا اللي حسبت التكاليف.
أنا اللي دربت أول فريق.
أنا اللي كنت موجودة قبل الافتتاح.
وأول ما المطعم نجح...
هو بقى صاحب النجاح.
وأنا بقيت مراته.
لو الأكل اتشكر
هو عنده ذوق.
لو المكان اتشكر
هو اللي اختار كل حاجة.
لو حد سأل عن التشغيل
هو فاهم في
الإدارة.
وأنا كنت واقفة.
ساكتة.
كنت بقول
مش مهم.
لحد ما كلمة مش مهم أكلت عشر سنين من عمري.
بعدها بدأت الفلوس.
في الأول، كنت بحط من مدخراتي.
وقت الأزمات.
وبعدين مبالغ أكبر.
وكان كل مرة يقول
لما الدنيا تتحسن هرجعهالك.
وكنت بصدقه.
لحد ما فتحت كشف حساب بالصدفة.
لقيت تحويلات من حساب المشروع لحسابات شخصية.
مبالغ لأفراد من عيلته.
ومصاريف ماكانش ليها علاقة بالمطعم.
واجهته.
قال
إنتِ بتفتشي ورايا؟
قلت
دي فلوس
المشروع.
قال
دي شغلانة رجال.
قلت
وإنت شايفني إيه؟
رد
إنتِ مكبرة الموضوع.
وفي مرة قلت له
أنا شفت عقد فيه توقيعي، وأنا ما مضيتش عليه.
بص لي.
وقال
لو فتحتي الباب ده، مش هتعرفي تقفليه.
الجملة دي كانت السبب إني بدأت أوثق كل حاجة.
مش عشان أوقعه.
عشان ما يوقعنيش.
احتفظت بالفواتير.
التحويلات.
العقود.
الرسائل.
مراسلات الموردين.
الوصفات اللي أنا كتبتها.
تواريخ الاجتماعات.
حتى الرسائل اللي كان فيها بيطلب مني أراجع قوائم الطعام.
كل حاجة.
ولما حصل الطلاق...
كان عندي ملف كامل.
لكني ما استخدمتوش كله.
المحامي قال لي
خلي كل حاجة في مكانها. الحق بيرجع بالورق، مش بالصوت العالي.
وكنت محتاجة أصدق الكلام ده.
في يوم الطلاق، قدام أهلي، قال
هي أصلًا ما كانتش بتشتغل.
حماتي قالت
دي كانت عايشة مرتاحة عندنا.
أنا كنت ماسكة الملف.
وكنت أقدر أفتحه.
لكن ما فتحتوش.
طلعت.
ومشيت.
عدى شهر.
وبعدين جت مكالمة الساعة خمسة الفجر.
المكالمة اللي هم فاكرين إنها هترجعني للمطبخ.
لكن أنا كنت رايحة مكان تاني تمامًا.
وصلت الفندق الساعة 542.
دخلت.
موظفة الاستقبال قالت
حضرتك عندك اجتماع؟
قلت
أيوه.
قالت
الفريق كله مستني حضرتك.
طلعت.
دخلت قاعة الاجتماعات.
كان موجود كبار المسؤولين.
مستثمرين.
إدارة تنفيذية.
وطهاة وخبراء.
وأول ما دخلت، المسؤول التنفيذي قام.
قال
صباح الخير. إحنا كنا مستنيينك.
قعدت.
فتحوا الملفات.
المشروع كان ضخم.
مجموعة فنادق.
مطابخ مركزية.
مركز تدريب.
تطوير قوائم الطعام.
نظام تشغيل كامل.
وأنا كنت مسؤولة عن قطاع الطهي والتشغيل والتدريب.
والأهم...
كنت شريكة في المشروع.
اسمي موجود في العقد.
وحقوقي مكتوبة.
والوصفات والأفكار اللي طورتها محمية ضمن الاتفاق.
لأول مرة من سنين...
ماحدش قال لي
اعملي.
كانوا بيسألوني
رأيك إيه؟
نغير إيه؟
نبدأ منين؟
وأنا كنت برد.
بثقة.
لأن ده شغلي.
الشغل اللي تركته زمان عشان أعمل مشروع جوزي.
وفي منتصف الاجتماع، موبايلي اهتز.
رسالة من حماتي
إحنا عند أهلك.
ما رديتش.
بعدها رسالة من أمي
هم هنا.
اتصلت.
قالت
إنتِ فين؟
قلت
في اجتماع.
قالت
هم جايين ومعاهم ابنك السابق.
سكت.
أبوكي فتح الملف.
قلبي دق.
قلت
قال إيه؟
أمي قالت
قال لهم قبل ما تتكلموا عن بنتي، شوفوا الورق.
سكت.
قالت
ابنك السابق قال إنك كنتِ بتساعديه كزوجة.
أبويا رد
المساعدة مش تحويلات مالية موثقة.
وبعدين طلع أول ورقة.
دي مساهماتها في المشروع.
ورقة تانية.
دي مراسلات الموردين معاها.
ورقة تالتة.
دي فواتير مدفوعة من حسابها.
ورقة رابعة.
دي مراسلات العملاء اللي بتطلبها بالاسم.
وبعدين طلع الورقة اللي فيها التوقيع.
وقال
وده توقيع منسوب لبنتي وهي بتقول إنها ما مضتش عليه.
جوزي السابق قال
أنا مش فاهم إنت عايز إيه.
أبويا رد
أنا مش عايز منك حاجة.
وسكت.
أنا عايز أعرف بس ليه بنتي كانت بتدفع وتشتغل وتبني، وفي نفس الوقت كنتوا بتقولوا إنها ما بتعملش حاجة؟
حماتي حاولت تدخل
إحنا عيلة.
أبويا قال
العيلة تسأل على بنتي. مش تصحيها الساعة خمسة الفجر عشان تطبخ بعد الطلاق.
سكتت.
أمي كانت بټعيط.
وقالت
هي كانت بتخبي علينا عشان ما تزعلناش.
أبويا بص لهم وقال
وده آخر مرة تخبي فيها.
بعدها جوزي السابق سأل
هي فين؟
أبويا رد
في شغلها.
قال بسخرية
شغلها؟
أبويا حط قدامه نسخة من عقد المشروع الجديد.
وقال
أيوه. شغلها.
جوزي السابق قرأ.
وشه اتغير.
لأن
اسمي كان موجود.
في منصب واضح.
وبحقوق واضحة.
وبمسؤوليات واضحة.
وبمشاركة واضحة.
قال
ده مش معناه إنها كانت ناجحة.
أبويا ابتسم.
وقال
مش مطلوب مني أصدقك. الورق بيقول كفاية.
خرجوا.
لكن المواجهة الحقيقية كانت لسه هتبدأ.
بعدها بأيام، بدأ الفحص المالي والقانوني.
كل ورقة اتراجعت.
كل تحويل.
كل عقد.
كل مساهمة.
وظهر إن جزءًا من الأموال اللي حطيتها في المشروع كان مساهمات حقيقية مثبتة.
وإن في مبالغ خرجت لحسابات شخصية من غير مستندات واضحة تخص تشغيل المشروع.
والتوقيع المختلف تم التعامل معاه رسميًا من خلال الجهات المختصة.
أنا ما طلعتش أقول
أنا هفضحكم.
ولا نشرت صورهم.
ولا استخدمت أسرارهم.
خليت الورق يتكلم.
وبالفعل...
اتحدد لكل واحد حقه والتزامه.
الفلوس اللي ثبت إنها مساهماتي اتعاملنا معاها قانونيًا.
والحقوق المتعلقة بعملي ووصفاتي ومحتواي المهني اتفصلت عن المشروع.
وأهم حاجة...
ماحدش قدر يقول بعدها
هي ما عملتش حاجة.
لأن كل حاجة بقت مكتوبة.
وبعد ما خرجت
من المطعم...
المكان بدأ يعاني.
مش لأنني انتقمت.
لكن لأن شغل المطعم كان مبني على نظام أنا كنت ماسكاه لسنين.
الموردين اتلخبطوا.
المخزون اتلخبط.
الوصفات اتغيرت.
التكاليف زادت.
العمال بدأوا يمشوا.
والالتزامات تراكمت.
جوزي حاول ينقذ المكان.
دخل شريك.
استعان بمدير.
غيّر القائمة.
لكن المشكلة ما كانتش في القائمة.
المشكلة كانت في الإدارة.
وفي النهاية...
المطعم قفل.
لما عرفت الخبر، ما

تم نسخ الرابط