جبت بنت صغيرة

لمحة نيوز

جبت بنت صغيرة لقيتها مرمية وسط الژبالة عشان تكشف على مراتي، اللي بقالها سنتين مش بتتحرك.
لكن أول ما شافت إزازة الدوا في إيد الدكتور، صړخت بكل قوتها
إبعد الإزازة دي عنها! ده سم!
وقبل ما حد يلحق يستوعب، خبطت إيد الدكتور، والإزازة وقعت على الأرض واتكسرت.
أنا ما اتخانقتش، وما سألتش البنت عرفت منين.
كل اللي عملته إني لمّيت قطع الإزاز من الأرض وحطيتها في كيس، واتصلت بمعمل تحاليل خاص.
وفي نفس الليلة عرفت الحقيقة اللي خلتني أندم على كل يوم صدقت فيه كلام الدكاترة.
وعرفت كمان مين اللي كان ورا كل اللي حصل لمراتي.
ما تديهاش الحقنة دي!
صړخت وأنا بجري ناحية السرير، لكن البنت كانت أسرع مني.
الحكاية كلها بدأت الصبح، في أرض كبيرة على أطراف مدينة العاشر من رمضان، شركتي كانت لسه شاريّاها عشان نبني عليها مشروع سكني جديد.
حسب الخرائط والأوراق، الأرض كانت فاضية ونضيفة ومجهزة للبناء.
لكن أول ما روحت أشوفها بنفسي، لقيت منظر تاني خالص.
المكان كان مقلب ژبالة كبير.
كاوتش عربيات محروق، مراتب قديمة غرقانة في المية، شكاير سودا مفتوحة والكلاب بتنهش فيها، وصناديق خشب مكسرة، وريحتها كانت خانقة لدرجة إنها بتلزق في الزور.
أنا محمود الدمنهوري.
بقالي أكتر من عشرين سنة شغال في المقاولات والعقارات.
شفت مشاكل كتير.
اتخانقت مع مقاولين، دخلت في قضايا، خسړت صفقات وكسبت أضعافها، وشفت مصايب من النوع اللي الواحد ما يتخيلش إنها تحصل.
بس عمري ما شوفت حاجة زي اللي حصلتلي اليوم ده.
وأنا ماشي حوالين الأرض، لمحت حاجة ورا تلاجة قديمة مصدية، كانت مرمية على جنب.
عينين.
عينين طفلة صغيرة بتبصلي من وسط الژبالة.
وقفت مكاني.
قربت واحدة واحدة.
كانت بنت عندها حوالي ست سنين، جسمها هزيل، لابسة بلوفر واسع عليها كأنه مش بتاعها، ورجليها فيهم جزمتين مش شبه بعض.
وشها كان مليان تراب.
شعرها متلبك.
لكن الغريب إنها ما كانتش بټعيط.
ولا بتطلب مساعدة.
ولا حتى بتتكلم.
كانت بس بتبصلي.
بصة غريبة كأنها بتحاول تعرف أنا إنسان كويس ولا واحد تاني هيأذيها.
نزلت لمستواها وقلت بهدوء
اسمك إيه يا حبيبتي؟
ما ردتش.
إنتِ سامعاني؟
برضه ولا كلمة.
مديت إيدي ناحيتها.
فضلت باصة لإيدي فترة طويلة، وبعدها، ببطء شديد، طلعت صوابعها الصغيرة من جوه كم البلوفر.
مسكت صباعي.
إيدها كانت ساقعة بشكل يخض.
لكن مسكتني بقوة غريبة على طفلة بالحجم ده.
اتصلت بالشرطة، وبلغتهم إني لقيت طفلة في المكان.
لكن قبل ما ياخدوها لأي جهة، قلت لازم الأول تتكشف عند دكتور.
وساعتها افتكرت أحسن مكان أعرفه.
مستشفى النخبة التخصصي في مصر الجديدة.
المستشفى اللي مراتي، سلمى، كانت عايشة فيه بقالها تقريبًا سنتين.
سلمى كان عندها سبعة وتلاتين سنة لما عملت حاډثة عربية على طريق السويس.
العربية اتقلبت بيها، وإصابتها في المخ كانت شديدة.
الدكاترة وقتها قالولي إن حالتها معقدة، وإنها ممكن تفضل من غير حركة لفترة طويلة.
لكن كل كام شهر كانوا يقولولي نفس الجملة
في تحسن بسيط محتاجين نصبر.
وأنا صدقتهم.
دفعت فلوس علاج وتأهيل وأدوية مستوردة، وعملت لها جلسات علاج طبيعي، وفحوصات وتحاليل، وكنت بدفع تمن أوضتها الخاصة اللي كان ممكن يجيب شقة كاملة في مكان محترم.
كل ليلة تقريبًا كنت بروح أقعد جنبها.
أكلمها.
أحكيلها عن الشغل.
أحكيلها عن الناس اللي قابلتهم.
وأحيانًا كنت بقعد بالساعات من غير ما أتكلم، بس أمسك إيدها وأفضل مستني أي حركة.
أي إشارة تقول إنها لسه معايا.
وفي اليوم ده، أول ما وصلت المستشفى والبنت معايا، مدير المستشفى نفسه نزل يستقبلني.
الدكتور شريف العشماوي.
راجل في أوائل الخمسينات، دايمًا لابس بدلة شيك، وكلامه محسوب، وابتسامته ما بتفارقش وشه.
بص للبنت باستغراب وقال
محمود؟ إيه المفاجأة دي؟ ومين البنت الصغيرة دي؟
قلتله
لقيتها في مقلب ژبالة جنب الأرض بتاعتي. ومش عارف أهلها فين. خلّي دكتور الأطفال يكشف عليها الأول، وأنا هدفع كل اللي تحتاجه.
الدكتور بص لها من فوق لتحت.
لكن أول ما واحدة من الممرضات حاولت تاخدها مني، البنت اتشدت في إيدي جامد.
بدأ جسمها يرتعش.
قلت للممرضة
سيبيها.
الدكتور شريف ابتسم وقال
خليها معاك. طالما ارتاحت لك، ما نستعجلش عليها.
وبعدين قال
وإنت طالع تشوف سلمى، خدها معاك. يمكن وجود طفلة جنبها يساعدها نفسيًا.
ما كنتش أعرف ليه كلامه خلاني أحس بحاجة غريبة.
لكن ما علقتش.
طلعت على الدور التالت.
الأوضة رقم ٣١٢.
دخلت.
سلمى كانت زي ما هي.
نايمة على السرير.
جسمها ساكن.
عينيها مفتوحة، لكن من غير ما تقدر تحرك باقي جسمها.
قربت منها وقعدت جنبها.
وحشتيني يا سلمى.
البنت كانت واقفة ورايا.
فجأة سابت إيدي.
مشيت ناحية السرير.
قربت من سلمى.
وبعدين عملت حاجة محدش في الأوضة كان متوقعها.
مدت إيدها الصغيرة
وحطتها فوق إيد سلمى.
أنا بصيت عليهم.
وفي اللحظة دي
صوابع سلمى اتحركت.
حركة بسيطة جدًا.
لكنها كانت حركة.
أنا شهقت من الصدمة.
سلمى؟!
قربت منها بسرعة.
إنتِ سمعاني؟
الدكتور شريف كان واقف عند الباب.
ولأول مرة من سنتين، حسيت إن في أمل حقيقي.
لكن الدكتور قطع اللحظة وقال
الحقيقة يا محمود، أنا عندي خبر كويس ليك النهارده.
دخل الأوضة وهو شايل صينية معدن.
عليها سرنجة وإزازة صغيرة غامقة اللون.
الإزازة كان عليها كتابة غريبة، شكلها صيني.
قال وهو بيحط الصينية جنب السرير
العلاج ده تجريبي. مادة جديدة بيسموها محفز لتجديد الخلايا العصبية. مش متوفر بسهولة، وجبناه بصعوبة.
بصيتله باستغراب.
وإنت ما قلتليش عليه قبل كده؟
ابتسم وقال
لأننا كنا مستنيين الوقت المناسب. وخصوصًا إن حالتها مستقرة.
وبعدين أضاف
شريكك طارق منصور عارف بالموضوع، وحتى عرض يساعدك في تكاليف العلاج.
اسمي طارق خلاني أرفع عيني للدكتور.
طارق كان شريكي في الشركة.
راجل كنت بثق فيه ثقة عمياء.
الدكتور مسك الإزازة.
فتحها.
وبدأ يدخل الإبرة في الغطا.
وفي اللحظة دي
البنت اللي كانت واقفة جنب السرير بصت للإزازة.
بصت للكتابة اللي عليها.
مرة.
مرتين.
وبعدين وشها اتغير تمامًا.
رجعت خطوة لورا.
وبصوت طلع منها كأنه صړخة استغاثة، قالت
لأ!
الدكتور لف ناحيتها.
لكن قبل ما حد يستوعب، البنت اندفعت عليه بكل قوتها.
خبطت إيده.
الإزازة طارت من إيده.
وقعت على الأرض.
اتكسرت.
السائل الغامق انتشر على البلاط الأبيض.
الممرضة شهقت.
أنا وقفت مكاني.
والبنت أشارت للإزاز المكسور وهي بتصرخ
ده سم!
وبعدين قالت جملة خلت الډم يهرب من وشي
ده بيتحط للجرذان مش للناس!
بصيت للدكتور شريف.
ابتسامته اختفت.
ولأول مرة من يوم ما عرفته
شفت الخۏف في عينيه.
ثانيتين بس.
ثانيتين كانوا كفاية.
لأني فهمت إن البنت دي
ما كانتش بتخمن.
هي كانت عارفة.
وعارفة بالظبط الإزازة دي فيها إيه.
وأنا ساعتها ما سألتش الدكتور أي سؤال.
ولا عملت خناقة.
ولا حتى خليته يعرف أنا بفكر في إيه.
انحنيت على الأرض
ولمّيت قطع الإزاز بإيدي.
حطيتها في كيس بلاستيك.
وبمجرد ما خرجت من المستشفى
اتصلت بأكبر معمل تحاليل خاص أعرفه.
وقلت لهم
عايز تحليل للمادة دي بشكل عاجل. ومحدش يعرف أنا جبتها منين.
ما كنتش أعرف إن نتيجة التحليل
هتفتح باب على سر مخيف.
سر متعلق بحاډثة مراتي.
وبالمستشفى.
وبشريكي.
والأخطر من كل ده
بالبنت الصغيرة اللي لقيتها مرمية وسط الژبالة.
وفي نفس الليلة
وصلتني نتيجة التحليل.
ولما قريت أول سطر
إيدي بدأت تترعش.
لأن المادة اللي كانت في الإزازة
ما كانتش مجرد سم.
كانت مادة قادرة على إحداث تلف عصبي تدريجي، ولو اتاخدت بجرعات صغيرة، ممكن تخلي الشخص يفقد قدرته على الحركة من غير ما حد يكتشف السبب بسهولة.
ساعتها فهمت ليه سلمى ما كانتش بتتحسن.
لكن السؤال الحقيقي كان أصعب
مين كان بيحقنها بالمادة دي كل الفترة دي؟
والإجابة
فضلت باصص في نتيجة التحليل وقت طويل.
كنت مستني ألاقي تفسير يطمني.
لكن كل كلمة فيها كانت بتشد الأرض من تحت رجلي.
المادة دي ما كانتش حاجة ممكن تتاخد بالغلط.
والأخطر
إن التقرير أكد إن التعرض ليها لفترة طويلة ممكن يعمل أعراض شبه اللي كانت عند سلمى بالظبط.
حطيت الموبايل على الترابيزة، ورفعت عيني للسقف.
سنتين.
سنتين وأنا بدفع ملايين عشان أعالج مراتي
وفي نفس الوقت، حد كان بيخلي حالتها أسوأ.
مسكت تليفوني واتصلت بالمعمل.
التقرير ده متأكدين منه؟
الصوت رد
متأكدين تمامًا. لكن يا أستاذ محمود، إحنا محتاجين العينة الأصلية لو هتدخل في إجراء قانوني.
قلت
العينة عندي.
قفلت المكالمة.
وقبل ما أحط الموبايل في جيبي، سمعت صوت خبطة خفيفة على باب المكتب.
رفعت راسي.
البنت الصغيرة كانت واقفة قدامي.
ما أعرفش إزاي وصلت لحد هنا.
قلت لها
إنتِ اسمك إيه؟
سكتت.
قربت منها، وقعدت على الكرسي عشان أبقى في مستواها.
أنا مش هأذيكي.
بصتلي ثواني.
وبعدين قالت بصوت واطي
اسمي نور.
أول مرة تتكلم.
سألتها
نور إنتِ عرفتي الإزازة دي منين؟
وشها اتغير.
حطت إيديها على ودانها.
مش عايزة أقول.
ليه؟
بدأت ټعيط.
عشان لو قلت هيعرفوا مكاني.
اتجمدت.
مين هيعرف مكانك؟
نور ما ردتش.
لكنها مدت إيدها ناحية جيب البلوفر.
طلعت ورقة صغيرة متكرمشة.
حطتها قدامي.
فتحتها.
كانت ورقة استلام من مخزن تابع للمستشفى.
وفي آخرها توقيع.
توقيع الدكتور شريف.
بصيت للورقة مرة.
ومرة تانية.
وبعدين سألتها
إنتِ لقيتي الورقة دي فين؟
قالت
كانت مع الراجل اللي كان بيرميني في الژبالة.
اتنفست بصعوبة.
راجل مين؟
نور بصتلي وقالت
الراجل اللي كان بيجيب الحاجات للدكتور.
قلبي دق بسرعة.
يعني نور ما كانتش مجرد طفلة لقيتها في مقلب ژبالة.
كانت شاهدة على حاجة.
حاجة حصلت جوه المستشفى.
حاجة مرتبطة بالدكتور شريف.
لكن كان عندي سؤال أهم.
لو الدكتور شريف هو اللي بيأذي سلمى
ليه؟
مين المستفيد؟
وساعتها افتكرت جملة الدكتور من شوية
شريكك طارق منصور عارف بالموضوع.
مسكت التليفون واتصلت بطارق.
رن مرة.
مرتين.
تلاتة.
محدش رد.
اتصلت تاني.
المرة دي الموبايل اتقفل.
بصيت لنور.
إنتِ تعرفي طارق؟
مجرد ما سمعت الاسم
وشها شحب.
رجعت لورا.
وقالت
هو كمان كان هناك.
أنا ما حسيتش بنفسي غير وأنا واقف.
كان فين؟
نور قربت مني وهمست
في الأوضة اللي تحت المستشفى.
إيه اللي كان بيعمله؟
هزت راسها.
مش عارفة.
وبعدين سكتت لحظة، وقالت
بس سمعتهم بيتكلموا عن الست اللي نايمة فوق.
قلبي وقع.
قالوا إيه؟
نور بصت ناحية الباب كأنها خاېفة حد يسمعنا.
وبصوت يكاد يكون همس قالت
قالوا إن محمود لازم يفضل فاكر إن مراته مش هتفوق.
ما قدرتش أتكلم.
الجملة كانت واضحة.
هم مش عايزين سلمى تفوق.
لكن ليه؟
وليه أنا تحديدًا؟
قمت بسرعة وفتحت درج مكتبي.
طلعت ملف قديم.
ملف حاډثة سلمى.
قعدت أقلب في الأوراق.
تقرير الحاډثة.
صور العربية.
تقرير الإسعاف.
أسماء الشهود.
وفجأة
وقعت عيني على حاجة ما خدتش بالي منها قبل كده.
اسم الطبيب اللي استلم حالة سلمى أول ما وصلت المستشفى بعد الحاډث.
الدكتور شريف العشماوي.
لكن ده مش كل شيء.
كان فيه توقيع تاني أسفل التقرير.
توقيع موظف الاستقبال في الطوارئ.
وبجانبه رقم هاتف قديم.
أخدت الرقم واتصلت.
رد صوت راجل كبير
ألو؟
قلت
حضرتك الأستاذ سامي؟
سكت لحظة.
أيوه.
أنا محمود الدمنهوري فاكر حاډثة مراتي سلمى من سنتين؟
الصمت طال.
وبعدين قال
كنت مستني اليوم ده.
اتجمدت.
مستني إيه؟
قال
إني أتكلم.
سألته بسرعة
عن إيه؟
رد بصوت متوتر
عن اللي حصل يوم الحاډث.
وقبل ما يكمل
سمعت صوت تكسير عند باب المكتب.
لفيت بسرعة.
الباب كان بيتفتح.
ونور صړخت
محمود! اقفل الباب!
جريت وقفلته بالمفتاح.
وبصيت لنور.
مين بره؟
لكنها ما ردتش.
كانت باصة تحت المكتب.
وبإيد مرتعشة أشارت لي.
استخبى.
ليه؟
همست
عشان الصوت ده
وسكتت.
وبعدين قالت
أنا سمعته قبل كده.
في نفس اللحظة
اتسمعت ثلاث خبطات على الباب.
وبعدها صوت راجل قال بهدوء
أستاذ محمود افتح.
عرفت الصوت فورًا.
كان صوت طارق.
لكن طارق كان المفروض يكون بعيد عن المستشفى.
والأغرب
إنه كان بيتكلم كأنه عارف بالضبط إني موجود هنا.
بصيت لنور.
كانت بټعيط من غير صوت.
وقتها فهمت إن اللي قدامي مش مجرد محاولة لإخفاء سر.
حد بدأ يحس إن أنا عرفت الحقيقة.
والسؤال الوحيد اللي كان في دماغي
طارق جاي يواجهني ولا جاي يدور على نور؟فضلت واقف مكاني،
وأنا سامع طارق بيخبط على الباب.
محمود افتح يا صاحبي. إحنا لازم نتكلم.
بصيت لنور.
كانت بتترعش.
حطيت صباعي على بوقي عشان تسكت، وبعدها قربت من الباب من غير ما أعمل صوت.
قلت
طارق؟ إنت جيت هنا ليه؟
ضحك ضحكة قصيرة.
عشان أطمن عليك. سمعت إن حصلت مشكلة مع الدكتور شريف.
قلت
مشكلة بسيطة.
بسيطة؟
سكت لحظة، وبعدين قال
الإزازة اتكسرت، صح؟
اتجمدت.
أنا ما قلتش لحد إن الإزازة اتكسرت.
ولا حتى المعمل.
يعني مين بلغه؟
رجعت خطوة.
نور قربت مني وهمست
هو عارف.
قلت لها
عارف إيه؟
أشارت للباب.
عارف إني هنا.
وفجأة
مقبض الباب اتحرك.
مرة.
مرتين.
وبعدين طارق قال بصوت مختلف تمامًا
افتح يا محمود.
المرة دي ما كانش فيها أي ابتسامة.
قلت
الباب مقفول.
عارف.
وبعدها سمعت صوت مفتاح بيتحرك في القفل.
قلبي وقف لحظة.
لكن المفتاح ما دخلش.
سمعت طارق بيقول
واضح إنك غيرت القفل.
بصيت لنور.
هي كانت بتبصلي پخوف شديد.
فجأة
تليفوني رن.
بصيت للشاشة.
رقم مجهول.
رديت من غير ما أتكلم.
جالي صوت الراجل اللي كلمته من شوية، سامي.
محمود اسمعني كويس. ما تثقش في حد جوه المستشفى.
بصيت للباب.
ليه؟
قال
لأن اللي حصل لمراتك ما بدأش يوم الحاډث.
سكت.
يعني إيه؟
قال
العربية كانت سليمة.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
إنت متأكد؟
متأكد. أنا شفتها قبل ما تدخل الإسعاف.
طب الحاډث حصل إزاي؟
قال
الفرامل اتلعب فيها.
اتسمرت مكاني.
سنتين وأنا فاكر إن سلمى فقدت حياتها الطبيعية بسبب حاډث مأساوي.
لكن لو كلام سامي صحيح
يبقى الحاډث نفسه كان مدبر.
وقبل ما أسأله مين عمل كده، سمعنا صوت حاجة وقعت برا المكتب.
وبعدين صوت طارق
محمود؟
سامى قال بسرعة
اقفل الخط.
وقفل.
بصيت لنور.
قلت
ادخلي الحمام واقفلي على نفسك.
هزت راسها.
لأ.
نور، لازم تسمعي كلامي.
قالت
الحمام له باب صغير ورا.
إيه؟
أشارت ناحية الحائط.
المكان اللي كنت بستخبى فيه زمان.
قربت منها.
زمان فين؟
قالت
هنا.
أنا بصيت للحائط باستغراب.
وفجأة
نور حركت لوحة صغيرة معلقة على الحائط.
وراها ظهر باب ضيق جدًا.
باب مخفي.
فتحته.
كان وراه ممر مظلم نازل لتحت.
بصيت لها پصدمة.
إنتِ عرفتي المكان ده إزاي؟
قالت
كنت بشوفهم يدخلوا منه.
مين؟
قالت
الدكتور شريف وطارق.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
لكن قبل ما أقدر أقول أي كلمة
الباب الرئيسي للمكتب اتفتح پعنف.
سمعت صوت زجاج بيتكسر.
طارق دخل.
ولما شافني واقف جنب الباب السري
وقف مكانه.
بص لنور.
وبعدين بصلي.
ولأول مرة
ما حاولش يمثل إنه صاحبي.
قال بهدوء
محمود ما تدخلش الممر ده.
قلت
ليه؟
سكت.
قلت وأنا بقرب منه
إيه اللي تحت؟
طارق بص لنور.
وبعدين قال
لو دخلت هتعرف ليه سلمى لسه عايشة.
الجملة نزلت عليّ كأنها صدمة.
إيه علاقة سلمى بالمكان ده؟
طارق ما ردش.
لكن نور فجأة صړخت
هو اللي كان بييجي عندها بالليل!
طارق لف ناحيتها بعصبية.
اسكتي!
اتقدمت قدامه.
إنت كنت بتعمل إيه عند مراتي؟
سكت.
ولأول مرة
بدأ الخۏف يظهر على وشه.
لكن قبل ما أقدر أمسكه، سمعنا صوت أجهزة إنذار من ناحية الدور التالت.
صړخ طارق
لأ!
وجري ناحية الباب.
أنا جريت وراه.
ولما وصلنا قدام أوضة سلمى
لقيت الممرضات متجمعين.
جهاز المراقبة كان بيطلع صوت متواصل.
وسلمى
كانت بتحاول تتحرك.
لكن مش بإيديها.
كانت عينيها بتتحرك بسرعة.
وبعدين
حصل شيء خلاني أنسى كل حاجة.
شفت دمعة نزلت من عينها.
قربت منها.
سلمى؟
بصتلي.
وحركت شفايفها بصعوبة شديدة.
حاولت أفهم.
قربت ودني من بوقها.
همست بكلمة واحدة.
كلمة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تقلب كل اللي أعرفه عن الحاډث رأسًا على عقب
المخزن المخزن؟
كررت الكلمة وأنا مش مصدق وداني.
سلمى حاولت تحرك شفايفها تاني، لكن صوتها اختفى.
مسكت إيدها.
سلمى، بصيلي مخزن إيه؟
عينها راحت ناحية طارق.
طارق كان واقف عند باب الأوضة، ووشه متجمد.
ولما عينه قابلت عين سلمى
رجع خطوة لورا.
ساعتها فهمت إن الكلمة دي مش عشوائية.
سلمى كانت بتفتكر حاجة.
حاجة حصلت قبل الحاډث.
لفيت ناحية طارق.
إنت عارف المخزن اللي بتتكلم عنه؟
قال بسرعة
ما أعرفش هي بتقول إيه.
غريبة.
قربت منه.
عشان أول ما قالت المخزن، وشك اتغير.
ما ردش.
قبل ما أكمل، دخل الدكتور شريف.
محمود، لازم تخرج بره فورًا.
بصيتله.
ليه؟
حالتها محتاجة هدوء.
ضحكت بسخرية.
هدوء؟
وأشرت لجهاز المراقبة.
مراتي اللي بقالها سنتين ما اتحركتش، فجأة بدأت تحاول تتكلم بعد ما البنت قالت إن الإزازة سم وإنت عايزني أخرج؟
الدكتور شريف شد على أسنانه.
إنت مش فاهم اللي بيحصل.
قلت
لأ، أنا بدأت أفهم.
وقتها نور ظهرت من ورا الباب.
الدكتور شريف شافها
فتغيرت ملامحه فورًا.
نور رجعت لورا.
إنتِ!
مد إيده ناحيتها.
لكن أنا وقفت بينه وبينها.
ما تقربش منها.
قال بعصبية
البنت دي خطړ.
خطړ على مين؟
ما ردش.
وفجأة رن تليفوني.
نفس الرقم المجهول.
رديت.
جالي صوت سامي
محمود، اسمعني. لازم تروح المخزن قبل طارق.
أنهي مخزن؟
المخزن اللي اتنقلت منه عربية الإسعاف يوم حاډثة سلمى.
سكت.
إنت عارف مكانه؟
أيوه.
فين؟
قال العنوان.
العنوان كان في نفس المنطقة اللي شركتي اشترت فيها الأرض اللي لقيت فيها نور.
حسيت بقشعريرة.
كل الخيوط بدأت تتجمع.
الأرض.
نور.
المستشفى.
الحاډث.
طارق.
والمخزن.
قلت
إيه اللي هلاقيه هناك؟
سامي سكت ثواني.
وبعدين قال
لو لسه موجود هتلاقي السبب الحقيقي اللي خلا مراتي تفقد الحركة.
قفلت المكالمة.
بصيت لسلمى.
أنا هرجعلك.
عينيها اتحركت ناحية نور.
وبعدين ناحية الباب.
كأنها بتقول لي خُدها معاك.
مسكت إيد نور.
تعالي.
لكن قبل ما نخرج، طارق وقف قدامنا.
قال بصوت منخفض
محمود بلاش.
قلت
اتأخرت.
وبعدين خرجت.
وصلنا للمخزن بعد حوالي نص ساعة.
كان مبنى قديم، بعيد عن الزحمة، والباب الحديد متآكل من الصدأ.
نزلت من العربية.
نور فضلت جوه.
قلت لها
خليكي مكانك.
هزت راسها.
فتحت الباب بمفتاح قديم كان سامي بعتلي صورته قبل ما أوصل.
دخلت.
ريحة المكان كانت خانقة.
تراب.
رطوبة.
وزيوت قديمة.
شغلت كشاف الموبايل.
مشيت بين رفوف مليانة كراتين.
وفي آخر المخزن
لقيت مكتب صغير.
على المكتب كان فيه دفتر.
فتحته.
أول صفحة كانت عليها تواريخ.
صفحتين.
ثلاثة.
وبعدين
تاريخ حاډثة سلمى.
وتحته اسمها كامل.
سلمى محمود الدمنهوري.
إيدي بدأت تترعش.
قلبت الصفحة.
كان فيه وصف لحالتها قبل الحاډث.
لكن اللي صدمني إن التقرير كان مكتوب قبل الحاډث بيومين.
يعني حد كان متابع حالتها قبل ما العربية تتقلب.
قلبت الصفحة بسرعة.
ولقيت سطر واحد
الخطة تبدأ بعد وصولها للمستشفى.
تجمدت.
الخطة؟
مين اللي كتب الكلام ده؟
وفي أسفل الصفحة
كان فيه توقيع.
مش توقيع طارق.
ومش توقيع الدكتور شريف.
كان توقيع شخص ثالث.
شخص عمري ما كنت أتخيل إن اسمه هيظهر في القصة دي.
وفي اللحظة اللي قريت فيها الاسم
سمعت صوت باب المخزن بيتقفل ورايا.
لفيت بسرعة.
صوت خطوات كان بيقرب.
خطوة
وخطوة
وبعدين صوت راجل قال
كان لازم تفضل مصدق إن الحاډث مجرد حاډث.
رفعت الكشاف ناحية الصوت.
والراجل ظهر من بين الرفوف.
وأول ما شفت وشه
عرفت إنه مش غريب عني.
ده كان الشخص اللي كنت بثق فيه من سنين.
لكن قبل ما ألحق أتكلم
نور فتحت باب العربية من بره وصړخت
محمود! اهرب!
وفي نفس اللحظة
اشتعلت الڼار في طرف المخزن الڼار بدأت تاكل في الكراتين بسرعة، والدخان انتشر في المكان.
صړخت
نور! ابعدي عن المخزن!
لكن قبل ما أتحرك، الراجل اللي ظهر قدامي اندفع ناحية المكتب وخطڤ الدفتر من إيدي.
جريت وراه.
سيب الدفتر!
خرج من الباب الخلفي، وأنا وراه.
لكن أول ما خرجت، اختفى بين العربيات القديمة المركونة جنب المخزن.
جريت ناحية نور.
كانت واقفة بعيد، ووشها مليان تراب.
إنتِ كويسة؟
هزت راسها.
أنا شفت الراجل ده قبل كده.
فين؟
قالت
كان بييجي مع الدكتور.
سألتها
الدكتور شريف؟
هزت راسها.
أيوه.
رجعت أبص للمخزن.
الدخان كان بيطلع من الشبابيك.
اتصلت بالمطافي والشرطة، لكن قبل ما توصل أي عربية، لقيت حاجة وقعت جنب باب المخزن.
ورقة.
جريت أخدتها.
كانت جزء من الدفتر.
وفيها جدول بأسماء وتواريخ.
اسم سلمى كان موجود.
لكن كان فيه اسم تاني تحته مباشرة.
نور.
اټصدمت.
إيه علاقة نور بالموضوع؟
بصيت للبنت.
كانت واقفة بعيد، ساكتة.
قربت منها.
نور إنتِ كنتِ في المستشفى قبل كده؟
هزت راسها.
مش فاكرة.
طيب اسمك الحقيقي نور؟
سكتت.
وبعدين قالت
ده الاسم اللي قالولي أنادي نفسي بيه.
قلبي دق بسرعة.
يعني إيه؟
قالت
وأنا صغيرة، كانوا بيقولولي اسم تاني.
إيه؟
نور بدأت تحاول تفتكر.
حطت إيديها على رأسها.
مش فاكرة بس كان فيه ست بتقول لي إنتِ لازم تفضلي ساكتة.
مين الست دي؟
رفعت عينيها.
كانت بتزور الست اللي نايمة في المستشفى.
اتجمدت.
سلمى؟
هزت راسها.
أيوه.
بدأت أربط الأحداث.
نور كانت تعرف المستشفى.
عرفت الدواء.
عرفت الممر السري.
وعرفت طارق.
يبقى وجودها في مقلب الژبالة ما كانش صدفة.
سألتها
إنتِ كنتِ بتستخبي من مين؟
ردت
من نفس الناس اللي كانوا بيستخبوا منكم.
رجعنا المستشفى.
أول ما دخلت، حسيت إن الجو كله متغير.
الممرضات بتبصلي.
الأمن بيتحرك بشكل غريب.
والدكتور شريف مش موجود.
طلعت على الدور التالت.
دخلت أوضة سلمى.
لكن السرير كان فاضي.
وقفت مكاني.
سلمى فين؟
الممرضة اتوترت.
الدكتور شريف قال لازم ننقلها للأشعة.
إمتى؟
من عشر دقايق.
ومين معاها؟
سكتت.
قلت بعصبية
سألتك مين معاها؟
قالت
الدكتور شريف.
جريت ناحية المصعد.
نور جريت ورايا.
لكن قبل ما نوصل، موبايلي رن.
رقم المستشفى.
رديت.
جالي صوت سامي.
محمود ما تروحش الأشعة.
ليه؟
قال
لأن سلمى مش هناك.
سكت.
أمال فين؟
صوته ارتعش
نزلوا بيها للدور السفلي.
بصيت لنور.
افتكرت الممر السري.
جريت ناحية اللوحة اللي كانت في مكتبي.
فتحت الباب.
دخلت الممر.
نور ورايا.
المكان كان ضيق ومظلم.
لكن في آخره كان فيه نور أبيض قوي.
قربنا.
سمعت أصوات.
صوت الدكتور شريف.
وصوت طارق.
وقفت قبل الباب.
وسمعت طارق بيقول
لازم ننهي الموضوع الليلة.
الدكتور شريف رد
لو فاقت، كل حاجة هتظهر.
طارق قال
ومحمود؟
سكت الدكتور لحظة.
ثم قال
محمود مش المشكلة.
اتجمدت.
لأن الجملة اللي بعدها كانت أخطر
المشكلة إن سلمى عرفت مين اللي بدأ الحكاية من الأصل.
نور مسكت إيدي بقوة.
همست
أنا عارفة مين.
بصيت لها.
مين؟
قبل ما ترد
الباب اتفتح فجأة من الناحية التانية.
وظهر الدكتور شريف قدامنا.
لكن المرة دي
ما كانش لوحده.
كان وراه شخص ماسك سلمى على كرسي متحرك.
وعيني سلمى كانت مفتوحة.
وبتبصلي مباشرة.
ثم رفعت إيدها بصعوبة
وأشارت ناحية الرجل اللي واقف خلفها.
نور شهقت.
وقالت
ده هو.
وأنا لما بصيت للرجل
عرفت إن كل اللي حصل لمراتي خلال السنتين اللي فاتوا
كان جزء من خطة بدأت قبل حاډثة العربية بوقت طويل بصيت للرجل اللي ورا سلمى، ومخي رفض يصدق اللي عيني شايفاه.
كان الدكتور سامح
طبيب العلاج الطبيعي اللي كان مسؤول عن جلسات سلمى من أول أسبوع بعد الحاډث.
الراجل اللي كنت بشكره كل مرة أشوفه.
الراجل اللي كنت فاكره بيحاول يرجّع مراتي لحياتها.
وقفت قدامه وقلت
إنت؟
ابتسم ابتسامة باردة.
للأسف أيوه.
نور اختبأت ورايا.
سلمى كانت بتحاول تحرك إيدها، لكن الرجل اللي وراها شد الكرسي للخلف.
صړخت
سيبها!
الدكتور شريف رفع إيده.
اهدى يا محمود. لو عايز مرأتك تفضل بخير، لازم تسمعني.
ضحكت بسخرية.
بعد اللي عملتوه فيها؟ عايزني أسمعك؟
طارق ظهر من آخر الممر.
وقال
محمود، الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
لفيت له.
لأ، هو بالظبط زي ما أنا فاكر.
إنت مش فاهم السبب.
السبب إنكم أذيتوا مراتي سنتين؟
طارق سكت.
الدكتور سامح قال
إحنا ما كناش عايزين نقتلها.
بصيتله پصدمة.
يعني إيه ما كناش عايزين نقتلها؟
قال
كنا عايزين نمنعها من الكلام.
سلمى بدأت تحرك رأسها پعنف.
وكأنها بتحاول تقول لأ.
قربت منها.
سلمى إنتِ كنتِ عارفة حاجة؟
دموعها نزلت.
وبصعوبة شديدة حركت شفايفها
أبوك
اتجمدت.
أبويا؟
طارق بص للدكتور شريف.
الدكتور شريف قال بسرعة
ما تسمعش لها. إصابتها مأثرة على ذاكرتها.
لكن سلمى رفعت إيدها.
وأشارت ناحية جيب معطف الدكتور سامح.
نور فجأة قالت
هو معاه المفتاح.
الدكتور سامح اتوتر.
قلت
مفتاح إيه؟
نور أشارت لجيبه.
مفتاح الغرفة اللي كانوا بيحطوا فيها الأوراق.
الدكتور سامح حاول يبعد.
جريت عليه ومسكته.
وقع منه مفتاح صغير على الأرض.
التقطته.
كان عليه رقم
17
بصيت للدكتور شريف.
أوضة 17؟
ما ردش.
طارق قال
محمود، اسمعني.
مش عايز أسمعك.
لازم.
اتكلم.
قال
أبوك كان شريك في الأرض القديمة اللي اتبنى عليها المخزن.
سكت.
وبعدين؟
قال
حصل
خلاف كبير بينه وبين ناس تانية.
إيه علاقة ده بسلمى؟
طارق بص للأرض.
سلمى اكتشفت مستندات تثبت إن فيه عمليات تلاعب في ملكية الأرض.
بصيت لسلمى.
إنتِ كنتِ بتدوري ورا الموضوع ده؟
دموعها نزلت.
وحركت رأسها بنعم.
الدكتور شريف قال
قبل الحاډث بأسبوع، سلمى وصلت لمستندات خطېرة.
قلت
مستندات ضد مين؟
الصمت طال.
ثم قال طارق
ضد مجلس إدارة شركتك القديم.
اټصدمت.
أنا اشتريت الشركة من سنين.
وكنت فاكر إن كل ملفاتها القديمة اتراجعت قانونيًا.
لكن لو سلمى اكتشفت تلاعب في ملكية الأراضي
يبقى حاډثها ما كانش صدفة.
سألت
فين المستندات؟
الدكتور سامح ابتسم.
ده اللي إحنا كنا بندور عليه.
نور فجأة قربت من سلمى.
وقالت
هي مخبياهم.
الكل بص لها.
الدكتور شريف اتوتر.
إنتِ بتقولي إيه؟
نور ردت
الست قالتلي قبل ما ياخدوها.
قربت منها.
سلمى قالتلك إيه؟
نور بصتلي وقالت
قالتلي إن محمود لازم يفتش في المكان اللي محدش بيدور فيه.
سألتها
فين؟
نور رفعت إصبعها
وأشارت ناحية الأرض.
تحت أول سرير كانت نايمة عليه بعد الحاډث.
في اللحظة دي
سمعنا صوت خطوات فوقنا.
وبعدين صوت باب بيتقفل.
طارق بص للدكتور شريف.
الدكتور شريف قال
حد دخل المستشفى.
قلت
مين؟
لكن قبل ما حد يرد
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل كبير.
صوت كنت أعرفه كويس جدًا.
وقال
محمود لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، ما تثقش في أي حد موجود معاك دلوقتي.
سكت.
لأن الصوت ده
كان صوت والدي.
والدي اللي ماټ من سبع سنين فضلت ماسك التليفون على ودني، ومش قادر أطلع كلمة.
الصوت كرر
محمود سامعني؟
بلعت ريقي.
مين؟
ضحكة خفيفة جت من الطرف التاني.
لسه بتسأل؟
قلبي كان بيخبط پعنف.
إنت مين؟
قال
الشخص اللي كان أبوك بيحاول يحميه قبل ما ېموت.
قفلت المكالمة فورًا.
بصيت لكل اللي حواليا.
الدكتور شريف.
الدكتور سامح.
طارق.
وسلمى.
كل واحد فيهم كان عنده جزء من الحقيقة.
لكن محدش كان مستعد يقولها كاملة.
قربت من سلمى.
إنتِ عارفة مين كلمني؟
عينها اتحركت ناحية التليفون.
وبعدين هزت رأسها بالنفي.
قلت
الصوت كان شبه صوت أبويا.
لأول مرة شفت الړعب الحقيقي في عينيها.
حاولت تتكلم.
خرج صوت ضعيف
مش هو.
إنتِ عارفة مين؟
حركت رأسها.
وبصت للدكتور سامح.
ثم للدكتور شريف.
ثم لطارق.
وبعدها رفعت إيدها بصعوبة، وأشارت ناحية الأرض.
افتكرت كلام نور.
تحت أول سرير كانت نايمة عليه بعد الحاډث.
قلت
لازم نرجع للمكان ده.
طارق حاول يمنعني.
محمود، استنى.
لأ.
المكان ده اتفتش مېت مرة.
بصيت له.
مين اللي فتشه؟
سكت.
ابتسمت بسخرية.
عرفت الإجابة.
أخذت سلمى معايا، ونور كانت ماشية جنبي.
لكن قبل ما نطلع من الممر، سمعت الدكتور شريف بيقول
طارق لازم نوقفه.
وقفت.
لفيت ببطء.
طارق بص للدكتور شريف.
ثم بصلي.
وقال
محمود لو طلعت من الباب ده، مش هتقدر ترجع كل حاجة زي الأول.
رديت
أنا مش عايزها ترجع زي الأول.
ومشيت.
وصلنا للأوضة القديمة بعد دقائق.
كانت أوضة في الدور الأول، مقفولة من فترة طويلة.
فتحت الباب.
السرير القديم كان لسه موجود.
وقفت عنده.
نور نزلت على الأرض.
وبدأت تتحسس البلاط.
قالت
هنا.
بصيت تحت السرير.
كان فيه جزء صغير من البلاط مختلف عن باقي الأرض.
انحنيت وحاولت أرفعه.
طلع بسهولة.
تحته كان فيه تجويف صغير.
وفي داخله صندوق معدني.
فتحت الصندوق.
لقيت فلاشة.
ومجموعة صور.
وصورة واحدة خلت إيدي تتجمد.
كانت صورة لمراتي
قبل الحاډث بيوم.
واقفة جنب شخص ما كنتش متوقع أشوفه معاها.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الشخص.
كانت في التاريخ المكتوب خلف الصورة.
قبل التسليم ب ساعة.
نور قربت مني.
بصت للصورة.
وقالت
دي الست اللي كانت بتزور سلمى.
قلت
مين؟
نور أشارت للشخص اللي واقف جنب سلمى.
هي اللي كانت بتجيبلي الأكل زمان.
رفعت الصورة قدام عيني.
أنا أعرف الست دي.
وأعرفها كويس.
لأنها كانت
أخت الدكتور شريف.
لكن ليه كانت مع سلمى قبل الحاډث؟
فتحت الفلاشة على اللابتوب.
كان فيها ملف واحد فقط.
اسمه
الحقيقة لا تفتح إلا إذا حدث لي شيء.
إيدي كانت على الماوس.
ضغطت.
ظهر تسجيل فيديو.
سلمى كانت قاعدة قدام الكاميرا.
شكلها كان متوتر.
وكان واضح إنها سجلته قبل الحاډث بفترة قصيرة.
بصت للكاميرا وقالت
محمود لو إنت بتشوف التسجيل ده، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خاېفة منه.
حسيت إن نفسي انقطع.
كملت
ما تثقش في طارق.
بصيت ناحية الباب.
طارق كان واقف بره.
لكن التسجيل كمل
وما تثقش في الدكتور شريف.
ثم سكتت.
وبصوت أكثر هدوءًا قالت
لأن الشخص اللي أخطر منهم كلهم
سلمى بصت بعيد عن الكاميرا.
وبعدين قالت الاسم.
أنا ما صدقتش وداني.
لأن الاسم كان لشخص
أنا كنت فاكره ماټ من سنين.
وفجأة
اللابتوب اتقفل.
النور كله انطفى.
وفي الظلام، سمعنا صوت مفتاح بيتحط في باب الأوضة.
نور مسكت إيدي.
وسمعت صوتها وهي بتهمس
محمود
إيه؟
قالت
الشخص اللي قالت اسمه سلمى
هو اللي كان بيربيني فضلت واقف في الضلمة، وإيد نور ماسكة إيدي بقوة.
هو اللي كان بيربيكي؟
نور هزت راسها.
أيوه.
اسمه إيه؟
قبل ما ترد، باب الأوضة اتفتح.
دخل ضوء خاڤت من الممر.
لكن محدش دخل.
بس صوت راجل جه من بره
محمود كفاية.
عرفت الصوت.
نفس الصوت اللي كلمني في التليفون.
نفس الصوت اللي شبه صوت أبويا.
قربت من الباب.
إنت مين؟
رد
افتح وهتعرف.
نور شدت إيدي.
ما تفتحش.
رجعت خطوة.
وفجأة سمعنا صوت عجلات كرسي بتتحرك.
بصيت ناحية سلمى.
كانت بتحاول تزحف ناحية الباب.
قربت منها بسرعة.
سلمى!
مسكت إيدي.
وحاولت تقول حاجة.
قربت ودني من بوقها.
همست
المفتاح في الدمية.
بصيت لنور.
دمية إيه؟
نور أشارت للرف.
كان عليه دبدوب قديم صغير.
أخدته.
هززته.
سمعت حاجة بتخبط جواه.
فتحت الخياطة القديمة من الخلف.
وقع منها مفتاح صغير جدًا.
ومعه ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب
الغرفة 17 الخزانة الثالثة.
افتكرت المفتاح اللي وقع من الدكتور سامح.
رقم 17.
يبقى الغرفة دي هي المقصودة.
لكن الغريب إننا كنا في الدور الأول.
والغرفة 17 كانت في مبنى قديم تابع للمستشفى، مبنى مقفول من سنين.
حطيت المفتاح في جيبي.
وقلت لنور
لازم نخرج من هنا.
فتحنا الباب بهدوء.
الممر كان فاضي.
أخدت سلمى معايا.
لكن أول ما وصلنا ناحية السلم، ظهر طارق.
وقف قدامنا.
محمود.
قلت
ابعد.
أنا مش جاي أأذيك.
ضحكت.
كل اللي حصل ده وعايزني أصدقك؟
قال
لو كنت عايز أأذيك، ما كنتش سبتك توصل للملفات.
سكت.
إنت اللي سبتلي الملفات؟
هز راسه.
أنا اللي بعت سامي يكلمك.
اټصدمت.
سامي شغال معاك؟
لأ.
أمال؟
قال
سامي كان شغال مع أبوك.
الجملة دي رجعتني سنين لورا.
أبويا؟
طارق قرب خطوة.
أبوك ما ماتش زي ما إنت فاكر.
ثبت في مكاني.
إنت بتقول إيه؟
الحاډثة اللي حصلت له من سبع سنين ما كانتش حاډثة عادية.
نور كانت بتبص لطارق پخوف.
قالت
هو مش الشخص اللي كنت بتقول عليه.
طارق بص لها.
إنتِ عارفة مين؟
نور سكتت.
قلت
اتكلم.
قالت بصوت ضعيف
الراجل اللي كان بيربيني كان بيقول إن أبو محمود ماټ عشان كان هيكشف الحقيقة.
قلبي اتقبض.
وإنتِ عرفتيه منين؟
قالت
لأنه كان بيخليني أنده له عمو.
سألت
اسمه إيه؟
نور فتحت بوقها
لكن قبل ما تقول الاسم، حصل صوت انفجار قوي في آخر الممر.
كلنا اتخضينا.
الدخان بدأ يدخل من السلم.
طارق صړخ
لازم نخرج!
لكن سلمى فجأة أمسكت في إيدي بكل قوتها.
بصيت لها.
كانت عينيها متعلقة بشيء خلف طارق.
لفيت.
كان فيه رجل واقف في آخر الممر.
رجل طويل، لابس معطف أسود.
وشه في الظلام.
لكن نور أول ما شافته
شهقت.
وقالت
هو!
الرجل بدأ يقرب.
خطوة.
ثم خطوة.
وبعدين وقف تحت النور.
أنا بصيت لوشه
وحسيت إن رجلي ما عادتش شايلاني.
لأن الرجل ده
كان الشخص اللي حضر جنازة أبويا بنفسه.
وكان أول واحد وقف جنبي يوم دفنه.
عمي فؤاد.
أخو أبويا.
الراجل اللي قضيت سبع سنين أعتبره أقرب شخص ليا بعد ۏفاة أبويا.
بصلي وقال بهدوء
أخيرًا عرفت يا محمود.
طارق بص له پخوف.
أما سلمى
فأغمضت عينيها، وبدأت تبكي.
لأنها كانت عارفة الحقيقة من البداية.
وفجأة قال عمي
أبوك عايش يا محمود.
ثم أضاف
لكنه مش الشخص اللي فاكره.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
والحقيقة اللي مخبيها عنك من سبع سنين مرتبطة بنور أكتر مما تتخيل فضلت باصص لعمي فؤاد، وأنا مش قادر أستوعب كلمة واحدة.
أبويا عايش؟
هز راسه.
أيوه.
وإنت كنت عارف؟
من أول يوم.
اتقدمت ناحيته.
سبع سنين يا فؤاد! سبع سنين وأنا فاكر إن أبويا ماټ!
قال بهدوء
لو كنت عرفت الحقيقة وقتها، كنت ھتموت معاه.
طارق تدخل
محمود، اسمعه.
لفيت له بعصبية
إنت كمان اسكت!
بصيت لعمي.
فين أبويا؟
سكت.
ثم قال
قبل ما أقولك، لازم تعرف إن سلمى ما كانتش الضحېة الوحيدة.
بصيت لمراتي.
كانت بتبصلي ودموعها على خدها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
حركت رأسها بصعوبة.
من قبل الحاډث.
قربت منها.
عارفة إيه؟
حاولت تتكلم، لكن صوتها كان ضعيفًا.
عمي فؤاد قال
سلمى اكتشفت إن فيه شبكة بتستخدم شركات عقارات ومخازن قديمة لإخفاء مستندات وفلوس مرتبطة بصفقات مش قانونية.
بصيت له.
وإيه علاقة أبويا؟
أبوك اكتشف الموضوع.
وطارق؟
طارق نزل عينه للأرض.
قلت
إنت كنت تعرف؟
قال
كنت أعرف جزء.
جزء إيه؟
رد
أبوك طلب مني أحميك.
ضحكت بمرارة.
تحميني؟ وإنت كنت جزء من اللي حصل لمراتي؟
هز رأسه بسرعة.
لأ.
ثم أضاف
أنا دخلت المستشفى عشان أعرف مين اللي بيأذي سلمى.
بصيت له بعدم تصديق.
وليه ما قلتليش؟
لأن الشخص اللي كان بيمول العملية كان قريب منك جدًا.
سألت
مين؟
عمي فؤاد رفع عينه.
الشخص اللي كان ماسك حسابات الشركة وقتها.
سكت لحظة.
مديرك المالي القديم.
اټصدمت.
الراجل ده اختفى من حياتنا قبل حاډث سلمى بشهور.
كنت فاكر إنه سافر.
لكن عمي قال
ما سافرش.
أمال فين؟
قال
ماټ من سنتين.
سلمى فجأة فتحت عينيها على آخرهما.
وحاولت تقول
لأ
قربت منها.
إيه؟
قالت بصعوبة
هو عايش.
الكل سكت.
حتى عمي فؤاد اتغيرت ملامحه.
إنتِ متأكدة؟
سلمى حركت رأسها.
شفته هنا.
ثم أشارت إلى الممر.
قبل ما الحاډث يحصل.
أنا بدأت أحس إن كل إجابة بتفتح عشرة أسئلة.
لكن فجأة نور مسكت إيدي.
محمود.
نعم؟
قالت
أنا فاكرة حاجة.
نزلت لمستواها.
إيه؟
الراجل اللي كان بيربيني كان عنده صورة.
صورة إيه؟
صورة لست كبيرة.
سألتها
تعرفيها؟
هزت رأسها.
أيوه.
مين؟
نور بصت لسلمى.
وبعدين قالت
مامتك.
اتجمدت.
أمي ماټت وأنا صغير.
على الأقل ده اللي اتقال لي طول عمري.
بصيت لعمي فؤاد.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
فؤاد!
قال بصوت منخفض
أمك ما ماتتش بالطريقة اللي قالوهالك.
حسيت إن الأرض بتتهز.
يعني إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت خطوات جاية من آخر الممر.
الجميع سكت.
ظهر رجل مسن من بين الدخان.
كان لابس جاكت غامق، وشعره أبيض.
رفع عينه ناحيتي.
أنا ما عرفتش أتنفس.
لأن رغم السنين
رغم الشعر الأبيض
رغم تغير ملامحه
عرفت عينيه فورًا.
أبويا.
وقف قدامي.
وقال
سامحني يا محمود.
أنا ما قدرتش أتكلم.
سلمى بدأت تبكي.
ونور اختبأت وراي.
أما أبويا فبص لعمي فؤاد وقال
خلاص كفاية.
ثم بصلي مباشرة.
دلوقتي لازم تعرف ليه سلمى كانت مستهدفة.
وأخرج من جيبه ظرفًا بنيًا.
حطه في إيدي.
لأن الحاډث ما كانش بسبب شغل الشركة.
فتحت الظرف.
وقرأت أول ورقة.
وكان فيها اسم واحد فقط.
اسم والد نور.
رفعت عيني لأبويا.
نور بنت مين؟
أبويا سكت طويلًا.
ثم قال
دي بنت الراجل الوحيد اللي كان عنده الدليل الكامل على كل اللي حصل.
نور رفعت رأسها.
بابا؟
أبويا نظر إليها بحزن.
أبوكي ما ماتش.
ثم أضاف
لكنه اختفى لأنه كان بيحاول يحميكي.
وفي اللحظة دي
جالنا صوت من آخر الممر
وده سبب إنهم كانوا عايزين يوصلوا لنور قبل ما توصل لمحمود.
التفتنا جميعًا.
كان الدكتور سامح واقف هناك.
لكن المرة دي
كان ماسك ملفًا أسود.
وقال
والملف ده فيه الحقيقة اللي محدش فيكم مستعد يسمعها الدكتور سامح كان واقف في آخر الممر، ماسك الملف الأسود بإيده.
بصيت له وقلت
إنت لسه هتتكلم عن الحقيقة؟ بعد كل اللي عملتوه في سلمى؟
رد بهدوء
أنا ما كنتش اللي بدأ كل ده.
لكنك شاركت فيه.
سكت.
وبعدين قال
أيوه.
اعترافه خلاني أتجمد.
طارق قرب منه بعصبية
سامح، ما تفتحش
الملف.
الدكتور سامح بص له.
خلاص يا طارق. اللعبة انتهت.
مد الملف ناحيتي.
خد.
مديت إيدي.
لكن أبويا قال
استنى.
بصيت له.
ليه؟
لأن اللي جواه ممكن يغير نظرتك لكل شخص عرفتَه في حياتك.
قلت
أنا تعبت من الأسرار.
وأخدت الملف.
فتحته.
أول ورقة كانت صورة قديمة.
صورة لسلمى.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كانت واقفة جنب راجل شاب.
وتحت الصورة مكتوب
المشروع 17 المرحلة الأولى.
قلبت الصفحة.
كانت فيه تقارير طبية.
أسماء.
تواريخ.
تحاليل.
وملاحظات عن مواد كيميائية.
لكن وسط كل الأوراق، لقيت ورقة مختلفة.
ورقة مكتوبة بخط سلمى.
قريتها بصوت مرتعش
لو حصل لي حاجة، محمود لازم يعرف إن نور مش طفلة عادية.
بصيت لنور.
كانت واقفة ساكتة.
قلبت الصفحة.
سلمى كانت كاتبة
نور شاهد مهم، لكنها مش عارفة الحقيقة كاملة. الشخص اللي ربّاها أخفى عنها اسم والدها الحقيقي.
نور قربت مني.
أنا مش فاهمة.
أنا كمان ما كنتش فاهم.
قلبت الصفحة الأخيرة.
وكانت فيها صورة لرجل.
تحتها اسم
ياسين الدمنهوري.
سكت.
الاسم ده
اسم أخويا الأصغر.
اللي ماټ وهو طفل.
أو هكذا كنت أعتقد.
بصيت لأبويا.
إيه ده؟
ما ردش.
صړخت
إيه ده يا بابا؟
قال
ياسين ما ماتش.
نور بصت للصورة.
وفجأة قالت
ده هو.
الكل الټفت لها.
تعرفيه؟
هزت رأسها.
كان بيزورني زمان.
قلبي اتقبض.
إنتِ متأكدة؟
قالت
كان بيقول لي إني لازم أفتكر اسم ياسين.
أبويا أغمض عينيه.
ثم قال
ياسين هو والد نور.
سكت العالم كله بالنسبة لي.
أخويا اللي كنت فاكره ماټ
عنده بنت.
والبنت دي كانت مرمية في الژبالة.
وسلمى كانت بتحاول تحميها.
لكن قبل ما أقدر أستوعب، سلمى بدأت تحرك إيدها پعنف.
قربت منها.
إيه يا سلمى؟
أشارت للملف.
ثم أشارت للدكتور سامح.
وقالت بصوت متقطع
مش كله هنا.
إيه اللي مش هنا؟
قالت
الصفحة الأخيرة.
الدكتور سامح بص لها.
وشه اتغير.
قلت
فين الصفحة الأخيرة؟
ما ردش.
بصيت لأبويا.
إنت عارف؟
قال
أيوه.
فين؟
أبويا بص ناحية نور.
ثم قال
معاها.
نور فتحت عينيها باستغراب.
معايا أنا؟
أبويا أومأ.
من يوم ما كانت صغيرة.
سألت نور
إيه اللي معاكي؟
نور بدأت تفتش في جيوب البلوفر.
طلعت قطعة قماش صغيرة ملفوفة بعناية.
فتحتها.
وقع منها شيء معدني صغير.
مفتاح.
وعليه رقم
17.
بصيت للدكتور سامح.
المفتاح ده يفتح إيه؟
سكت.
ثم قال
الخزنة.
خزنة فين؟
قال
في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.
قلت
المخزن؟
هز رأسه.
لأ.
وبص لأبي.
المكان اللي تحت الأرض.
فجأة سمعنا صوت صفارة إنذار.
أبويا رفع رأسه.
لقونا.
طارق قال
مين؟
أبويا رد
الناس اللي بنهرب منهم من سبع سنين.
وأمسك كتف نور.
لازم نخرج من هنا فورًا.
لكن نور فجأة قالت
أنا مش ههرب.
الكل بص لها.
قالت
أنا عايزة أعرف بابا فين.
سكت أبوها.
ثم ظهر على وجهه شيء غريب.
كأنه كان عارف الإجابة.
قال لها
أبوكي قريب جدًا.
نور قربت منه.
فين؟
رفع إصبعه
وأشار إلى باب غرفة الأشعة.
جوه المستشفى.
وقبل ما حد يتحرك
اتفتح باب غرفة الأشعة من الداخل.
وخرج رجل نحيف، شعره طويل ووشه شاحب.
نور بصت له.
ثواني
وبعدين صړخت
بابا!
لكن الرجل ما ردش.
كان واقف ساكت
وعينيه متعلقة بمحمود.
ثم قال جملة واحدة
محمود لو عايز سلمى تعيش، لازم تختار دلوقتي مين هتصدق.
وبمجرد ما قالها
انطفأت أنوار المستشفى كلها الظلام نزل على المستشفى كله في ثانية واحدة.
سمعت صړخة ممرضة من بعيد، وبعدها صوت أجهزة كتير بتفصل في نفس الوقت.
سلمى!
جريت ناحية السرير.
لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت عجلات بتتحرك بسرعة.
حد بيسحب السرير!
مديت إيدي قدامي، ولمست طرف السرير.
مسكته بكل قوتي.
مش هتاخدوها!
حد حاول يشدني من ورا.
لفيت وضړبت إيده.
وفجأة نور صړخت
محمود! تحت!
نزلت على الأرض في آخر لحظة.
شخص كان بيجري جنبي وخبط في الحائط.
وبمجرد ما رجعت النور من بطارية الطوارئ، شفت سلمى قدامي.
لكن الشخص اللي كان بيحاول ياخدها اختفى.
بصيت حواليّ.
الدكتور شريف مش موجود.
الدكتور سامح مش موجود.
وطارق كمان اختفى.
قلت
فين طارق؟
أبويا رد
دور عليه في المكان اللي ما حدش بيدور فيه.
بصيت له پغضب.
كفاية ألغاز!
أشار ناحية غرفة الأشعة.
هو دخل من هنا.
جريت ناحية الباب.
فتحته.
الغرفة كانت فاضية.
لكن على الأرض كان فيه أثر عجلات متجه ناحية حائط جانبي.
قربت.
لقيت باب صغير مفتوح.
دخلت.
كان ممر ضيق جدًا.
نور وأبويا ووالدها مشيوا ورايا.
وفجأة سمعنا صوت طارق من آخر الممر
محمود!
جريت ناحية الصوت.
لقيته واقف قدام باب حديد.
إيده مرفوعة.
ما تقربش.
وقفت.
إنت عملت إيه بسلمى؟
هز راسه.
أنا اللي أنقذتها.
ضحكت.
أنقذتها؟ بعد سنتين من السم؟
صړخ
أنا اللي اكتشفت إنهم بيحطوا المادة دي!
سكت.
طارق كمل
لكني ما قدرتش أواجههم لوحدي.
مين هم؟
بص ناحية أبويا.
وبعدين ناحية والد نور.
اسألهم.
أبويا قال
طارق، افتح الباب.
مش هفتحه.
لازم تفتحه.
طارق هز راسه.
لو فتحته، كل اللي جوه هيعرفوا إننا وصلنا.
قربت منه.
إيه اللي جوه؟
بصلي مباشرة.
كل الملفات الأصلية.
ثم قال
وتقارير سلمى الطبية من أول يوم دخلت فيه المستشفى.
حسيت إن قلبي وقف.
يعني إيه؟
يعني إنك لو شفتها، هتعرف مين كان بيغير التقارير.
والد نور قال
افتح يا طارق.
طارق أخرج المفتاح.
حطه في القفل.
لكن قبل ما يلفه، سمعنا صوت من داخل الغرفة.
صوت امرأة.
ما تفتحش الباب يا طارق.
الكل اتجمد.
صوت امرأة من الداخل؟
مين؟
طارق بصلي.
وشه كان مليان خوف.
قلت
مين جوه؟
ما ردش.
قربت من الباب.
مين؟
الصوت رجع
محمود أنا عارفة إنك بره.
قلبي دق پعنف.
الصوت كان مألوفًا.
قديمًا جدًا.
صوت سمعته آخر مرة وأنا طفل.
رفعت عيني لأبويا.
كان واقف مكانه، ووشه شاحب.
قلت
إنت عارف الصوت ده؟
ما ردش.
والد نور همس
دي مستحيل تكون هنا.
حطيت إيدي على المقبض.
وسألت
مين؟
جالي الرد من خلف الباب
أنا أمك.
إيدي اتجمدت على المقبض.
أبويا أغلق عينيه.
ونور بدأت تبكي.
أما طارق، فكان ماسك المفتاح وبيترعش.
وفجأة سمعنا صوت خبط قوي من جوه.
ثم صوت أمي ېصرخ
محمود! ما تثقش في أبوك!فضلت باصص لأبويا، وكلام أمي من ورا الباب بيرن في ودني
ما تثقش في أبوك!
أبويا ما اتحركش.
بس قال بهدوء
افتح الباب يا محمود.
رجعت خطوة.
ليه؟
عشان تسمع الحقيقة منها بنفسك.
بصيت له.
وإزاي عرفت إنها أمي فعلًا؟
ما ردش.
السؤال نفسه كان كفاية.
مسكت المفتاح من إيد طارق وفتحته.
الباب اتفتح ببطء.
الغرفة كانت مظلمة، وفي آخرها كرسي عليه ست كبيرة، إيديها مربوطين، ووشها شاحب.
لكن أول ما النور وقع على وشها
عرفتها.
رغم إن آخر صورة في دماغي ليها كانت من أكتر من عشرين سنة.
ماما؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
جريت ناحيتها.
لكن أبويا مسكني من دراعي.
استنى.
زعقت
سيبني!
شدني بعيد عنها.
محمود، دي مش أمك.
الست رفعت عينيها وقالت
هو عايزك تصدقه.
بصيت لها.
إنتِ أمي؟
قالت
أيوه.
أبويا قال
كدابة.
والد نور قرب منها، وبص في وشها طويلًا.
وبعدين قال
لأ.
سكت.
دي مش أم محمود.
الست بدأت تضحك.
ضحكة هادية جدًا.
وقالت
أخيرًا حد قالها.
اټصدمت.
يعني إيه؟
خلعت العدسة الطبية من عينها، ومسحت وشها بقطعة قماش.
وفجأة ملامحها اتغيرت.
كانت لابسة قناعًا رقيقًا فوق وجهها.
رمته على الأرض.
بصيت لها.
ما عرفتهاش.
لكن نور صړخت
دي الست اللي كانت بتزور سلمى!
اتجمدت.
أخت الدكتور شريف.
قالت
كان لازم تعرف يا محمود.
قلت
تعرف إيه؟
ابتسمت.
إن سلمى ما كانتش الهدف الحقيقي.
سألتها
أمال مين؟
أشارت ناحية نور.
هي.
نور رجعت خطوة.
أنا وقفت قدامها.
ليه؟
قالت
لأن أبوها كان ماسك الدليل اللي ممكن يوقع ناس كبار جدًا.
والد نور قال
كفاية.
لفت له.
إنت عارف إنك ما ينفعش تظهر دلوقتي.
نور قربت منه.
بابا
بص لها.
لكن ما قربش.
قلت له
ليه كنت مختفي عنها؟
قال
عشان أحميها.
ومن مين؟
سكت.
الست ردت بدلًا منه
من نفس الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة من البداية.
قلت
مين؟
قبل ما تجاوب، دخل الدكتور شريف فجأة.
وكان ماسك ملفًا أبيض.
قال
محمود، لازم تشوف ده.
أخدت الملف.
فتحته.
كانت أول صفحة تقريرًا طبيًا لسلمى.
وفي أسفل الصفحة توقيع الطبيب المسؤول.
لكن التوقيع كان باسم
والدي.
رفعت عيني له.
إنت كنت دكتور في المستشفى؟
قال
زمان.
قلبت الصفحات بسرعة.
التاريخ كان قبل ما أعرف أصلًا إن سلمى موجودة في حياتي.
وبين الأوراق لقيت تقريرًا مكتوبًا قبل الحاډث بثلاثة أيام.
وفيه جملة واحدة
المړيضة قد تكون معرضة لمحاولة إسكاتها.
رفعت رأسي.
إنت كنت عارف إن سلمى في خطړ؟
أبويا سكت.
صړخت
كنت عارف؟!
قال
أيوه.
وسكت؟
حاولت أحميها.
بإيه؟ إنك تختفي وتمثل إنك مېت؟
سكت.
الدكتور شريف قال
أبوك ما اختفاش عشان يهرب منك.
ثم وضع ورقة أخرى أمامي.
اختفى عشان يراقب الشخص اللي كان بيمول كل اللي حصل.
قرأت الاسم.
وفي اللحظة دي
حسيت إن كل حاجة اتكسرت جوايا.
لأن الاسم كان
محمود الدمنهوري.
اسمي أنا.
رفعت عيني للدكتور شريف.
إيه ده؟
قال
الحسابات والصفقات كلها كانت باسمك.
طارق قال
لأن حد كان بيستخدم هويتك من غير ما تعرف.
لكن والد نور قاطعهم
لأ.
الكل بص له.
قال
مش هويته بس.
وأشار إلى الملف.
كان بيستخدم اسم محمود من وهو طفل.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وعشان كده أبوك اختفى.
سألت
مين كان بيستخدم اسمي؟
سكت لحظة.
ثم قال
الشخص اللي ربّى نور.
نور شهقت.
عمو فؤاد؟
كلنا بصينا لعمي.
فؤاد ما أنكرش.
بس ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
أخيرًا وصلنا لبعض.
ثم قفل باب الغرفة من الخارج.
وقال
دلوقتي محدش هيخرج قبل ما يسمع آخر جزء من الحكاية باب الغرفة اتقفل بالمفتاح.
جريت عليه وخبطت عليه بكل قوتي.
فؤاد! افتح الباب!
ضحك صوته من الناحية التانية.
اهدى يا محمود. مش هأذي حد.
صړخت
إنت اللي ورا كل ده؟
ما ردش.
لكن صوته جه من بعيد
أنا كنت مستني اليوم ده من سنين.
لفيت ناحية أبويا.
بابا قول الحقيقة.
أبويا كان ساكت.
قلت
كفاية!
رفع عينه ليا.
فؤاد كان شريك في المشروع اللي أبوك اكتشفه.
والد نور قال
وكان عنده سبب ېخاف.
سألت
إيه السبب؟
أبويا قال
لأن أبوك عرف إن فؤاد كان بيزوّر مستندات ملكية الأراضي، وبيستخدم أسماء أشخاص تانيين في العقود.
بصيت للملف.
واسمي؟
استخدم اسمك لأنك كنت الوريث القانوني لبعض الممتلكات.
فهمت فجأة.
كل الصفقات اللي كنت فاكرها باسمي
ممكن تكون اتعملت باسمي من غير علمي.
لكن لسه فيه سؤال واحد
وسلمى؟
والد نور رد
سلمى اكتشفت المستندات.
قربت من السرير.
سلمى كانت بتبصلي.
وإنتِ عشان كده اتعرضتي للحاډث؟
حركت رأسها ببطء.
دموعها نزلت.
ثم قالت بصوت ضعيف
العربية ما كانش فيها فرامل.
اتنفسنا كلنا بصعوبة.
طارق قال
أنا اكتشفت ده بعد الحاډث.
بصيت له.
طب ليه ما قلتليش؟
لأن فؤاد كان بيراقبك.
وإنت؟
كنت بحاول أجمع دليل.
الدكتور سامح تدخل
وأنا كنت بحاول أحافظ على حياة سلمى.
صړخت
عن طريق السم؟
هز رأسه.
المادة كانت بتُستخدم عشان يبان إن حالتها عصبية وغير مستقرة، لكني وقفت استخدامها من فترة.
بصيت له پغضب.
وقفتها إمتى؟
قال
قبل ما نور تدخل المستشفى بأسبوع.
افتكرت أول حركة من سلمى بعد ما لمستها نور.
يعني ممكن تكون حالتها بدأت تتحسن فعلًا
قبل ما أعرف الحقيقة.
لكن فجأة نور قالت
مش هو اللي كان بيحط المادة.
بصينا لها.
قالت
أنا شفته.
سألتها
مين؟
أشارت ناحية الدكتور شريف.
الدكتور شريف اتجمد.
إنتِ كدابة.
نور بدأت ټعيط.
أنا شفته بالليل.
طارق قال
نور، متأكدة؟
هزت رأسها.
أيوه.
ثم أضافت
بس كان فيه حد تاني معاه.
سألت
مين؟
نور بصت للباب.
وقالت
فؤاد.
ساد الصمت.
وفجأة سمعنا صوت فؤاد من خلف الباب
نور إنتِ فاكرة أكتر مما المفروض.
أبويا اتجه للباب.
فؤاد! افتح.
فؤاد ضحك.
خلاص يا أخويا.
وبعدها سمعنا صوت مفتاح.
لكن الباب ما اتفتحش.
اتسمعت أصوات خطوات بتبعد.
قلت
هو هرب.
طارق جرى ناحية الباب.
لأ، لسه هنا.
فتحنا الباب بصعوبة.
الممر كان فاضي.
لكن في آخره كانت فيه شاشة مراقبة.
وعليها صورة من كاميرا داخل المستشفى.
فؤاد كان واقف في موقف السيارات.
وفي إيده حقيبة.
فتحها.
ظهر بداخلها عشرات الملفات.
لكن قبل ما يدخل عربيته
وقف.
وبص مباشرة ناحية كاميرا المراقبة.
كأنه عارف إننا بنشوفه.
ثم رفع ورقة قدام الكاميرا.
كانت صورة قديمة لي أنا وأنا طفل.
وفي ظهرها
مكتوب
المرحلة الأخيرة تبدأ عندما يتذكر محمود من هو.
وفجأة
سلمى صړخت.
جريت عليها.
كانت بتحاول تقوم من الكرسي.
سلمى! استني!
لأول مرة من سنتين
رجليها اتحركوا.
ببطء شديد.
وبمساعدة السرير
وقفت.
أنا دموعي نزلت.
لكنها ما كانتش بتبصلي.
كانت بتبص على شاشة المراقبة.
ثم قالت بصوت واضح لأول مرة
محمود
نعم؟
قالت
فؤاد مش العقل المدبر.
وسكتت لحظة.
ثم قالت
أنا عرفت مين هو.
وقبل ما تكمل
انطفأت الشاشة.
وجالنا صوت رسالة على تليفوني.
فتحتها.
كانت من رقم مجهول.
وفيها صورة واحدة فقط
صورة شخص جالس أمام مكتب.
رفعت الصورة قدام أبويا.
وشه اتغير فورًا.
وقال
مستحيل.
قلت
مين ده؟
أبويا رد بصوت مرتعش
الرجل اللي ماټ قبل ما تتولد يا محمود.
لكن الصورة كانت متصورة
منذ عشر دقائق فقط مسكت الصورة بإيدي وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه.
يعني إيه ماټ قبل ما أتولد؟
أبويا ما ردش.
طارق قرب منه.
الحاج محمود إحنا لازم نفهم.
أبويا فضل ساكت ثواني، وبعدها قال
الراجل ده اسمه منصور الدمنهوري.
بصيت له باستغراب.
منصور؟!
أخو أبوك الكبير.
سكت.
يعني عمي منصور؟
هز رأسه.
كان المفروض ېموت من تلاتين سنة.
سألت
إزاي؟
قال
حصل حريق في مخزن قديم، واتقال إن جثته اتوجدت جوه.
نور كانت واقفة جنبي، وفجأة قالت
مفيش چثة.
كلنا بصينا لها.
قالت بثقة غريبة
أنا شفت صورته قبل كده.
قربت منها.
فين؟
في الغرفة اللي تحت الأرض.
طارق قال
غرفة إيه؟
نور أشارت للمستشفى.
الغرفة 17.
افتكرت المفتاح الصغير اللي كان معاها.
طلعته من جيبي.
كان مكتوب عليه رقم 17.
الدكتور شريف اتوتر.
نور قالت
هو كان بييجي هناك.
سألتها
منصور؟
هزت رأسها.
وكان كل مرة بيقول لهم محمود لسه ما افتكرش.
الجملة دي خلت الډم ينسحب من وشي.
يفتكر إيه؟
نور ما ردتش.
لكن سلمى، اللي كانت لسه واقفة بصعوبة، قالت
طفولتك.
بصيت لها.
أنا؟
أيوه.
قربت منها.
أنا فاكر طفولتي.
هزت رأسها.
لأ إنت فاكر اللي اتقالك.
اتجمدت.
أبويا نزل عينه للأرض.
صړخت
بابا!
رفع عينه.
إنت كنت عارف؟
قال
كنت عارف إن فيه حاجات اتخبت عنك.
ليه؟
عشان أحميك.
ضحكت بمرارة.
كل واحد فيكم بيقول نفس الجملة!
طارق فتح الملف الأسود بسرعة.
استنى.
طلع ورقة قديمة.
بص هنا.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
اسمي مكتوب.
لكن تاريخ الميلاد مختلف.
والأغرب
اسم الأب لم يكن اسم أبويا.
كان مكتوب
منصور الدمنهوري.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
ده تزوير.
أبويا قال
أيوه.
مين زوّرها؟
قبل ما يرد
سمعنا صوت من السماعة الموجودة في سقف الغرفة.
صوت فؤاد.
مش تزوير يا محمود.
رفعت رأسي.
فؤاد!
قال
دي أول ورقة اتعملت عشان يحمّوك.
تحميني من مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
من عمك منصور.
سألته
بس إنت كنت شغال معاه!
ضحك.
كنت براقبه.
طارق بص لأبويا.
يعني كل اللي حصل
أبويا قاطعه
فؤاد كان بيحاول يوصل لمنصور قبلنا.
لكن سلمى هزت رأسها.
لأ.
كلنا بصينا لها.
قالت
فؤاد كان جزء من الخطة في البداية.
أبويا اټصدم.
سلمى!
قالت
وبعدين غيّر موقفه.
سألتها
إنتِ عرفتي الكلام ده إمتى؟
بصتلي.
قبل الحاډث بيوم.
ثم مدت إيدها ناحية الملف.
وفي اليوم ده قابلت منصور بنفسي.
شهقت.
إنتِ قابلتيه؟
هزت رأسها.
وكان معاه شخص تاني.
قلت
مين؟
سلمى بصت لأبويا.
ثم قالت
أمك.
المكان كله سكت.
أنا قربت منها.
أمي ماټت من سنين.
قالت بهدوء
الست اللي ماټت مش أمك.
أبويا غمض عينه.
وفجأة
جالنا صوت خبط عڼيف من آخر الممر.
مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
طارق خرج يجري.
وبعد ثواني رجع وشه شاحب.
محمود
إيه؟
قال
العربية اللي كانت في الصورة اختفت.
منصور هرب؟
هز رأسه.
لأ.
ومد إيده بتليفوني.
على شاشة الكاميرا الخارجية ظهر مكان العربية.
العربية كانت لسه واقفة.
لكن الباب مفتوح.
وجنبها شخص واقع على الأرض.
قربت من الشاشة.
الصورة وضحت.
كان فؤاد.
لكن قبل ما نتحرك
وصلت رسالة جديدة على تليفوني.
فتحتها.
جملة واحدة
لو عايز تعرف الحقيقة كاملة تعال للبيت اللي اتولدت فيه، لوحدك.
وتحت الجملة
كان فيه عنوان.
العنوان كان لبيت قديم أنا عمري ما شفته.
لكن أبويا أول ما قرأه
قال
ده مش بيت.
سألته
أمال إيه؟
رد بصوت منخفض
ده المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية بصيت لأبويا وأنا ماسك التليفون.
يعني إيه المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية؟
أبويا قرب مني وقال
البيت ده كان ملك عيلتنا زمان بس مش البيت اللي كنت عايش فيه وإنت صغير.
أمال إيه؟
ده كان بيت جدك القديم.
سكت لحظة، وبعدين قال
وهناك اتولدت.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
بس إنت قلتلي إني اتولدت في المستشفى.
أبويا رد
دي كانت أول كڈبة.
نور قربت مني.
لازم نروح.
طارق اعترض فورًا
لا. الرسالة قالت محمود يروح لوحده، وده واضح إنه فخ.
قلت
وأنا مش هروح لوحدي.
بصيت لسلمى.
كانت لسه واقفة، رغم إن جسمها كان بيرتعش من التعب.
إنتِ مش هتتحركي من هنا.
هزت رأسها.
أنا اللي لازم أروح.
لأ.
قالت
محمود لو فضلت هنا، ممكن ياخدوا كل الأدلة.
الدكتور شريف بص للأرض.
عندها حق.
لفيت له.
وإنت هتفضل هنا.
قال
ليه؟
لأنك لسه متهم عندي لحد ما أعرف الحقيقة.
سكت.
خرجنا من المستشفى أنا وطارق وأبويا ونور.
لكن قبل ما نركب، أبويا وقف.
محمود.
نعم؟
لو شفت منصور
أعمل إيه؟
ما تواجهوش لوحدك.
قلت
بعد كل اللي حصل، لسه خاېف منه؟
رد
أنا مش خاېف منه.
وسكت.
أنا خاېف من اللي مخبيه.
وصلنا البيت القديم بعد حوالي ساعة.
كان مبنى مهجور، سور عالي، وشبابيكه مغطاة بألواح خشب.
نور أول ما شافته قالت
أنا شفت المكان ده.
بصيت لها.
إمتى؟
قبل ما آجي عندك.
دخلنا من باب جانبي كان مفتوح.
البيت من جوه كان مليان تراب، لكن الغريب إن التراب كان متحرك في مكان واحد.
أبويا قرب من الأرض.
حد كان هنا قريب.
طارق شاور ناحية الحائط.
بصوا.
كان فيه إطار صورة قديم.
مسح التراب بإيده.
ظهرت صورة عائلية.
جدي.
أبويا.
فؤاد.
ورجل تاني واقف في الخلف.
بصيت للصورة.
الرجل كان شبه الشخص اللي ظهر في الصورة اللي وصلتني.
قلت
ده منصور؟
أبويا قال
أيوه.
نور قربت من الصورة.
وأشارت لطفل صغير واقف جنب أبويا.
ده إنت؟
قلت
لأ.
سكتت.
ثم قالت
ده مش طفل.
بصيت لها باستغراب.
أمال إيه؟
قالت
دي بنت.
قربنا من الصورة.
وفعلًا
الطفل كان لابس فستان صغير.
لكن وجهه كان مطموس بالقلم.
أبويا بدأ يفتش في المكان بعصبية.
فتح درج قديم.
طلع منه ظرف أصفر.
على الظرف مكتوب
إلى محمود عندما يصبح قادرًا على معرفة الحقيقة.
فتحت الظرف.
جواه شريط تسجيل قديم.
طارق قال
هنشغله إزاي؟
أبويا أشار لغرفة جانبية.
كان فيها جهاز تسجيل قديم.
حطيت الشريط.
الصوت بدأ بتشويش
وبعدين سمعنا صوت امرأة.
صوت أمي.
محمود لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا فشلت في إني أحميك.
اتجمدت.
الصوت أكمل
أبوك مش والدك الوحيد.
أبويا غمض عينه.
أنا بصيت له.
يعني إيه؟
الصوت أكمل
يوم ولادتك، حصل اتفاق بين إخوات الدمنهوري. اتفاق كان هدفه يحمي طفلين مش طفل واحد.
طارق قال
طفلين؟
الصوت تابع
واحد كان محمود والتاني كان
وفجأة التسجيل وقف.
ضړبت الجهاز.
لأ!
حاولت أشغله تاني.
ولا كلمة.
نور كانت واقفة في زاوية الغرفة، ووشها متغير.
قلت لها
كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.
لأ.
وبعدين قالت
بس أنا عارفة فين الجزء التاني.
فين؟
أشارت للأرض.
تحت البيت.
بدأنا نفتش.
بعد دقائق لقينا حلقة حديد صغيرة تحت سجادة قديمة.
طارق شدها.
ظهر باب معدني.
فتحناه.
نزلنا سلم ضيق.
في آخر السلم كان فيه ممر طويل.
وعلى الحائط أرقام غرف.
١٤
١٥
١٦
ثم وقفنا أمام باب مكتوب عليه
17
طلعت المفتاح.
دخلته.
الباب فتح.
الغرفة كانت مليانة ملفات وصور.
وفي المنتصف مكتب.
وعليه ملف واحد فقط.
كتبت عليه جملة
الحقيقة عن محمود ونور.
نور قربت.
أول ما شافت اسمها
رجعت خطوة.
محمود
إيه؟
قالت بصوت مرتعش
افتحه إنت.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت تقرير طبي قديم.
وفي أسفل الصفحة توقيع الدكتور شريف.
أما السطر الأخير
فخلاني مش قادر أتنفس.
كان مكتوب
الطفلان ليسا أخوين كما يعتقد الجميع لكنهما مرتبطان بسر واحد.
وفجأة
سمعنا صوت باب الغرفة بيتقفل من ورانا.
ثم صوت منصور لأول مرة
واضح جدًا.
أخيرًا وصلتوا للغرفة 17.
اتلفت.
كان واقف في آخر الممر.
وبجانبه فؤاد.
لكن المفاجأة الحقيقية
إن سلمى كانت واقفة خلفهما.
وهي ماسكة ملف تاني.
وقالت
محمود ما تفتحش الصفحة الأخيرة.
لأن الصفحة الأخيرة
فيها اسم الشخص اللي دبّر كل حاجة من البداية فضلت باصص لسلمى وأنا مش فاهم.
إنتِ وصلتي هنا إزاي؟
قالت وهي بتسند نفسها على الحائط
الدكتور شريف ساعدني.
بصيت للدكتور شريف، اللي كان واقف بعيد عند مدخل الممر.
إنت؟!
قال بهدوء
سلمى طلبت مني أجيبها هنا قبل ما نوصل للغرفة.
طارق قرب مني وهمس
خد بالك ممكن تكون الخطة لسه شغالة.
لكن منصور ضحك.
طارق لسه بيشك في كل حاجة زي ما كان أبوه.
طارق اتجمد.
إنت تعرف أبويا؟
منصور رد
أنا كنت أعرف كل واحد دخل في الحكاية دي.
وبعدين بصلي.
لكن إنت يا محمود كنت آخر واحد يعرف.
صړخت
كفاية ألغاز! مين أنا؟ ومين نور؟
منصور سكت.
فؤاد هو اللي رد
محمود هو الوريث الأصلي للملف ونور هي الشاهدة اللي كان المفروض تختفي قبل ما تتكلم.
نور قربت مني.
بس أنا مش فاكرة حاجة.
منصور قال
عشان كنتِ صغيرة.
وبعدين أشار للملف اللي في إيدي.
افتحه.
بصيت لسلمى.
هزت رأسها.
افتحه.
قلبت الصفحة.
كان فيها صورة قديمة لوالدي وهو واقف قدام البيت.
وبجانبه رجل مجهول.
وتحت الصورة تاريخ قبل ولادتي بشهور.
ثم ورقة تانية.
تم نقل المستندات الأصلية إلى خزنة خاصة، ولا يجوز فتحها إلا بحضور محمود الدمنهوري.
قلت
خزنة إيه؟
فؤاد رد
خزنة أبوك.
أبويا بص له پغضب.
إنت وعدتني إنك مش هتدخل محمود في الموضوع.
فؤاد قال
وأنا حاولت.
حاولت إزاي؟!
خليته بعيد عن كل حاجة.
بصيت لأبويا.
وإنت ليه وافقت؟
أبويا قال
لأن منصور كان بيحاول يسيطر على أملاك العيلة باستخدام مستندات مزورة.
منصور ضحك.
ولسه بتقول نفس الكلام؟
أبويا رد
لأن الحقيقة ما بتتغيرش.
منصور قرب خطوة.
الحقيقة إنك أنت اللي أخفيت المستندات.
عشان أحمي محمود.
لا.
ثم أشار إليّ.
عشان تخفي عنه إنه كان موجود يوم الحاډثة الأولى.
اتجمدت.
حاډثة إيه؟
سلمى رفعت رأسها.
محمود إنت كنت هناك.
فين؟
في المخزن.
حسيت بصداع شديد.
صور متقطعة بدأت تيجي في دماغي.
مكان مظلم.
صوت زجاج بيتكسر.
ريحة دخان.
وصوت طفل بيعيط.
ثم صوت امرأة بتقول
خد محمود وامشِ!
حطيت إيدي على رأسي.
طارق مسكني.
محمود!
لكنني سمعته.
صوت الطفل.
كان صوتي.
وقلت
أنا فاكر
الكل سكت.
قلت
كان فيه طفل تاني.
نور قربت مني.
مين؟
غمضت عيني.
الصورة وضحت أكتر.
كنت ماسك إيد طفلة صغيرة.
وكنا بنجري في ممر.
ثم ظهر رجل قدامنا.
الرجل كان منصور.
لكن كان معاه شخص آخر.
قلت
كان فيه حد معاه.
منصور سأل
فاكر مين؟
هزيت رأسي.
لأ.
سلمى قالت
أنا فاكرة.
بصيت لها.
مين؟
رفعت الملف اللي في إيدها.
الشخص اللي كان مع منصور وقتها
وسكتت.
فؤاد قال
ما تقوليش.
لكن سلمى ردت
لازم يعرف.
ثم بصت لي مباشرة.
كان فؤاد.
الصمت نزل على المكان.
بصيت لعمي.
إنت؟
فؤاد ما أنكرش.
لكن قال
كنت موجود.
ليه؟
عشان أنقذك.
وتنقذ مين كمان؟
بص ناحية نور.
أختك.
نور اتجمدت.
أختي؟
سلمى قالت
أيوه.
منصور ابتسم ابتسامة صغيرة.
أخيرًا.
قربت من نور.
يعني إنتِ
لكن قبل ما أكمل، انفتح باب الغرفة فجأة.
دخل رجل مسرعًا.
كان سامي، موظف الاستقبال القديم.
وفي إيده ظرف.
قال
محمود! لقيت الدليل الأخير!
منصور تغير وشه لأول مرة.
إنت عملت إيه؟
سامي رفع الظرف.
لقيت النسخة الأصلية من شهادة الميلاد.
فتح الظرف.
طلع ورقة.
وقال
والورقة دي بتثبت مين والد نور الحقيقي
ثم بص لي.
وبتثبت كمان إن الشخص اللي ربّاها طول السنين
مش أبوها.
وقبل ما يذكر الاسم
انطفأت أنوار الممر كلها.
وسمعنا صوت قفل الباب الرئيسي.
ثم صوت شخص من السماعة
لو عايزين تخرجوا من هنا لازم تعرفوا الحقيقة الأخيرة عن أم محمود اتجمدت مكاني.
بصيت لسلمى، وبعدين للملف اللي في إيدها.
إنتِ إزاي وصلتي هنا؟
قالت وهي بتتنفس بصعوبة
فؤاد هو اللي جابني.
بصيت لفؤاد.
يعني كنت عارف إنها هتيجي؟
فؤاد ما ردش.
أما منصور فابتسم
وقال
لأن سلمى الوحيدة اللي كانت تعرف مكان الغرفة دي قبل الحاډث.
صړخت
كفاية ألغاز! مين اللي دبّر كل ده؟
منصور بص لفؤاد.
قول له.
فؤاد نزل عينه.
مش دلوقتي.
منصور اتنرفز
إنت لسه هتحميه؟
فؤاد رد بعصبية
أنا بحميه من الحقيقة اللي إنت سببتها!
سكت منصور.
أنا قربت خطوة.
إنتوا الاتنين تعرفوا بعض من إمتى؟
فؤاد قال
من يوم ما بدأت الحكاية.
أي حكاية؟
حكاية الأرض والملفات والهوية اللي اتسرقت.
رفعت الملف.
وإيه علاقة نور؟
منصور بص لنور.
وشه اتغير لأول مرة.
نور هي المفتاح.
نور رجعت لورا.
أنا؟
أيوه.
قلت
إنت بتتكلم عن طفلة!
قال
طفلة شافت حاجة محدش كان لازم يشوفها.
سلمى فتحت الملف اللي في إيدها.
وأنا كمان شفتها.
بصيت لها.
شوفتي إيه؟
قالت
قبل الحاډث بيوم، كنت في البيت القديم.
وبعدين أشارت لصورة قديمة.
شفت منصور وفؤاد بيتخانقوا.
فؤاد قاطعها
وكنت بحاول أوقفه.
لأ، كنت بتحاول تخفي المستندات.
فؤاد سكت.
سلمى كملت
المستندات كانت بتثبت إن فيه أراضي اتنقلت ملكيتها بأسماء ناس مټوفية وأسماء أطفال.
بصيت للملف.
وأسماء أطفال؟
هزت رأسها.
اسمك كان واحد منهم.
نور قربت من الورقة.
واسمي؟
سلمى ما ردتش.
نور خطفت الملف.
قلبت الصفحات بسرعة.
وفجأة وقفت.
وشها اصفر.
محمود
إيه؟
مدت الورقة لي.
كان فيها اسمها.
نور ياسين الدمنهوري.
وتحته رقم ملف قديم.
لكن اللي صدمني إن جنب اسمها كان مكتوب
الشاهدة الوحيدة.
بصيت لمنصور.
شاهدة على إيه؟
قال
على اللي حصل في الليلة دي.
وأخرج من جيبه صورة صغيرة.
حطها على المكتب.
الصورة كانت لبيت قديم.
وفي الخلفية كان فيه حريق.
وعلى باب البيت
كنت أنا واقف وأنا طفل.
وبجانبي بنت صغيرة.
نور بصت للصورة.
وفجأة بدأت ترتعش.
أنا فاكرة.
قربت منها.
فاكرة إيه؟
قالت
كان فيه صوت خناقة.
بين مين؟
غمضت عينيها.
بين أبويا ومنصور.
منصور اتجمد.
نور كملت
وأبويا كان بيقول له لو قربت من محمود، هقول كل حاجة.
بصيت لمنصور.
أبويا كان يعرفك؟
أكتر مما تتخيل.
فجأة سمعنا صوت خطوات فوقنا.
طارق رفع رأسه.
إحنا مش لوحدنا.
فؤاد بص ناحية السلم.
لازم نطلع فورًا.
لكن قبل ما حد يتحرك
اتقفل باب الغرفة الحديدي.
وصوت شخص جه من السماعة
محدش هيطلع.
منصور بص لفؤاد.
إنت عملت كده؟
فؤاد هز رأسه.
لأ.
الصوت كمل
محمود لو عايز تعرف الحقيقة عن ولادتك، اسأل أبوك سؤال واحد.
بصيت لأبويا.
كان واقف عند باب الغرفة، ووشه شاحب.
قلت
بابا
رفع عينه.
إيه؟
مين البنت اللي كانت معايا في الصورة؟
أبويا سكت.
قلت
ومين اللي مسح وشها من الصورة؟
ظل ساكتًا.
نور قربت منه.
وقالت
عمو أنا مش بنت ياسين؟
أبويا رفع عينه لها.
ولأول مرة
ظهر عليه خوف حقيقي.
ثم قال
نور
أيوه؟
أبوكي ياسين كان بيحاول يحميكي.
من مين؟
أبويا بص لمنصور.
ثم بص لفؤاد.
ثم قال
من الشخص اللي كان المفروض يكون آخر واحد نخاف منه.
وساد الصمت.
لحد ما سلمى همست
قول اسمه.
أبويا أخد نفس طويل.
وقال
أنا.
اتجمدنا كلنا.
بصيت له.
إنت؟
هز رأسه والدموع في عينه.
أنا اللي بدأت كل حاجة.
وقبل ما أستوعب كلامه
وقع ظرف أبيض من السقف قدام رجلي.
التقطته.
كان مكتوب عليه
لو قال لك أبوك إنه بدأ الحكاية ما تصدقوش.
وتحت الجملة توقيع واحد
سلمى فضلت ماسك الظرف وببص لسلمى.
إنتِ اللي كتبتي ده؟
هزت رأسها.
أيوه.
بصيت لأبويا.
يبقى مين فيكم بيكدب؟
أبويا ما ردش.
سلمى قالت
أبوك مش اللي بدأ الحكاية لكنه شال ذنب حاجة ما عملهاش عشان يحميك.
منصور اڼفجر
كفاية يا سلمى!
بصيت له.
إنت خاېف ليه؟
ما ردش.
سلمى كملت
قبل حاډث العربية بيوم، أبوك قابلني وقال لي إن فيه حد بيستخدم اسم محمود في صفقات مشپوهة.
طارق قال
مين؟
منصور.
منصور صړخ
مستحيل!
لكن فؤاد قال بهدوء
مش مستحيل.
منصور بص له.
إنت بتتكلم؟
فؤاد رد
أيوه. أنا عندي النسخة الأصلية.
طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
حطها على المكتب.
كل العقود اللي اتعملت باسم محمود موجودة هنا.
طارق فتح اللابتوب.
بدأت الملفات تظهر واحد ورا التاني.
أراضي.
شركات.
تحويلات.
توقيعات.
لكن فجأة ظهر ملف بتاريخ قبل ولادتي بسنين.
عنوانه
مشروع الدمنهوري المرحلة الأولى.
فتحت الملف.
وكان فيه جدول بأسماء.
منصور.
فؤاد.
الدكتور شريف.
وسامي.
وبعدين
اسم خامس.
اسم متشفر بحروف وأرقام.
سألت
مين ده؟
سامي قرب من الشاشة.
وشه اتغير.
أنا شفت الكود ده قبل كده.
فين؟
قال
في ملفات المستشفى.
الدكتور شريف قال
مستحيل.
سامي رد
لأ، موجود.
ثم فتح سجل قديم.
ظهر نفس الكود.
وتحته
المسؤول عن إصدار التعليمات الطبية.
بصيت للدكتور شريف.
يعني كان فيه حد بيديك أوامر؟
هز رأسه.
كنت بنفذ تعليمات شخص واحد.
مين؟
سكت.
سلمى قالت
قول.
الدكتور شريف بص لأبويا.
أبويا غمض عينه.
الدكتور قال
والد محمود.
صړخت
بابا؟!
أبويا قال
كنت مضطر.
مضطر تعمل إيه؟
أحميك.
عن طريق تسميم سلمى؟
الدكتور شريف قاطعني
أبوك ما أمرنيش أسممها.
سكتنا.
أمال مين؟
الدكتور شريف قال
الشخص اللي كان بيمول العلاج.
طارق قال
مين؟
الدكتور شريف بص ناحية منصور.
لكن منصور قال بسرعة
مش أنا.
وفجأة نور قالت
أنا أعرف.
كلنا بصينا لها.
قالت
الشخص ده كان بييجيلي وأنا صغيرة.
سألتها
مين؟
نور رفعت إيدها وأشارت إلى صورة قديمة معلقة على الحائط.
الصورة كانت لجدّي.
وقالت
هو.
اتجمدت.
جدي ماټ من قبل ما أولد.
نور هزت رأسها.
الصورة دي مش لجدي.
قربت من الصورة.
وكان فعلًا فيه اختلاف بسيط في ملامح الرجل.
طارق قال
الصورة دي متعدلة.
فؤاد قرب.
مش متعدلة.
مسك الصورة من الخلف.
ظهر ختم قديم.
قرأه بصوت منخفض
أرشيف العيلة 1989.
ثم بص لأبويا.
مين الرجل ده؟
أبويا قال
أخو أبويا التوأم.
اتسعت عيني.
كان فيه توأم تاني؟
أيوه.
منصور قال
وكان هو صاحب كل حاجة.
قلت
اسمه إيه؟
أبويا سكت.
ثم قال
عادل.
فجأة
صدر صوت تصفيق من آخر الممر.
ببطء.
مرة
مرتين
ثلاث مرات.
التفتنا.
رجل كان واقف في الظلام.
طلع خطوة للنور.
كان كبير في السن، لكنه واقف بثبات.
بص لأبويا.
وقال
أخيرًا قلت اسمي.
أبويا رجع خطوة.
الرجل ابتسم.
ثم بصلي.
محمود أنا مستنيك من يوم ما اتولدت.
نور مسكت إيدي بقوة.
سألته
إنت عايز مني إيه؟
قال
ولا حاجة.
ثم أشار للملف.
أنا عايزك تعرف الحقيقة قبل ما تسمع الكذبة الأخيرة.
وفجأة
سلمى صړخت
محمود! ما تسمعش كلامه!
الرجل ابتسم.
اسألي جوزك يا سلمى
ثم بص لي.
اسأله ليه خبّى عنك إن أمك الحقيقية عايشة.
اتجمدت.
بصيت لأبويا.
أمي عايشة؟
أبويا ما ردش.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت امرأة من آخر الممر
أيوه يا محمود أنا عايشة.
والصوت
كان صوت أمي الحقيقي وقفت مكاني كأني اتثبت في الأرض.
الصوت جه تاني من آخر الممر
محمود ما تخافش.
قربت خطوة.
ماما؟
أبويا مسكني من دراعي.
استنى.
بصيت له.
إنت قلت إنها ماټت!
قال بصوت مكسور
كنت فاكر إنها ماټت.
الرجل اللي اسمه عادل ابتسم.
لأ إنت كنت عارف إنها عايشة.
أبويا بص له پغضب.
اسكت.
ظهر ظل امرأة في آخر الممر.
وبعدين خرجت للنور.
شعرها كان أبيض، ووشها عليه علامات السنين، لكنها كانت فعلًا شبه أمي في الصور القديمة.
وقفت قدامي.
وقالت
أنا أمك.
رجعت خطوة.
أثبتي.
المرأة ابتسمت بحزن.
لما كنت صغير، كنت پتخاف من صوت المطر.
قلبي دق بسرعة.
وكنت بتستخبى فين؟
تحت السرير.
سكت.
وكانت أمك بتعمل إيه؟
قالت
كانت بتقعد على الأرض جنبك وتعدّ لك لحد عشرة.
عيني دمعت.
دي حاجة محدش يعرفها.
لكن أبويا قال
ده مش دليل.
المرأة بصت له.
طب أقول له عن الندبة اللي في كتفه؟
اتجمد أبويا.
لمست كتفي.
وإنت عندك أربع سنين وقعت من فوق السلم، وخيطتلك الچرح بإيدي.
لمست مكان الندبة.
كانت فعلًا موجودة.
لكن فجأة سلمى قالت
ممكن تكون عرفت كل ده من الملفات.
المرأة بصت لها.
سلمى إنتِ لسه بتشكّي في كل حاجة.
سلمى ردت
لأنك مش أمي.
الصمت نزل على المكان.
بصيت لسلمى.
إنتِ متأكدة؟
قالت
أيوه.
المرأة ابتسمت.
وإنتِ عرفتي منين؟
سلمى قالت
لأن أم محمود كان عندها علامة صغيرة جنب عينها اليمين.
ثم أشارت للمرأة.
وإنتِ عندك العلامة في الناحية التانية.
المرأة سكتت.
عادل ضحك.
عشان كده أنا اخترتك يا سلمى.
صړخت
اخترتني لإيه؟
عادل قال
لأنك الوحيدة اللي قدرت توصلي للحقيقة.
ثم أشار لفؤاد.
وفؤاد كان المفروض يمنعك.
فؤاد قال
لكني فشلت.
بصيت لفؤاد.
يبقى كنت بتراقب سلمى؟
أيوه.
من إمتى؟
من قبل الحاډث.
سلمى قالت
وهو اللي حذرني إن العربية اتلعب في فراملها.
اټصدمت.
يعني فؤاد أنقذك؟
هزت رأسها.
حاول.
عادل قال
لكن الحاډث حصل.
ثم بص للدكتور شريف.
وبعدها بدأت المرحلة التانية.
الدكتور شريف أنزل رأسه.
قلت له
المادة اللي كنت بتحطها لها
قال
كانت بأمر عادل.
عادل ما أنكرش.
كنت محتاجها تفضل ساكتة.
سلمى بصت له.
بس أنا ما سكتش.
عشان كده نور دخلت اللعبة.
نور قربت مني.
أنا؟
عادل قال
أبوكي كان عنده نسخة من المستندات.
ياسين؟
أيوه.
نور قالت
وأبويا ماټ؟
عادل سكت.
فؤاد قال
لأ.
نور رفعت عينيها.
يعني إيه؟
فؤاد قال
ياسين عايش.
نور شهقت.
فين؟
فؤاد أشار للباب.
قريب جدًا.
وفجأة
سمعنا صوت خطوات جاية من السلم.
خطوة.
ثم خطوة.
نور بدأت تبكي.
الرجل ظهر من الظلام.
ولما النور وقع على وشه
نور صړخت
بابا!
ياسين وقف مكانه.
بص لنور.
وبعدين بصلي.
وقال
محمود سامحني.
قربت منه.
على إيه؟
قال
لأني خليتك تفتكر إنك وحيد.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.
ده كان لازم يوصلك من زمان.
فتحته.
كانت فيه صورة لي وأنا طفل.
وصورة لنور وهي طفلة.
وبين الصورتين ورقة واحدة.
قرأت أول سطر
واتجمدت.
محمود ونور لم يكونا جزءًا من الخطة بل كانا السبب في كشفها.
رفعت عيني.
يعني إحنا كنا إيه؟
ياسين رد
الشاهدين.
سألت
على إيه؟
بص لعادل.
وقال
على اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها جدك.
عادل ابتسم.
ولسه فاكر إنك عايز نهاية الحكاية؟
ثم ضغط زرًا صغيرًا في الحائط.
انفتح جزء من الأرض.
ظهر صندوق حديدي قديم.
وعليه اسم واحد فقط
محمود الدمنهوري الحقيقة الكاملة.
لكن قبل ما حد يقرب منه
سمعنا صوت صفارات شرطة من فوق.
فؤاد بص لأبويا.
إنت اتصلت بالشرطة؟
أبويا هز رأسه.
لأ.
طارق بص للممر.
يبقى مين؟
ياسين قال
أنا.
وفجأة عادل ضحك.
الشرطة مش جاية عشان تقبض عليا.
بصيت له.
أمال جاية ليه؟
قال
جاية عشان تقبض على محمود الدمنهوري اتجمدت مكاني.
تقبض عليا أنا؟!
عادل ابتسم.
كل المستندات المزورة اتعملت باسمك. وكل التحويلات دخلت وخرجت من حسابات مرتبطة بيك. ولما الشرطة تدخل، هتلاقي الأدلة كلها ضدك.
طارق صړخ
لأنكم زورتوها!
عادل رد بهدوء
وإثبات ده هيكون صعب جدًا.
لكن سلمى رفعت الملف اللي في إيدها.
مش صعب.
بص لها.
ليه؟
قالت
لأن النسخ الأصلية موجودة.
وأشارت للصندوق الحديدي.
فؤاد اندفع وفتح الصندوق.
جواه كانت كل المستندات الأصلية عقود الملكية، التحويلات، تقارير المستشفى، تسجيلات كاميرات، وأهم شيء تسجيلات صوتية لعادل وهو بيدي أوامره.
ياسين قال
سجلت كلامه من سنين.
عادل اتغير وشه.
إنت؟
أيوه.
فتح ياسين جهاز تسجيل صغير.
وخرج صوت عادل بوضوح
محمود لازم يفضل بعيد عن الملفات. لو سلمى اتكلمت، خلي حالتها تسوء تدريجيًا.
ثم صوت آخر
ونور؟
وصوت عادل
الطفلة لازم تختفي.
ساد الصمت.
دخلت الشرطة المكان.
عادل حاول يتحرك ناحية الباب، لكن فؤاد وقف قدامه.
المرة دي مش هتهرب.
عادل بص له.
إنت خڼتني.
فؤاد رد
أنا خنتك من اليوم اللي عرفت فيه إنك هتأذي محمود وسلمى ونور.
الشرطة قبضت على عادل، والدكتور شريف، وكل من ثبت اشتراكه في التزوير والتلاعب الطبي.
أما منصور
فوقف قدام الشرطة بنفسه وقال
أنا هقول كل حاجة.
وبالفعل، اعترف بدوره في تزوير العقود وإخفاء الأدلة، وقدم معلومات ساعدت في كشف باقي الشبكة.
بعد شهور من التحقيقات، اتثبت إن محمود كان ضحېة لاستخدام هويته، وإن التوقيعات والمعاملات اللي اتعملت باسمه كانت مزورة.
لكن أصعب لحظة كانت في المستشفى.
سلمى كانت بتعمل أول جلسة علاج طبيعي حقيقية بعد سنين.
وقفت على رجليها.
خطوة.
ثم خطوة تانية.
ومحمود واقف قدامها، مش قادر يمنع دموعه.
قالت له
فاكر أول مرة قلتلك إني هقوم؟
ضحك وهو بيعيط.
كنتِ مش قادرة تحركي صباعك.
قالت
بس كنت عارفة إني
هقوم.
ثم مشت ناحيته.
وضمته.
أما نور
فأخيرًا عاشت مع والدها ياسين، بعد ما استقرت أمورها رسميًا، ومبقاش عليها خوف من حد.
وفي يوم، رجع محمود للبيت القديم للمرة الأخيرة.
وقف قدام الصورة القديمة.
الصورة اللي كان فيها هو ونور وهما أطفال.
وبعد التحقيقات، عرفوا الحقيقة كاملة
نور لم تكن أخته، ولم يكن بينهم أي نسب مخفي كما ظن الجميع.
كانت ابنة ياسين من ز

تم نسخ الرابط