دخلت قاعة الحكمة

لمحة نيوز

دخلت قاعة المحكمة وأنا متسندة على العكاز، وسمعت ابني الوحيد بيضحك ب خباثة وبيوشوش مراته ب نبرة كلها كره أخيراً النهاردة هتطلع من المولد بلا حمص.. لا حيلتها بيت ولا فلوس ولا أي حاجة!.. ما بكيتش ولا اتكلمت، فتحت بالطوي ب ثبات، وحطيت أجندة حمرا صغيرة قدام القاضية، وبعدها طلعت تسجيل صغير كشف مستور كان هيوديهم كلهم في ستين دلاية!
لما فريدة عبد الجواد دخلت مجمع محاكم التجمع الخامس وهي بتتأك على عكازها الخشب، سمعت صوت ابنها الوحيد حازم بيميل على مراته نورهان وبيسرب ضحكة مكتومة
أخيراً النهاردة هتطلع من المولد بلا حمص.. لا حيلتها شقة ولا حسابات ولا أي حاجة!
حازم كان فاكر إن أمه مش سامعاه..
بس كان غلطان!
عند سن ال 71، كانت فريدة واقفة ب شعرها الأبيض الملموم ب نظام، وبالمطوي الكحلي التقيل، مع علامة زرقا ممتدة حولين معصم إيدها الشمال.. ما كانش واقف جنبها محامي، ولا أي حد من العيلة جه عشان يدافع عنها..
وده بالظبط المنظر اللي حازم ونورهان خططوا يظهروه قدام القاضية..
صورة الأرملة العجوزة الضعيفة..
المشوشة..
اللي مش قادرة تدير أملاكها ولا تفهم هي بتعمل إيه بعد ۏفاة جوزها الحاج إبراهيم من 11 شهر بس!
حازم رفع دعوى حجر وتعيين قيم على أمه، عشان ب الشكل ده يقدر يسيطر على كل حساباتها البنكية، ويتحكم في فلوسها، وياخد إذن ب بيع الشقة الكبيرة اللي في المعادي..
الملف المقدم للقاضية كان مليان صور..
كدمة زرقا تقيلة في دراعها..
معصم ورمام ومحمر..
چرح صغير فوق حواجبها..
وحتى صورة ل حلة محروقة على البوتاجاز!
حسب كلام نورهان، فريدة بدأت تجيلها نوبات زهايمر وتوهان.. وحسب كلام حازم، أمه بتوقع كتير، بتنسى كل حاجة، ووجودها لوحدها بيمثل خطړ على حياتها!
بس فريدة كانت فاكرة ب الحرف السبب الحقيقي ورا كل علامة وكدمة في جسمها..
المعصم المورم ده حصل لما نورهان لوَت إيدها ب قسۏة عشان تخليها تمضي على توكيل عام بوسطة البنك ورفضت..
الکدمة اللي في دراعها ظهرت لما حازم زقها ب غل على الحيطة في وسط خناقة..
والچرح اللي فوق حواجبها حصل لما اتكعبلت وهي بتحاول تمنعهم يسرقوا ورق وملفات مهمة من مكتب جوزها الله يرحمه!
وكانت تاني يوم كل خناقة، نورهان تطلع الموبايل..
تصرور الكدمات ب دقة..
تسجل التواريخ..
عشان تبني القصة والتلفيق اللي هيقدموه للمحكمة!
وقبل الجلسة ب 3 أسابيع، حازم ونورهان ودوها ل أبعد من كده..
غيروا كالون شقة المعادي وطردوها!
فريدة قضت الليلة دي في لوكاندة صغيرة على الطريق، في الوقت اللي ابنها كان قاعد في الصالة اللي الحاج إبراهيم جمع فيها العيلة ل مدة 40 سنة!
وفي نص الليل، وصلها مسج منه بلاش تصعبي الأمور أكتر من كده يا أمي.. اسلمي للأمر الواقع!
فريدة ما ردتش..
وسكوتها اتقرى عندهم على إنه استسلام وهزيمة!
القاضية داليا الإبياري دخلت الجلسة، بصلت في الملف ب
اهتمام، وبعدين رفعت عينها
الحاجة فريدة عبد الجواد?
صباح الخير يا سيادة القاضية..
القاضية دققت في وشها وفجأة حواجبها اترقوا ب استغراب
حضرتك الأستاذة فريدة عبد الجواد.. الخبيرة المالية اللي شهادتك كشفت قضية الاختلاس الكبرى في هيئة التأمينات زمان?!
الابتسامة اتجلدت على وش حازم في ثانية..
ونورهان اتسمرت مكانها من الصدمة!
من 26 سنة، فريدة كانت واحدة من أكبر المحاسبين الشرعيين ومراجعي الحسابات اللي فككوا أعقد شبكات غسيل الأموال والڼصب في مصر، وبعدها فتحت مكتب متخصص في كشف قضايا الڼصب العقاري وتزوير المواريث واستغلال كبار السن!
ابنها طول عمره كان بيقول للناس إن أمه بتشتغل في الأرقام والحسابات..
بس عمره ما تكلف نفسه يعرف أرقام إيه بالظبط اللي كانت بتمسكها!
القاضية رجعت بصت للصور اللي في الملف وسألتها
يا سيدة فريدة.. حضرتك بتأكدي إن الإصابات دي مش مجرد وقوع وسهو زي ما المذكور في التقرير?!
فريدة فتحت بالطوها ب ثبات وهدوء
تأكيد تام يا سيادة القاضية..
وطلعت أجندة حمرا صغيرة..
نورهان نفسها اتقطع من الخۏف..
وحازم صوابعه اتقفلت ب ړعب..
اللي ما يعرفوهوش إن فريدة، وخلال ال 11 شهر اللي فاتوا، كانت بتعمل الحاجة الوحيدة اللي أتقنتها طول حياتها المهنية
إنها تتتبع الفلوس وسلسلة الجرايم ب المليم!
يا ترى إيه اللي مكتوب جوة الأجندة الحمرا وخلّى وش ابنها ومراته يقلب ألوان? وإيه التسجيل الصوتي اللي هيقلب الطاولة عليهم ويحولهم من مدعين ل متهمين في قضايا جنائية? وإزاي فريدة هترجع حقها وتخليهم يندموا على كل لحظة استغلوا فيها طيبتها? الأحداث الجاية فيها كمية كشف مستور، وصدمات، واڼتقام يبرد القلب! 
الجزء الثاني
فتحت فريدة الأجندة الحمرا ببطء، وكل عين في القاعة كانت مسلطة عليها.. الصفحات مرتبة بدقة مذهلة كل تاريخ، كل ساعة، كل حدث مكتوب بخط واضح، تحته توقيع أو ملاحظة أو إشارة لدليل.. رفعت راسها وبصت للقاضية بكل هدوء
سيادة القاضية.. في الصفحة الأولى جدول بتواريخ كل إصابة، وقت حدوثها، والظروف بالتفصيل. أولها يوم ١٣ يناير نورهان لوتت إيدي عشان أوقع على توكيل، سجلت الوقت بالدقيقة، وكيف سمعتها تقول لحازم لو ما وقعتش هخليها توقع ڠصب عنها. وتانيها يوم ٢٧ فبراير حازم دفعني على الحيطة وقاللي إما تسيبيني أتصرف في الشقة ولا هتشوفي خير تاني. وهنا في الصفحة المقابلة صور للإصابات في نفس اليوم، بتاريخ الكاميرا مطابق تمامًا.
حازم تقدم خطوة بصوت مرتعش
ده كلام مُختلق! مفيش دليل يثبت إننا عملنا حاجة!
فريدة ردت بكل ثبات
أنا ما اعتمدتش على الكلام بس يا حازم.. كنت أعرف إنك هتكذب.. فحفظت لكم أصواتكم بنفسكم.
طلعت الموبايل القديم من جيب معطفها.. الموبايل اللي ما انتبهوش له، اللي فاكرينه معطل.. ضغطت على زر التشغيل، وطلع صوت نورهان واضحًا قاسيًا
امضي يا عجوز.. ما تخلينيش أشد عليك تاني!
وبعده صوت حازم
قولتلها توقع وهي
رافضة.. خلينا نعملها نوبة تانية لحد ما تضعف!
وصوت اليد اللي بټضرب، والصياح، والبك.. كل حاجة اتسمعت بوضوح تام في القاعة..
القاضية داليا اتغير لون وشها
ده صوتكما؟!
نورهان تراجعت مذهولة
مش صوتنا.. مُقصوص.. مُلصق!
التقرير الصوتي معتمد من المختبر الرسمي قالت فريدة وسلمت الورقة يؤكد إن التسجيل أصلي ولم يتعرض لأي تعديل أو قص في أي جزء منه.
سكت حازم.. عرف إن الشبكة اللي نسجها حول أمه انقلبت عليه.. إنها ما كانتش ضعيفة ولا مشوشة.. كانت تراقب وتسجل وتحضر الدليل خطوة بخطوة وهو مشغول بالضحك عليها.
الجزء الثالث
كملت فريدة كلامها بكل هدوء
وده مش كل حاجة يا سيادة القاضية.. اكتشفت إنهم ما كانوا بيحاولوا يسيطروا على أملاكي بس.. بدأوا يتصرفوا في أموال تخص جهات تانية، باسمي وبصفتي، بتوقيعات مزورة.
فتحت الصفحة التالية والأرقام تتكلم

تم نسخ الرابط