جوزي اهان امي الجزء الثالث حكايات مني السيد
ج 3 و الاخير حكايات مني السيد حصري
الفصل الثالث والأخير
نزلت على السلم الرخام وصوت كعبي العالي كان بيعمل صدى يخلع القلب في سكون العمارة. كل خطوة كنت بنزلها كانت بتمحي من ذاكرتي سنين من الطيبة المفرطة والسكوت اللي ودى أصحابه في داهية. وصلت لمدخل العمارة، لقيت نور مديرة مكتبي واقفة ومعاها المستشار مجدي رشوان، وشخصين تانين بلبس مدني ملامحهم حادة، ماسكين في إيديهم شنط جلد سودا بتاعة تنفيذ الأحكام والشؤون القانونية.
نور أول ما شافتني قربت بخطوة سريعة ومدت إيدها بملف جلدي مقفول صباح الخير يا مريم هانم. كل القرارات جهزت واتختمت في النيابة الساعة تمانية إلا ربع بفضل اتصالات المستشار مجدي. معانا أمر ضبط وإحضار لطارق پتهمة الاستيلاء على أموال عامة واختلاس من شركة مساهمة، ومعانا قرار فوري بالتحفظ على الحسابات في بنك التنمية وبنك مصر فرع بنها، بالإضافة لقرار التمكين الحصري للشقة باسم سيادتك ومنعه من الاقتراب مسافة ٥٠٠ متر.
المستشار مجدي عدل نضارته الطبية وابتسم بهدوء غير كده يا فندم، العربية الجيب اللي كان راكبها اتحطت على السيستم إنها مسروقة ومملوكة للشركة ومحظور تحركها، وأول كمين هيوقفه هيتحجز فوراً.
بصيت للملف، فتحته ببرود تام، وشوفت الأختام الحمرا اللي كانت كفيلة ټدفن أي أمل لطارق وأهله في إنهم يطلعوا من اللعبة دي بقرش واحد. تمام يا سيادة المستشار. يلا بينا على البوابة نشوف الهوانم اللي جايين يستلموا العز.
مشينا في الممر الرئيسي للكومباوند. الجو كان ساقع وريحة الشتا مع الهوا البارد بتلفح الوشوش، بس أنا كنت حاسة بدمي بيغلي زي البركان. أول ما قربنا من البوابة الخارجية، كان الصوت جايب لآخر الشارع. صوت خناق وردح بلدي عالي كسر هدوء المكان كله.
مرزوقة، حماتي، كانت واقفة في نص مدخل البوابة، رابطة الطرحة على راسها بطريقة تثير الشفقة والاشمئزاز في نفس الوقت، حاطة إيدها في وسطها، وعمالة ترزع بالشبشب في الأرض وتزعق في وش فرد الأمن المسكين اللي واقف يحمي البوابة وسع يا بني آدم أنت! أنت مش عارف بتكلم مين؟! أنا أم الباشمهندس طارق! صاحب العمارة دي كلها وصاحب الشغل اللي أنت شغال فيه يا جربوع! بنتي منى وعيالها داخلين يقعدوا في شقة أخوها، وأنا اللي هقعد وأمر وأنهي هنا، وسع الشوالين دول من قدام السقعة لا أخليه يطردك في الشارع دلوقتي!
ومنى بنتها واقفة وراها، عيلة صغيرة في إيدها وعيل تاني بيعيط من البرد وبيمخط في هدومه، وحواليهم شنط خيش متخيطة بفتل بلاستيك وشكاير بطاطس وبصل، كأنهم نازلين سوق الخميس مش داخلين كومباوند في قلب التجمع. منى شافتني أول ما قربت، عينها برقت، ولفت وش أمها بسرعة أهي.. أهي الهانم ست مريم جاية أهي يا أما! شوفي البيه ابنك ممرمطنا إزاي ومقعدنا في
السقعة، اطلعي فيها يا أما وعرفيها مقامها!
مرزوقة لفتلي بوشها، الملامح كانت مليانة غل وجشع عمري ما شفت زيه، بصت للبدلة اللي أنا لابسها، وبصت للناس اللي ماشيين ورايا، وعينيها احولت من الغيظ أهلاً يا مريم هانم! لسه صاحية دلوقتي تفتحي لضيوفك وحماتك اللي مرميين على الباب من الفجر؟! إيه اللبس العريان ده اللي أنتي لابساه على الصبح؟ فين طارق؟ خليه ينزل للبهوات بتوع البوابة دول يربيهم عشان منعوا أم الباشا تدخل بيتها! وفين أمك الفلاحة دي تطلع تشيل الشكاير دي وتطبخلنا لقمة تدفينا؟ ده إحنا بطوننا بتلوي من الجوع!
وقفت قدامها بالظبط. المسافة بيني وبينها مكنتش تكمل متر. بصيت في عينيها بنظرة باردة، نظرة خلت مرزوقة تبلع باقي كلامها وترجع نص خطوة لورا من غير ما تحس.
طارق مش هنا يا حماتي.
مرزوقة كشرت ورفعت حاجبها راح فين في عز الصبح ده؟ في الشركة؟ ولا راح يوصل أمك لمحطة القطر زي ما اتفقنا؟
لا.. طارق بايت في الشارع من إمبارح، زي ما أنتوا بايتين كده بالظبط.
منى شهقت بصوت عالي بايت في الشارع إزاي؟! أنتي اټجننتي يا مريم؟ طارق اخويا سيد الرجالة يبات في الشارع؟!
فتحت الملف اللي في إيدي ببطء شديد، وطلعت منه ورقة، ومديت إيدي بيها قدام عينين مرزوقة اقري يا مرزوقة. أنتي مش بتعرفي تفكي الخط وبتمضي بالختم والبصمة على التحويلات اللي بتجيلك من ورايا؟ شوفي الورقة دي فيها إيه.
مرزوقة عنيها زاغت على الورقة، حاولت تبان قوية إيه الورق ده يا بت أنتي؟! أنتي هتعملي عليا نمرة بكلمتين إنجليزي؟ الشقة دي شقة ابني، وفلوسه هو، وأنا وبنتي هنقعد فيها وڠصب عنك وعن أمك الفلاحة!
الشقة دي شقتي أنا.. بفلوسي، وبورق رسمي ومسجل، مفيش فيها لطارق ولا ليكي سنتيمتر واحد. والفلوس اللي كان ابنك الحرامي بيهربها لحسابك في بنك القرية في بنها عشان تأمني نفسك أنتي وبنتك المطلقة وتيجوا تفرشوا في عزي وترموا أمي في الشارع.. كل الحسابات دي اتجمدت بحكم نيابة من نص ساعة.
وش مرزوقة اتقلب لونه أزرق، كأن حد رما عليها مية بتغلي ا.. اتجمدت يعني إيه؟ فلوس إيه اللي اتجمدت؟! ده شقا ابني وتعبه!
شقا ابنك؟! صوتي علي فجأة، هز البوابة وخلى الجيران اللي طالعين بعربياتهم يقفوا يتفرجوا ابنك كان شغال عندي! في شركتي! اللي ورثتها عن عمي الله يرحمه! ابنك كان عايش في وهم أنا اللي صنعتهوله، لولا فلوسي كان زمانه ممسوك بقضايا شيكات من خمس سنين ومحبوس في سجن طرة! أكلته وشربته ولبسته براندات وعيشته في عز مكنش يحلم يشمه في منامه، وتيجي في الآخر أنتي وهو تهينوا أمي اللي ربت ابني وخادماه بلقمتها؟! أمي اللي ضفرها برقبك وبرقبة بنتك اللي طردها جوزها عشان مش شايفة غير
القرش والخړاب؟!
في اللحظة دي، سمعنا صوت فرملة عربية نص نقل قديمة متهالكة وقفت على جنب الشارع برة البوابة. الباب اتفتح، ونزل منه راجل مبهدل.. هدومه متوسخة طين، وشه أصفر وشاحب كأنه مېت، وعيونه حمرا زي الجمر من قلة النوم والبرد.
كان طارق.
طارق اللي كان لابس كوتشي مقطوع من الجنب، قميصه طالع برة البنطلون، مفيش في إيده غير شنطته البلاستيك اللي لم فيها تذكرة القطر المحروقة وورق بطاقته. كان باين عليه إنه قضى الليلة بيلف في الشوارع بعد ما كل كروته اتوقفت، ومعهوش حتى تمن أوبر أو تاكسي يروحه في أي داهية، لحد ما لقى سواق نقل شحته في سكته لحد الكومباوند.
مرزوقة أول ما شافته صړخت وجريت عليه طارق! يا نهار اسود ومنيل.. إيه اللي فيك ده يا ضنايا؟!