لما قلت لامي ان ابني
لما قلت لأمي إن ابني أبو 4 سنين حرارته 40 جوه الرعاية المركزة، ردت بكل برود أختك بتكمل 18 سنة مرة واحدة في العمر.. سيبيه مع جوزك.. وبرة في القاعة كان فيه 50 فرد من العيلة مستنيين الحفلة.. ما اتخانقتش، بصيت لجوزي بهدوء ومديت له التليفون.. والكلمة اللي قالها بعدها خلت أمي تبطل ضحك للأبد!
الساعة 730 بالليل، كنت قاعدة جنب سرير ابني يوسف اللي عنده 4 سنين جوة قسم العناية المركزة للأطفال، وباصة إزاي صدره الصغير بيكافح عشان ياخد نَفَس واحد.
يوسف كان بقاله حوالي 36 ساعة بسخونية مولعة. وقبلها بعشرين دقيقة الحرارة ضړبت 40 2.
كان حاطط ماسك أكسجين مغطي نص وشه، وتركيب إبرة محاليل في دراعه الرفيع، وسينسر مربوط بصوبع صغير جداً لدرجة إنه تقريباً كان مستخبى تحت اللزق الأزرق.
كل زقزقة من جهاز العناية كانت بتخترق جسمي كأنها سکينة.
يلا يا حبيب قلبي.. همست له وأنا بضغط على إيده الصغيرة جامد تنفس.. ماما هنا جنبك.
جوزي، كريم، كان قاعد على الكرسي الناحية التانية من السرير.
لابس بنطلون جينز قديم، وجزمة شغل، وقميص كاروهات. لأي حد كان بيبص له، كان بيبان بالظبط زي ما عيلتي دايماً بتقول عنه راجل بسيط بيشتغل على قده في مقاولات ومشاريع صغيرة، وعمره ما عرف يكون في مستواهم الراقي!
أمي دايماً كانت بتقول عليه الصنايعي.
وأختي ميرهان كانت بتريق على شقتنا الإيجار، وعلى عربيتنا القديمة، وحتى على دبلة الفضة البسيطة اللي كريم جبهالی يوم جوازنا.
هو عمره ما رد.
وليلة العناية دي، مبرقش بكلمة واحدة برضه.
كل اللي كان بيعمله إنه كان بيمسح على رجل يوسف بهدوء وهو باصص على شاشات المونيتور.
وفجأة.. الموبايل هز على الترابيزة المعدن.
شفت الاسم المنور على الشاشة
ماما.
حسيت ببطني اتقبضت.
كريم رفع عينه
ما ترديش يا مريم.
ممكن تكون قلقانة على يوسف.
كريم مسكتش، بس سابني براحتي.
كنت لسه محتاجة أصدق إنها حنينة.
فتحت الخط
ماما.. الدكاترة لسه مغيرين المضاد الحيوي، والحرارة طلعت تاني ومستنيين التحاليل عشان يستبعدوا أي التهاب حاد...
إنتِ فين؟
صوتها مكنش قلقان خالص.
صوتها كان مليان ڠضب وتعالي.
في المستشفى.
عارفة إنك
في المستشفى.. بس بسألك إنتِ لسه ما جيتيش الفندق ليه لحد دلوقتي؟!
بربشت بعيني.
من بعيد سمعنا أصوات مزيكا، وكاسات بتخبط في بعض، وناس بتضحك.
وهنا افتكرت..
عيد ميلاد ميرهان!
18 سنة.
أمي كانت منظماه بقالها شهور.
حجزت قاعة فخم في الزمالك، وجابت مطربين، ومصورين، وفريق دييكور كامل. وعزمت حوالي 50 شخص من أفراد العيلة والمجتمع الراقي.
يا ماما.. يوسف في العناية المركزة.
يا مريم بلاش دلع فبركة.
بصيت لابني.
نَفَسه رجع يتسرع أكتر.
الدكتور قال لو الأكسجين قل أكتر من كده هيحطوا له جهاز تنفس صناعي.
أمي طلعت تنهيدة ضيق واضحة
عنده دور برد.. العيال كلها بتعيا، ما تحوليش كل حاجة لمأساة درامية.
حسيت بحاجة جوة روحي بتنكمش.
مش دور برد.
ميرهان بتتم 18 سنة مرة واحدة في العمر!
مقدرتش أصدق اللي وداني سامعاه
يوسف ممكن...
صوتي اتقطع.
أمي قاطعتني بحدة
سيبيه مع كريم.. ما هو لازم الراجل ده ينفع بفايدة في يوم!
كريم رفع عينه ببطء.
كان سامع كل كلمة.
يا ماما...
البسي الفستان الأخضر اللي بعته لك فوق البيت وتعالي فوراً.. مكانك فاضي على السفرة والناس بدأت تسأل.
غمضت عيني.
طول 29 سنة وأنا عايشة بالطريقة دي.
أمي هي اللي كانت بتقرر أتعلم إيه، ألبس إيه، أصاحب مين، وإيه الحاجات اللي مسموح لي أهتم بيها.
ميرهان دايماً كانت البنت المثالية.
وأنا كنت البنت اللي بتصلح المشاكل.
لما ميرهان كانت ټعيط، أنا اللي كنت بكون غلطانة.
ولما أمي كانت تعوز فلوس، كانت بتكلمني أنا.
وللما اتجوزت كريم في الجواز المدني البسيط من غير هليلة، أمي قعدت شهور تقول إني ضيعت عمري مع راجل من غير مستقبل.
وكنت مستحملة ده كله لسبب تافه في زاوية مظلمة من قلبي، كنت دايماً مستنية في يوم تبص لي وتقول
أنا فخورة بيكِ يا مريم.
بس الليلة دي.. مقدرتش حتى تبص لابني كبني آدم!
يا مريم.. قالت بصوت ثلجي قدامك 15 دقيقة.
أنا مش هسيب يوسف.
حصل صمت مرعب.
وبعدين سمعت صوتها
يبقى تعتبري نفسك برة العيلة دي كلها.
فتحت عيني
إيه؟!
همسح اسمك من كل حاجة.. ما ترجعيش تطلبي مني مساعدة، وما تقربيش من بيتي، وانسى تاخدي مليم واحد من ورثي لما
أموت!
بلعت ريق ناشف
يا ماما.. ده حفيدك!
الليلة دي هو مجرد نكد وإزعاج.
الخط قفل.
فضلت باصصة على الشاشة السودا.
معيطش.
وده كان أغرب حاجة حصلت.
بعد سنين من البكاء على كل إهانة من أمي، المرة دي الدموع هربت.
حسيت بحاجة تانية خالص..
كأن فيه باب اتقفل جوة صدري للأبد.
كريم وقف.
قالت إيه؟
قالت أسيب يوسف معاك، وأروح أوزع برامج الحفلة هناك.
كريم فضل واقف مكانه بلا حركة.
وقالت كمان.. إني لو ما جيتش، هتبرى مني ومبقاش بنتها.
قرب من السرير، وشعر يوسف المبلل بالعرق اتقلب بحنان من على جبينه.
وبعدين اتكلم بصوت هادئ تماماً
طول 5 سنوات كنت ساكت ومخلي عيلتك فاكراني فاشل.
بصيت له مذهولة
بتقول إيه؟!
كنت ساكت أمك تتريق على لبسي، وشغلي، وشقتنا.. لأني كنت عارف إنك لسه محتاجة تحسي إن وراكي ضهر وعيلة.
كريم مد إيده في جيبه.
طلع محفظة سودا صغيرة مكنتش شفتها قبل كده.
وخرج منها كارت معدني أسود ملوش أي أرقام بارزة.
وبعدين حط تليفون نحيف وأسود على الترابيزة.
يا كريم.. قلت بصوت مرتعش إيه ده؟!
أنا مش بصلح مشاريع صغيرة لناس تانية يا مريم.
صوته كان متغير، قوي، وثابت
أنا المؤسس والشريك الرئيسي ل مجموعة ألترا كابيتال القابضة.
بصيت له وأنا مش فاهمة أي حاجة.
الاسم ده مش غريب..
مفيش حد في مصر مكنش يعرف