ابني مستحيل يتجوز واحدة
ابني مستحيل يتجوز واحدة فقيرة ومعفنة.. ده اللي حماه قاله لي وهو بيرمي في وشي ظرف فلوس وتذكرة أتوبيس بلا رجعة.. وعلشان كنت حامل في شهرين، سكت تماماً وهربت أعيش لوحدي في أقصى الصعيد.. وبعد أربع سنين، رجع لنفس المكان عشان يشتري أرضي.. بس دمه اتجمد في جسمه أول ما وريته ملف طبي قديم من 24 سنة!
ابني عالي ومستحيل يتجوز واحدة من طبقة أقل، مش أنا اللي هربيه مع واحدة فقيرة وماټت أمها مقهورة!
كلمات الحاج محمود رنت في الكافيه الهادي وهو بيرمي على الترابيزة ظرف مالي سميك وتذكرة أتوبيس لاتجاه واحد. نادية كانت متسمرة في مكانها، وحاسة إن الدنيا بتتهد على دماغها. قبلها بكام ساعة، والساعة خمسة ونص الصبح، كانت قاعدة على حرف بانيو حمامها القديم في أقصى إمبابة، وشافت الخطين الوردين بوضوح في اختبار الحمل.
نادية كانت شغالة فنية ماملّت من تحليل المعامل في مستشفيات الفرقان، وهي إمبراطورية طبية كبرى في القاهرة. كانت أول واحدة بتفتح المعمل، بتجهز الأجهزة وترتب الأنابيب. الصبح بدري ده، دخلت عينة ډمها هي نفسها المعمل تحت اسم مستعار. النتيجة كانت واضحة وما فيهاش كلام شهرين حمل. كانت على علاقة من سنة ونص بكزي طبيب مقيم شاب، وعكس أبوه رجل الأعمال المتكبر، كان بسيط ودايماً بيجيب لها معاه عيش محشي أو فطار سخن على أوضتها البسيطة في السطوح. نادية كانت فاكرة إن حبهم الصادق هيكفي عشان يمحو الفروق الاجتماعية. يا لها من غباء!
طول اليوم، نادية مكنتش مبطلة تفكر في أمها، المرحومة الحاجة صفاء، الممرضة اللي ماټت وعمرها 54 سنة وهي مکسورة الخاطر وغارق reputation بتاعها في ظلم ماقدرتش تدافع عنه. كل اللي سابته لها كان دبابيس فضة قديمة وملف ورق قديم. إياكِ تسكتي يا بنتي في يوم وتتنازلي عن حقك، قالت لها أمها وهي على سرير المړض.. نادية ساعتها مكنتش فاهمة يعني إيه.
على الساعة واحدة الظهر، بعتت لكريم لازم نتقابل النهاردة الساعة سبعة في الكافيه بتاعنا. هو اللي كان مسافر مؤتمر طبي في الإسكندرية وافق فوراً.
بس الساعة سبعة بليل، اللي دخل الكافيه مكنش كريم، كان أبوه الحاج محمود، ببالطوه الجوخ النظيف ونظراته اللي بټحرق الدّم. قعد قدامها من غير ما يقلع بالطوه، وطلع الظرف والتذكرة
بلاش تمثيل فاشل.. أنا عارف إنك دخلتِ اسم وهمي في معمل مستشفياتي، وعارف بموضوع الحمل، وعارف إن أمك كانت مجرد ممرضة بسيطة بتخدم المرضى في الطوارئ! ابني محتاج زوجة تدعم إمبراطوريتنا مش تشيل عار أصلك.. فلوسك أهه، امشي وابتعدي عن طريقنا عشان مأذيكيش.
نادية حست إن الډم بيغلي في عروقها
أنا حامل في ابن كريم.. وهو بيحبني!
وهو ما يعرفش حاجة.. وتليفونه اتقفل في وشك خلاص.. خدي الفلوس دي واختفي أحسن
لك!
الحاج محمود سابها ومشي. نادية مخدتش الظرف ولا لمسته، شالته في شنطتها زي ما هو عشان يفضل تذكرة لقسوتهم. تاني يوم، كارت الدخول بتاعها للمعمل اتقفل، الإدارية سلمتها استقالة مجهزة عليها إمضاء مزورة باسمها، وتليفون كريم مبيفتحش خالص. اتبخرت من حياته. مکسورة ومقهورة، خدت بعضها، ولمت حاجتها القليلة، وركبت الأتوبيس على الصعيد، من غير ما تعرف إن اللي جاي هيغير تاريخ العيلة دي كلها بطريقة مرعبة!
يا ترى إيه هو الملف الطبي القديم من 24 سنة اللي خلى الحاج محمود يتجمد من الړعب؟ وإيه سر مۏت أم نادية؟ استنوا
الجزء الثاني
أربع سنوات مرت كأنها دهشة طويلة، في قرية صغيرة هادئة على ضفاف النيل في الصعيد، حيث لا أحد يعرف من أنا ولا ماذا كنت أحمل في قلبي. كنت أعيش في بيت صغير من الطوب اللبن على قطعة أرض صغيرة ورثتها عن خالتي لأمي في تلك القرية النائية. هنا، وُلد طفلي عمر، وكبر بين أحضان النخيل والحقول، يجرى حافي القدمين على التراب الدافئ، ويضحك ضحكة صافية خالية من هموم الدنيا. كنت أعمل في عيادة طبية صغيرة في المركز القريب، وأكسب رزقي بجد واجتهاد، ولم أطلب من أحد شيئًا قط. لم أرسل رسالة واحدة، لم أتصل بأحد، اخترت الصمت والابتعاد، ليس لأنني استسلمت، بل لأنني كنت أعلم أن الحقيقة تحتاج وقتًا لتنضج تمامًا كالثمار على الأشجار.
حتى صباح ذلك اليوم المشهود، حين توقف سيارة فارهة بباب بيتي المتواضع، ونزل منها الحاج محمود نفسه، بوجهه المتجهم وهيبة لم تفلح السنين في تقليلها. سأل عن صاحبة الأرض، وعندما علم أنها أنا، اتجه نحوي بخطوة واثقة وقال بلهجة الأمر المعتادة
أريد شراء هذه الأرض.. المبلغ الذي تريدينه مقدمًا، وأنتِ تغادرين المكان في غضون أسبوع.
لم أرتجف، ولم أتوسل، بل دعوته للدخول وجلستُ أمامه بهدوء تام، ثم فتحت الدرج القديم في دولابي، وأخرجت الملف الجلدي القديم الذي ورثته عن أمي، والمغلق بختم شمعي لم يُفتح منذ أربعة وعشرين عامًا. مددته إليه ببطء وقلت بصوت ثابت لا يرتجف
قبل أن تتحدث عن الشراء، اقرأ ما بداخل هذا الملف.. ربما تغير رأيك تمامًا.
باستغراب وامتعاض، فتحه الحاج محمود. بدأ يقرأ الصفحة الأولى، ثم الثانية، وتغير لون