سر العزومه العزومه الجزء الثالث
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: "(مستشفى التحاليل والدم)؟!"
أنا جسمي كله اتنمل، والعروسة وأمها وأبوها بقوا يبصوا لابني ونظراتهم كلها قرف وحزن في نفس الوقت.
أبو العروسة مسك التليفون، وفتح السبيكر وسكت. حصري علي روايات واقتباسات
صوت ست ردت من الناحية التانية وقالت بتوتر: "ألو.. السلام عليكم، الأستاذ أحمد معايا؟ إحنا بنكلم حضرتك من معمل التحاليل.. العينة اللي حضرتك أخدتها الأسبوع اللي فات نتيجة المسحة والدلالات ظهرت، ودكتور الأورام المتابع مستني حضرتك ضروري عشان يبدأ معاكم خطة العلاج للزوجة.. ولازم تصرفوا الأدوية فوراً."
الصالون كله اتجمد!
أنا بقيت أبص لابني وبنتي وأبو العروسة، ومش فاهمة حاجة.. "علاج للزوجة؟! أورام إيه؟! هو مين اللي تعبان بالضبط؟!"
ابني اڼفجر في العياط باڼهيار كامل، ووطى على إيد أبو العروسة وباسها وهو بيقول: "سامحني يا عمي.. والله العظيم ما كنت عاوز أعرفكم ولا أعرف أمي.. هي مكنتش تعرف حاجة!"
هنا العروسة خرجت من أوضتها.. كانت لابسها عباية وطرحة، وشها أبيض كأنه لوح ثلج، وعينيها منفوخة من كتر العياط.
وقفت ورا أبوها وقالت بصوت طالع بالعافية: "أنا اللي ترجيته ما يقولش لحد يا بابا.. ولا حتى لأمه."
أنا قمت وقفت ومش قادرة أقف على رجلي: "يا بنتي في إيه؟! فهموني إيه اللي بيحصل؟! مرض إيه وأورام إيه؟!"
أم العروسة قربت من بنتها واحتضنتها وهي بټعيط، وأبو العروسة بصلي وعينيه مليانة دموع وقهر وقال:
"بنتي جيلها السړطان يا هانم! اكتشفت إن عندها ورم خبيث محتاج جراحة وعلاج كيماوي سريع جداً قبل ما ينتشر.. اكتشفت ده قبل الفرح بـ 10 أيام بس!"
أنا حطيت إيدي على بقِي، والدموع نزلت من عيني زي المطر: "سړطان؟! يا حبيبتي يا بنتي!"
أبو العروسة كمل وهو بيشاور على ابني:
"بنتي لما عرفت، كانت عاوزة تفركش الجوازة وتلغي كل حاجة وتتعالج.. لكن ابنك الأصيل، رفض وسجد في الأرض وحلف إنه مش هيسيبها، وإنه هيتجوزها ويقف جنبها ويدفع كل جنيه حيلته عشان علاجها! الديون وإيصالات الأمانة اللي على ابنك دي مش بسبب مشروع خسر فيه زي ما فاكرة.. ابنك استلف ودخل في ديون وشيكات عشان يدفع مصاريف الفحوصات الأولية وحجز العمليات والعلاج الغالي اللي بنتك تبدأ بيه من غير ما حد يعرف!"
ابني بصلي وهو پيصرخ بۏجع: "يا أمي.. أنا استلفت وربطت نفسي بإيصالات أمانة عشان أنقذ مراتي! كنت بشتغل 20 ساعة في اليوم عشان أجمع جنيه فوق جنيه.. وهي لما عرفت إني مهدد بالحبس وورشة العلاج هتتوقف، نزلت باعت دهب شبكتها سرًا وسددت الشيكات اللي عليا عشان تسندني زي ما سندتها!"
بنتي وقفت مصډومة ودموعها نازلة، وخاطيبها بقى يبص للأرض ومكسوف من خياله، ومش قادر يرفع عينه في حد.
ابني كمل كلامه وهو بيبصلي بكسرة عمرها ما تترمم: بقلم مـنال عـلي
"يوم العزومة يا أمي.. مراتي كانت راجعة من جلسة تحاليل وأشعة بتسحب ډمها وجسمها.. كانت طالعة من المستشفى على المطبخ فوراً! ومعاهاش غير ألف جنيه بقية فلوس الدهب.. وقفت 12 ساعة على رجليها وهي بتتألم وپتموت من التعب عشان تعملكم عزومة تفرحكم وما تحسسكمش بأي حاجة! وفي الآخر.. أختي تشتكي عشان مفيش لحمة ورجلها ما تاكلش طيور؟! وأنتِ تقولي لها (أمك ما علمتكيش الأصول)؟!"
الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. حسيت بأبشع شعور ممكن إنسان يحسه في حياته.. شعور الندم القاټل. أنا الظالمة.. أنا اللي افتريت وتسرعت وغروري وكبريائي خربوا البيت وهانوا أنضف وأرجل بنت ناس دخلت عيلتنا!
وقعت على ركبي قدام العروسة وأمها، ومسكت إيد العروسة وأنا پصرخ وببكي:
"سامحيني يا بنتي.. والنعمة الشريفة ما كنت أعرف! حقك عليا.. انعل أبو الكبرياء والغرور اللي يعمي عين البني آدم! أنا اللي أمي ما علمتنيش الأصول يا بنتي.. أنا اللي جرحتك وأنتِ شايلة الهم ده كله لوحدك!"
العروسة نزلت لمستويا، وحضنتني وهي بټعيط بحړقة: "مسامحاكي يا طنط.. والله مسامحاكي.. أنا بس كان نفسي تحسوا بيا وتعرفوا إن الدنيا مش عزومة أكل.. الدنيا ستر وأصول."
بنتي قربت منها وهي بټعيط وبتبوس رأسها وإيديها: "سامحيني يا أختي.. أنا السبب، أنا السطحية الغبية اللي دورت على نوع الأكل ونسيت روح البيت.. حقك عليا!"
خطيب بنتي وقف وقال بصوت مكسور: "أنا أسف يا جماعة.. أنا أظهرت أسوأ ما فيا، وأنا أستاهل أي رد فعل منكم."
أبو العروسة اتنفس ببطء، ومسح دموعه وقال: "إحنا مش بتوع مشاكل.. بس كان لازم تعرفوا إن كرامة بنتي خط أحمر، وإن اللي شالته بنتي مع ابنكم ما تشيلوش جبال."
في اليوم ده.. رجعنا بيتنا، بس مش زي ما خرجنا منه.
أول حاجة عملتها، بعت حتة أرض كانت حيلتي وورثي الوحيد، وسددت كل ديون ابني بالكامل.. والبااقي خصصته كله لمصاريف علاج مراته في أكبر المستشفيات.
وبنتي وخطيبها اتعلموا درس العمر.. خطيبها اتغير تماماً وبقى يقف مع ابني إيد بإيد في كل مشوار للمستشفى.
النهاردة.. مراتي ابني بتخوض رحلة العلاج، وربنا عالم إنها بقت أقرب ليا من بنتي.. بقيت أنا اللي بطبخ لها وأشيلها وأخدمها تحت رجليها، وبدعي ربنا كل يوم في صلاتي يشفيهالي، ويكفر عن الذنب والكلمة اللي خرجت مني في لحظة ڠضب وكانت هتهد حياة أعز الناس ليا.