الامومة الخائنة كاملة
افتكرت لما كنت بدفع إيجار شقة شيرين لما قالت "محتاجة وقت عشان ألاقي نفسي".
افتكرت لما سددت ديون فيزا ماما لما جوزها التالت خلع وخد نص تحويشها.
افتكرت لما شيلت مسؤولية "بيت العيلة" قانونياً عشان قالوا لي "إنتي الوحيدة اللي دماغك صاحية".
افتكرت كل مصيبة.. كل تليفون نص ليل.. كل فاتورة ما اتدفعتش.. وكل وعد بإنهم هيرجعوا الفلوس.. وما رجعوش مليم.
بس كنت بساعد دايماً.. عشان ده كان دوري.
"ليلى هي اللي بتحل."
"ليلى بتفهم."
"ليلى بتسامح."
"ليلى هي اللي بتدفع."
"ليلى دايماً موجودة."
حتى لما مفيش حد كان موجود لليلى.
في الليلة الخامسة، واللابتوب مسنود على مخدة، فتحت كل الملفات اللي كنت بهرب منها سنين.
حسابات البنوك.
أوراق الملكية.
أرقام الطوارئ.
المستفيدين من التأمين.
التوكيلات القانونية.
"بيت العيلة".. الحساب اللي ماما بتصرف منه وأنا اللي بملاه.. الكروت اللي في إيد شيرين وبتحاسب بيها في الساحل وهي "ناسية" إنها من تعبي.
التوكيل الطبي اللي أصروا إني أمضيه عشان "إحنا أهل وبنشيل بعض".
بصيت للشاشة وقت طويل.
وبدأت أول خطوة.
إيدي كانت بتترعش.. مش من الخوف، لكن من القوة.
شيلت اسم أمي من "جهة الاتصال للطوارئ".
لغيت التوكيلات الرسمية.
وقفت الكارت اللي مع شيرين.
غيرت كل كلمات السر.
بعت إيميل للمحامي بتاعي.
قبل ما الشمس تطلع، كنت عملت اللي كان لازم يتعمل من سنين.
فصلت حياتي عن حياتهم.. في هدوء.. قانونياً.. وبالكامل.
وهما مايعرفوش أي حاجة.
في الوقت اللي أمي كانت بتنزل فيه صور للبحر وكاتبة "هدوء ونقاء" و"أحلى وقت مع العيلة"، كنت أنا بقطع كل حبل مخفي رابطينه حولين رقبتي.
ما أعلنتش ده.. ما بعتش رسالة درامية.. ما طلبتش اعتذار.
ببساطة.. بطلت أكون "مفيدة".
وهنا كل حاجة اتغيرت.
لأن الناس اللي زي أمي وشيرين ما بيخافوش لما يوجعوكِ.. هما بيترعبوا لما يعرفوا إنهم ما يقدرواش "يستخدموكِ" تاني.
أول إشارة جت بعد أسبوعين.
كنت أخيراً بدأت أمشي ببطء من أوضتي للمطبخ لما الموبايل نور.
**"ماما"**
فضلت أبص للشاشة لحد ما سكتت.
بعدها جت رسالة: *"ليلى، ردي عليا.. الموضوع ضروري."*
ما ردتش.
مكالمة تانية.. بعدين شيرين.. بعدين ماما تاني.
بعدين فويس نوت.. وبعدين واحدة تانية.
على الظهر، كان عندي 26 مكالمة فائتة.
الساعة 2:17 الظهر، شيرين بعتت الرسالة اللي خلتني أقعد ببطء على ترابيزة المطبخ وأنا ببتسم:
*"إنتي عملتي إيه في البيت؟؟؟"*
قريتها مرتين.
وضحكت لأول مرة من يوم العملية.
لأنهم أخيراً عرفوا.. وما يعرفوش إن الجزء الأصعب لسه ما جاش.
**نهاية الجزء الأول**
الجزء الثاني والأخير
قعدت على الكرسي وأنا حاسة بانتصار غريب.. الوجع اللي في جسمي بدأ يتسحب ويحل محله قوة ما جربتهاش قبل كدة.
الرسالة بتاعة شيرين *"إنتي عملتي إيه في البيت؟"* كانت معناها إنهم حاولوا يسحبوا فلوس أو يجددوا اشتراكاتهم كالعادة، واتصدموا بالحقيقة.
بعد عشر دقايق، الموبايل رن تاني.. المرة دي كانت ماما. فتحت الخط وسكت.
صوتها كان طالع عالي ومذعور: "ليلى؟ إنتي فين؟ إيه اللي بيحصل ده؟ أنا في البنك والمدير بيقولي إن الكارت اتوقف والتوكيل اللي معايا مابقاش له لازمة!"
رديت ببرود يحرق الأعصاب: "أهلاً يا ماما.. حمد الله على السلامة. مارينا كانت عاملة إيه؟"
سكتت لحظة وكأنها بتستوعب، وبعدين صوتها اتحول لزعاق: "مارينا إيه وزفت إيه! بقولك الفلوس واقفة! وشيرين مش عارفة تحاسب في الفندق وعاملين لها مشكلة.. إنتي اتجننتي؟ إزاي تعملي كدة وإنتي عارفة إننا بنعتمد عليكي؟"
"كنتم.. كنتم بتعتمدوا عليا،" قولت الكلمة بمنتهى الثبات. "دلوقتي كل واحد يعتمد على نفسه. مش ده اللي قولتوه؟ إني مش مديونة لكم بحاجة؟"
دخلت شيرين على الخط في مكالمة جماعية، وصوتها كان منهار: "ليلى، إحنا محبوسين هنا! المدير بيقول لازم ندفع المصاريف دلوقتي وإلا هيطلبوا البوليس! حولي أي مبلغ وفكي الكارت وبطلي شغل العيال ده!"
ضحكت.. ضحكة طالعة من قلبي: "شغل عيال؟ ده أنا لسه من كام يوم كنت 'بتاعة أفلام' و'دراما'.. فاكرة؟ لما كنت مرمية في الشقة مش عارفة أشرب بؤ ميه؟ ساعتها قولتوا لي 'اتصرفي'.. وأنا دلوقتي بقولكم: اتصرفوا."
ماما بدأت تعيط.. العياط اللي كنت زمان بضعف قدامه وأجري أبوس إيديها: "يا بنتي حرام عليكي.. أنا أمك! تهوني عليا نتحط في الموقف ده؟ الناس بتبص لنا في الفندق وإحنا مش عارفين نتحرك!"
"وأنا هُنت عليكي يا ماما،" صوتي بدأ يعلى: "هُنت عليكي وأنا لسه طالعة من أوضة العمليات وسبتيني لوحدي عشان تروحي تصيفي بفلوسي! هُنت عليكي وأنا بصرخ من الوجع وتليفونك مقفول! من النهاردة، ليلى 'البنك' قفل.. وليلى 'الممرضة' استقالت.. وليلى 'اللي بتشيل المسؤولية' ماتت."
قفلت السكة في وشهم.
بعد يومين، رجعوا القاهرة. كنت مجهزة نفسي.
دخلوا الشقة زي الإعصار، وشهم شاحب من التعب والإحراج بعد ما اضطروا يستلفوا من ناس أصحابهم عشان يرجعوا.
ماما دخلت عليا الأوضة وهي بتنهج: "إنتي فاكرة إنك كدة كسبتي؟ البيت ده باسمنا كلنا يا ليلى! إنتي مالكيش حق تمنعينا من حاجة!"
طلعت ملف من جنبي ورميته على السرير: "اقري يا ماما.. اقري كويس."
فتحت الورق وإيدها بتترعش. شيرين وقفت تقرا وراها وفجأة وشها بقى أصفر زي الكركم.
"ده.. ده عقد بيع نصيبكم؟" شيرين سألت بصوت مهزوز.
"ده عقد بيع 'حصتي' في البيت لمستثمر،" قولت لهم وأنا بقوم ببطء بمساعدة العكاز. "بما إنكم كنتم دايماً بتقولوا إني 'العاقلة' وإني 'المسؤولة' عن الأوراق، فأنتم مضيتم لي على تفويض كامل من سنتين لما كنت بسدد ديونكم.. والنهاردة أنا نفذت. البيت ده هيتباع، وكل واحد فينا هياخد نصيبه الشرعي.. وأنا هشتري شقة تانية بعيد عنكم تماماً."
ماما وقعت على الكرسي وهي بتشهق: "عوزة ترمي أمك في الشارع يا ليلى؟"
"لأ يا ماما.. نصيبك في البيت يشتري لك شقة صغيرة كويسة، ومعاشك يكفيكي لو بطلتي تصرفيه على نزوات شيرين. أنا مش هرميكي.. أنا بس هسيب إيدك. عيشوا حياتكم زي ما أنتم عاوزين، بس من غير ما تسحبوا من عمري وصحتي."
شيرين صرخت: "أنا مش هسكت! أنا هرفع قضية!"
بصيت لها بشفقة: "بفلوس إيه يا شيرين؟ إنتي حتى تمن المحامي مش معاكي.. والفيزا اللي كانت بتدفع لك الكوافير والمصايف، أنا لغيتها للأبد."
خرجت من الشقة يومها وأنا مش باصة ورايا.
أخدت شنطة هدومي ورحت قعدت في فندق صغير لحد ما إجراءات البيع تخلص.
لأول مرة من سنين، نمت وأنا مش شايلة هم تليفون يجيلي في نص الليل يطلب فلوس أو يشتكي من مشكلة تافهة.
بعد شهر، البيت اتباع.
ماما اشترت شقة وصارحتني إنها ندمانة، بس كنت عارفة إن ندمها عشان "المصلحة" مش عشان "الحب".
شيرين اضطرت تدور على شغل لأول مرة في حياتها، وبدأت تعرف يعني إيه قرش بيتجاب بالتعب.
أما أنا.. فكملت علاجي الطبيعي.
بقيت أمشي أحسن من الأول بكتير.. مش بس عشان الجرح لمّ.. لكن عشان الحمل اللي كان على كتافي انزاح.
اتعلمت إن "العيلة" مش بالدم بس.. العيلة باللي بيسندك وأنت مكسور، مش اللي بيستنى تقع عشان يدوس عليك.
دلوقتي لما بصحى الصبح في بيتي الجديد، بسمع صوت القهوة وهي بتغلي، وبستمتع بالهدوء..
بس المرة دي، الهدوء كان "سلام".. مش "وحدة".
**تمت**