الساعة التجمع الخامس كان غرقان في هدوء مصطنع و مثالي عن اللزوم
الساعة كانت ستة ونص الصبح، والقصر بتاع عيلة الألفي في التجمع الخامس كان غرقان في هدوء مصطنع ومثالي زيادة عن اللزوم. رشاشات المية كانت بتلف في الجنينة بنغمة معدنية باردة، وريحة القهوة الإكسبريسو مالية المطبخ الرخام الغالي. تحت في الدور الأرضي، الشغالين بيحركوا المعالق الفضة فوق أطباق الصيني بحذر شديد وخوف، وهي دي العادة في البيوت اللي بتبقى مليانة فلوس وغضب في نفس الوقت. فوق بقى، ورا الباب الأبيض العالي اللي متبطين بآيات قرآنية مذهبة، كانت فرح مابتتحركش من السرير بقالها تلات أيام كاملين. كانت نايمة على سيفها، إيد حطاها على بطنها اللي بدأت تظهر في الشهر السادس من الحمل، والغطا مشدود لحد صدرها، وشعرها ملزق من العرق عند قورتها، وشفايفها باهتة ومقشرة من كتر ما فضلت ساعات توشوش وتطمن نفسها إنها هتبقى كويسة. هي مكنتش نايمة، ولا كانت بتتدلع، الخوف كان له وزن وتقيل عليها لدرجة إنه كان مثبتها في السرير أكتر من التقل بتاع اللحاف نفسه.
في الأول، الكل قالوا دي مجرد خيالات حمل واكتئاب، وبعدين قالوا دي بتدلع وعايزة تلفت الانتباه. بس على تالت يوم الصبح، لما شريف الألفي بدأ يطنش مكالمات المحامين والمقاولين والبنك اللي بيخلص معاه صفقة القرية السياحية الجديدة، نبرة البيت كلها اتغيرت وبقت مرعبة. في اللحظة دي بالظبط، ظهرت ميرفت أخته في الطرقة وهي مبتسمة ابتسامة صفرا، وقالت الكلمة اللي كانت مستنياها من زمان البت دي مخبية مصيبة، مفيش واحدة تقفل على نفسها الأوضة بالمنظر ده من الباب للطاق إلا لو كانت عاملة عامة. شريف سمعها وهو قاعد في مكتبه، مقالش ولا كلمة، بس عروق وشه اتشدت وفكه اتشنج. هو بنى إمبراطورية الشركات والفلوس دي من وهو عنده تمانية وعشرين سنة، وعينه خبيرة في قراية الوشوش؛ بيعرف المشتري الكداب، والشريك اللي بيلوع، والمنافس اللي بيبتسم لغرض. بس مراته فرح.. مابقاش عارف يقرأها خالص. كل ما يدخل الأوضة، تلاقها بتكلبش في الغطا وتشدة على جسمها كأن القماش ده هو الحيطة اللي هتحميها من الأوضة ومنه. كانت بتقوله بصوت أضعف من الهمس عشان خاطري يا شريف.. سيبني النهاردة لوحدي، الله يخليك.
الحب دايماً بيلاقي أعذار قبل ما يسأل، بس الكبرياء بيعمل العكس تماماً. فرح مكنتش داخلة حياته زي البنات اللي بتجري ورا الاسم والفلوس، دي كانت بنت غلبانة بتشتغل في ترميم اللوحات والآثار الإسلامية القديمة في ورشة في الحسين؛ من نوعية الستات اللي ممكن تقف بالساعات تحت اللمض العالية عشان تصلح وش مرسوم بفرشة أرفع من الإبرة. مكنتش بنت عز، والحاجة نادية أم شريف عمرها ما بلعت الجوازة دي ولا سامحتها عليها. ليلة ما شريف دخلها البيت وعرفهم عليها، أمه بصتلها من فوق لتحت وقالت بنبرة ناشفة أتمنى بس تكوني قد مقام العيلة وتعرفي تشرفينا وسط الناس. وعلى مدار سنتين، فرح كانت بتبلع الإهانات المتغلفة في وسط الهزار الشيك. ميرفت كانت بتعدل عليها كلامها وطريقتها في الأكل على السفرة رغم إنها مكنتش بتغلط، والحاجة نادية كانت دايماً تبعتلها لست بأسماء جمعيات خيرية وناس من مجتمعهم عشان تتعلم أصول الطبقة اللي بقت فيها. وشريف، اللي كان دايماً مسافر بين العقود والصفقات، كان بيقنع نفسه إن فرح لسه بتتعود على العيشة الجديدة، مكنش شايف القفص لإن القفص كان متبطن بحرير.
بس الصبح ده، ميرفت زرعت في دماغه حاجة أوحش بكتير من مجرد الشك؛ بعتتله على الموبايل صورة مهزوزة ومغلوشة متصورة من الجنينة ورا القصر من ليلتين، والساعة مكتوبة عليها اتنين بعد نص الليل؛ خيال راجل بيتحرك من الباب الوراني بتاع المطبخ. والرسالة اللي تحت الصورة كانت سامحني يا أخويا إن كنت بقولك كده، بس البنت دي شكلها بتغفلك وبتلعب بديلها من وراك. السم دخل في دمه خلاص، ورغم كده، كان في علامات تانية واضحة المفروض ياخد باله منها؛ كارت متابعة الحمل المرمي على الكومودينو ومفتوحش، طرف ورقة خروج من مستشفى الشفاء مقطوع ومتداري تحت المجلات، والطريقة اللي فرح كانت بتترعش بيها أول ما تسمع صوت الخطوات بتقف قدام باب الأوضة. الحقيقة مابتصرخش، هي بتستنى حد يكون هادي كفاية عشان يدور عليها، بس شريف مكنش هادي خالص وهو طالع السلم.
ميرفت كانت ماشية وراه بكام خطوة، وريحة برفيومها فاقعة وقوية زي الورد المخنوق. الحاجة نادية ظهرت عند أول الدور الثاني بروب بيتي شيك، ورسمت على وشها علامات قلق متفننة ومظبوطة كأنه خوف حقيقي، بس هو في الأصل شمت وتخطيط. اتنين من الشغالات وقفوا في مكانهم وهما شايلين سبت الغسيل؛ واحدة عينيها على مقبض الباب النحاس والتانية باصة في الأرض بخوف. الطرقة كلها كانت كاتمة نفسها وعيلة الألفي اللي بتملك ملايين مستنية تتفرج على فضيحة ست حامل وهي بتتحاكم. محدش حرك صباعه، وشريف فتح الباب فجأة من غير ما يخبط. فرح كانت نايمة على سيفها، واللحاف التقيل مغطيها لحد زورها، لفت وشها ناحيته براحة، والخوف اللي كان في عينيها كان مرعب وصادم لدرجة إنه افتكره ذنب وخيانة. شريف زعق بصوت هز الجدران اقفي على حيلك! ردت وهي تبلع ريقها بصعوبة مش قادرة.. مش قادرة يا شريف. مسك موبايله ووراه الصورة وهو بيصرخ مين الراجل اللي في الصورة ده؟ انطقي! في حد تاني في حياتك؟
فرح قفلت عينيها بتعب وكسرة باين عليها إنها أقدم بكتير من شهور الحمل الستة، وقالت يا شريف عشان خاطري.. بلاش.. لو اتكلمت كل حاجة في البيت ده هتهد فوق دماغنا كلنا. شريف صوته طلع زي الرعد ما هي اتهدت خلاص! ومد إيده بكل غل وزعق وهو بيمسك طرف اللحاف. صوابع فرح طلعت بسرعة ولمست معصم إيده، كانت ضعيفة وهزلانة بس مستميتة؛ عقل صوابعها ابيضت وهي مكلبشة فيه، مكنش غل، كان رعب حقيقي ودموعها نزلت لا.. وحياة أغلى ما عندك بلاش يا شريف.. لثانية واحدة، شريف كان هيقف ويرجع خطوة لورا، بس صوت ميرفت أخته جه من ورا الباب وهي بتوشوشه لو مفيش حاجة مخبياها، سيبه يشوف ويرتاح يا أخويا. كبرياء شريف ورجولته أخدوا القرار النهائي بالنيابة عنه، وشد اللحاف بكل قوته وحدفه على الأرض.
في اللحظة دي، الأوضة حالها اتقلب مية وتمانين درجة. الموبايل الغالي وقع من إيد شريف واتكسر نصين على الأرض الرخام بصوت صدمة قوي. الابتسامة الصفرا اللي كانت على وش ميرفت اتمست تماماً، والحاجة نادية أم شريف حطت إيدها على رقبتها وصدرها وهي بتترعش؛ مكنتش خايفة على فرح، دي كانت زي اللي شافت قبرها بيتفتح قدام عينيها. لإن تحت اللحاف ده، شريف ملاقاش قميص راجل غريب، ولا لقى