اول حاجه لفتت انتباه طارق
.أول حاجة لفتت انتباه طارق الشناوي في البنت الصغيرة مكنتش العلامة الزرقاء اللي في إيدها، كانت وقفتها.
بنت عندها سبع أو تمن سنين، شعرها البني متبهدل وورا ودنها، ولابسة بلوفر كشمير قديم وواسع على كتافها الصغيرة، كانت واقفة جنب ترابيزة التبرعات في الصوان الكبير بتاع جمعية كفالة اليتيم، ماسكة معصم إيدها بالتانية، وعينها في الأرض كأنهم منبهين عليها مترفعش عينها في حد كبير أبداً.
كل العيال في حفلة يوم اليتيم والخير والبركة كانوا بيجروا ويتنططوا، يطلبوا عصير، ويشدوا في هدوم أهاليهم أول ما يلمحوا لعبة متغلفة بورق بيلمع، إلا البنت دي.. كانت واقفة هادية، هادية زيادة عن اللزوم.
طارق قعد عشرين سنة من عمره يعلم نفسه ميبحلقش في الناس، في الشغل البحلقة بتوتر رجال الأعمال، وفي عمل الخير بتخلي العائلات البسيطة تحس بالكسرة، بس البنت دي سمرته في مكانه. كانت واقفة جنب ست لابسة عباية حمراء وبتبتسم بزيادة لكل اللي يمر من جنبها.
الست برطمت من تحت ضرسها بصوت واطي قولي شكراً يا ملك.
البنت رفعت راسها وقالت بهمس شكراً.
إيد طارق اتجمدت وهو ماسك كباية القهوة اللي أخدها من المتطوعين، ملك.. الاسم لمس حتة قديمة وجرح منسي جوة قلبه، أخته الصغيرة الله يرحمها كان اسمها ملك، ماتت من تلاتين سنة، من قبل ما طارق يبقى الراجل اللي الجرايد والمواقع بتسميه الملياردير صاحب شركات المقاولات والأبراج في القاهرة، زمان كان مجرد واد جعان في السيدة زينب، بيحاول يخبي أخته الصغيرة من قسوة أبوهم ومد إيده عليها.
ودلوقتي البنت دي واقفة قدامه بنفس الخوف المكتوم، طارق أخد خطوة ناحيتها، والست اللي بالعباية الحمراء لمحته فوراً، أصلاً مفيش حد مبيلمحهوش؛ طوله وعرضه، وشعره اللي غازله الشيب من الجناب، والبالطو الشيك اللي تمنه يعمل عمرة، وشه اللي مالي إعلانات التبرعات للمستشفيات، الناس بتبص له كأن الفلوس بتطلع دفا.
الست ابتسامتها وسعت وقالت يا مرحب يا طارق بيه، الشرف لينا والله، أنا ناهد، مشرفة على دار رعاية وبساعد في تنظيم كفالة الأسر.
طارق هز راسه بذوق أهلاً وسهلاً.
ناهد حطت إيدها على كتف البنت دي ملك، بنت أختي الله يرحمها.
ملك اتخضت ورجعت ورا خطوة، حركة صغيرة ومستخبية، بس طارق لقطها، أصل اللي اتلسع من الشوربة بينفخ في الزبادي، وهو زمان كان طفل بيتخض قبل ما الضربة توجع.
قال لها بحنية أهلاً يا لوكا.
البنت رفعت عينها نص ثانية، عيونها كانت رمادي كاحل، ومليانة حذر أهلاً بحضرتك.
ناهد ضحكت مكسوفة بس، معلش يا بيه.
طارق بص لترابيزة التبرعات؛ كان عليها لبس، وشنط مدرسية، وكوبونات أكل، ولعب أطفال، وسأل البنت منقتيش حاجة لرمضان والعيد يا ملك؟
البنت صوابعها اتشنجت حوالين معصم إيدها لأ يا فندم.
ناهد ردت بسرعة قبل البنت ما تنطق إحنا جايين نساعد مش نآخد، أنا بربي العيال على القناعة والرضا، مش الطمع.
طارق بص لجزمة البنت، كانت مقطوعة من قدام وصوابعها باينة منها. حط كباية القهوة وقال والله القناعة والرضا مبيملوش ضد الساقعة والبرد.
واحد من المتطوعين ضحك، بس ابتسامة ناهد خفت، طارق مال شوية ووطى صوته ملك، تحبي تنقي كوتشي جديد؟
شفايف البنت اتفتحت، وظهرت على وشها لمحة أمل توجع القلب، بس بصت لخالتها الأول، ف إيد ناهد ضغطت على كتف البنت جامد لدرجة إن كم البلوفر اترفع، وظهرت علامة زرقاء غامقة لسة جديدة من أثر ضربة شديدة.
البنت نزلت راسها وقالت بهمس ويموت من الخوف لأ.. شكراً.
دم طارق غلي في عروقه، وعرف إن في ورا الست دي سر أسود ومستخبي جوة جدران بيتها.
يا ترى طارق الشناوي هيعمل إيه بعد ما شاف آثار الضرب على طفلة يتيمة؟ وإيه السر المرعب اللي خالة ملك دافناه ومخبياه عن عيون الناس والجمعيات؟ وهل طارق هيقدر ينقذ ملك ويعوض فيها حرمان أخته الله يرحمها، ولا ناهد مجهزة مصيبة تانية تقلب التربيزة على الكل؟
لو عايزين تعرفوا الإثارة
طارق فضل باصص للعلامة الزرقا اللي على إيد البنت، لكن اللي وجعه أكتر إن ملك اتصرفت كأن الضربة دي حاجة عادية.
كأنها متعودة.
ناهد لاحظت نظرته، فشدت كم البلوفر بسرعة وقالت وهي بتضحك بتوتر العيال بقى يا طارق بيه، شقية وتقع كتير.
طارق رفع عينه لها.
الراجل اللي شركات كاملة كانت بتترعب من سكوته، بصلها بنظرة خلت ضحكتها تنشف على وشها.
لكنه مقالش حاجة.
ابتسم بس لملك وقال بهدوء طب لو مش عايزة كوتشي ينفع آخد رأيك في حاجة؟
ملك رمشت باستغراب.
طارق شاور على الترابيزة اللي عليها لعب وقال أنا محتاج حد ذوقه حلو يساعدني أختار هدية لبنت صاحبتي.
ناهد حاولت تدخل يا بيه متتعبش نفسك
لكن طارق كان لسة باصص للبنت ينفع تساعديني؟
ملك بصت لخالتها بخوف الأول.
ولما ناهد هزت راسها بالعافية، البنت مشت خطوات صغيرة جنب طارق.
خطوات حذرة كأنها ماشية جنب حيوان مفترس مش راجل.
ودي كانت أول حاجة أكدتله إن البيت اللي عايشة فيه مش أمان.
طول الوقت اللي ملك كانت بتختار لعبة، طارق كان بيراقبها.
كل حركة.
كل رعشة.
كل مرة تتوتر لما تسمع صوت عالي.
ولما المتطوعة جت تديها عصير، ملك مسكته بإيدين الاتنين بسرعة بطريقة أطفال الملاجئ والحرمان، كأن الكباية ممكن تتاخد منها في أي لحظة.
قلبه اتقبض.
افتكر ملك أخته.
افتكر الليلة اللي معرفش يحميها فيها من أبوهم.
كان عندها تسع سنين وقت ما ماتت من نزيف داخلي بعد ضربة قاسية والناس ساعتها قالت