اول حاجه لفتت انتباه طارق
وقعت من على السلم.
بس هو كان عارف الحقيقة.
وعشان كدة لما شاف الخوف في عيون ملك الصغيرة، حس إن الزمن رجع يلسعه في نفس الحتة.
قبل ما يمشي من الحفلة، طارق نادى مدير الجمعية على جنب.
عايز كل الورق الخاص بالبنت دي.
المدير استغرب ملك؟
أيوة.
دي مع خالتها من خمس سنين بعد وفاة أمها.
وأبوها؟
الراجل سكت شوية مسجون.
حاجب طارق اتحرك.
قضية قتل.
الليلة دي، طارق معرفش ينام.
فضل قاعد في مكتبه الكبير المطل على النيل، والسيجار مطفي بين صوابعه، وصورة أخته ملك القديمة قدامه.
نفس العيون تقريبًا.
نفس الخوف.
وفي حوالي الفجر، رن على مدير الأمن بتاعه.
هاتلي كل حاجة عن ناهد دي كل حاجة.
بعد يومين، الحقيقة بدأت تطلع زي العفن من تحت السجاد.
ناهد ماكنتش خالة مثالية بتربي بنت أختها بحنية زي ما الناس فاكرة.
كانت ست بتقبض معاش الطفلة والمساعدات باسمها، وتلف بيها الجمعيات والمناسبات الخيرية عشان تاخد تبرعات أكتر.
والأسوأ
إن الجيران قدموا أكتر من بلاغ بسبب صريخ طفلة بالليل.
لكن كل مرة ناهد كانت تخلص الموضوع بدموع وتمثيل دي بنت متعبة نفسيًا بعد موت أمها.
أما المفاجأة اللي خلت طارق يقوم من مكانه بعنف
فكانت تقرير طبي قديم.
ملك اتعرضت لكسر في ضلعين من سنة.
والمستشفى سجلت إن السبب وقوع من السرير.
لكن الدكتور كاتب بملاحظاته الإصابة لا تتوافق مع رواية السقوط.
طارق قفل الملف بعنف.
والغضب القديم رجعله كله.
الغضب بتاع الطفل اللي مقدرش ينقذ أخته.
المرة دي مش هيسكت.
بعد أسبوع، راح بنفسه بيت ناهد.
الحي كان شعبي وقديم، والسلم ريحته رطوبة وزيت محروق.
أول ما فتحت الباب وشافته، وشها اصفر.
طا طارق بيه؟
عداها ودخل.
الشقة كانت ضيقة، والبرد ماليها رغم إن الشباك مقفول.
وملك كانت قاعدة على الأرض بتحل واجبها تحت نور أصفر ضعيف.
أول ما شافته، قامت بسرعة.
وفي نفس اللحظة خبّت إيديها ورا ضهرها.
الخوف.
الخوف كان سابقها في كل حركة.
طارق نزل لمستواها بهدوء عاملة إيه يا لوكا؟
ملك بصت لخالتها الأول.
دايمًا تبص لخالتها الأول.
بعدين همست الحمد لله.
ناهد ضحكت بتوتر أصلها اتعلقت بيك من يوم الحفلة يا بيه.
لكن طارق كان مركز على حاجة تانية.
ريحة الدوا.
ريحة مهدئات مالية المكان.
لف بعينه في الشقة لحد ما لمح علبة دواء مفتوحة جنب الكنبة.
أخدها بإيده.
اسم الدوا خلا عينه تضيق.
منوم قوي للكبار.
بص لناهد بتديهولها ليه؟
وشها ارتبك أصل أصل نومها خفيف.
في اللحظة دي ملك قالت بهمس مفاجئ عشان معرفش أعيط بالليل.
الصمت وقع تقيل.
ناهد صرخت اسكتي!
ملك اتخضت فورًا.
أما طارق فحس إنه لو فضل ثانية زيادة هيقتل الست دي بإيده.
القضية اتفتحت بعدها بساعات.
والتحقيقات كشفت مصايب.
ناهد كانت بتضرب ملك بعنف، وتحبسها بالساعات، وتديها مهدئات عشان متتعبهاش.
لكن الحقيقة الأوسخ
إنها كانت بتخطط تودّيها ملجأ داخلي وتاخد باقي فلوسها وتصريحات الكفالة باسمها.
ولما الشرطة أخدت ملك، البنت مكانتش بتعيط.
كانت ساكتة.
ساكتة بشكل مرعب.
كأنها مش مصدقة إن حد أخيرًا شافها.
في دار الرعاية المؤقتة، الأخصائية النفسية قالت لطارق البنت عندها خوف مرضي من الصوت العالي والضرب لكنها ذكية جدًا.
طارق سأل بهدوء هتاخد وقت قد إيه عشان تبقى كويسة؟
الدكتورة بصتله لو حست بالأمان؟ يمكن أسرع مما تتخيل.
الكلمة فضلت ترن في ودنه الأمان.
الحاجة اللي أخته عمرها ما خدتها.
بعد شهور من الجلسات والتحقيقات، المحكمة حكمت بسجن ناهد وتجريدها من حق الوصاية.
والمفاجأة الأكبر إن ملك رفضت تروح أي أسرة بديلة.
كانت بترتعش وتصرخ أول ما حد يقرب ياخدها.
ماعدا مع شخص واحد.
طارق.
الأخصائية ابتسمت وهي بتقوله واضح إنها اختارتك.
هو ضحك بسخرية خفيفة أنا راجل عنده ستين سنة وشغله ياكل العمر.
لكن أول مرة ملك نادتله عمو طارق
حس قلبه يلين بطريقة نسيها من سنين.
الإجراءات خدت وقت طويل.
الصحافة اتكلمت. ناس هاجمته وقالوا بيستغل صورة الطفلة. وناس قالت بيدور على تعاطف.
لكنه ولا رد.
لحد اليوم اللي المحكمة وافقت فيه رسميًا إنه يبقى الوصي القانوني على ملك.
يومها، البنت كانت قاعدة جنبه في العربية، لابسة كوتشي جديد بينور.
بصتله فجأة وسألته هو أنا هفضل معاك بجد؟
طارق سكت ثواني.
وبعدين قال بهدوء لو انتي عايزة.
ملك بصت للشباك بسرعة عشان تخبي دموعها.
وقالت بصوت صغير أوي.
البيت الكبير اللي كان طول عمره بارد وهادئ زيادة عن اللزوم اتغير.
بقى فيه شنط مدرسة مرمية. ورسومات على التلاجة. وصوت كرتون شغال الصبح.
وفي يوم، طارق رجع من شغل متأخر، فلقى ملك نايمة على الكنبة ومستنية رجوعه، وفي إيدها صورة قديمة.
صورة أخته ملك.
البنت رفعت عينها وسألته دي مين؟
طارق قعد جنبها بهدوء.
ولأول مرة من تلاتين سنة حكى.
حكالها عن أخته الصغيرة. وعن الفقر. وعن خوفه القديم.
ولما خلص، ملك قربت منه بحذر وسألته أنت كنت بتحبها أوي؟
ابتسم بحزن دي كانت كل دنيتي.
البنت سكتت شوية.
وبعدين حطت إيدها الصغيرة على إيده وقالت أنا مش هسيبك تزعل تاني.
في اللحظة دي
طارق الشناوي، الراجل اللي بنى أبراج وشركات ومدن كاملة
عيط.
مش عياط رجال الأعمال المهزومين.
عياط طفل صغير أخيرًا قدر ينقذ ملك قبل ما تضيع منه مرة تانية