بعد سبع شهور كاملة من الغياب، ابني أخيرًا اتصل بيا

لمحة نيوز


دلوقتي.
وقفت ببطء
أنا قايمة أغسل إيدي.
يارا وقفت في ساعتها
أنا هاجي أوريكي المكان.
قلت لها مش محتاجة.. أنا صحيح كبرت، بس لسه بعرف ألاقي الحمام لوحدي.
لأول مرة، بان عليها الغضب. مش قلة ذوق، ده كان خوف.
مشيت في الممر الوراني وقلبي بيخبط في زوري من الرعب.
صباح كانت مستنياني فعلاً جنب حمام الشغالة.
مسكت معصم إيدي وشدتني جوه، وقفت الباب بالمفتاح.
همست وهي بتعيط يا ست هانم.. دول حطوا نقط منوم في المية بتاعتك.
ركبي سابت ومبقتش شايلاني ليه؟
حطت إيدها على بقها عشان بعد ما تنامي، هيخدوا بصمة إبهامك على ورق الممتلكات والبيت، ويقولوا إنك مضيتي برضاكي.
مسكت في الحوض عشان مقعش ابني؟ كريم؟
صباح هزت رأسها وفي أكتر من كده كمان.
وقبل ما تنطق، صوت كريم جه من الممر بره
أمي؟ أنتِ أخدتي شنطة إيدك معاكي الحمام ليه؟
صباح زقت ورقة تانية مطبقة في كفي
اقري دي بس لو عايزة تعرفي هم عملوا إيه في بيتك من وراكي.
أكرة باب الحمام لفت.. الباب مقفول.
وبعدين صوت ابني جه من بره وهو بيقول بهدوء
أمي، افتحي الباب ضرورى
كلمة بصمتك خبطت في حيطان الحمام وجعها كان أقوى من أي قَلم على الوش.
لثانية واحدة، نَفَسي اتكتم ومبقتش قادرة أتنفس.
ابني..
ابني كريم.
الولد اللي فضلت أسقف له لما خطى أول خطواته في الدنيا لحد ما كفوف إيديا اتلهبت من كتر الفرحة.
دلوقتي واقف ورا الباب المقفول، بيطلب بصمة إبهامي وكأني مجرد ورقة أو مستند، مش أمه!
صباح الشغالة كانت بتترعش جنبي، وحاطة إيديها الاتنين على بقها وكأنها بتحاول تكتم خوف العمر كله جواه.
فردت الورقة التانية اللي في إيدي.
صوابعي مبقتش حاسة بيها، وكأنها مش بتاعتي. الحبر كان متموه ومكتوب بسرعة، باين إنه اتكتب تحت ضغط
هم خلاص أخدوا قرض بضمان بيتك، واستخدموا ورق مزور من استمارة دخول المستشفى بتاعة الشهر اللي فات اللي مضيتي عليها عشان شركة التأمين. أخدوا بصمتك من الاستمارة دي عشان يبدأوا الإجراءات. والنهاردة هو النقل النهائي للبيت.
الدنيا لفت بيا.
استمارة دخول المستشفى!
افتكرتها.. كريم جالي البيت فجأة يومها، وكان بيتكلم بسرعة أوي وهو متوتر
يا أمي، امضي هنا بس، ده عشان إجراءات التأمين والمستشفى، وأنا هخلص كل حاجة.
مضيت وبصمت عشان ابني اللي طلب.. عشان الأمهات مبيقرأوش الورق لما ولادهم بيطلبوا منهم ده. إحنا بنثق وبس.
من بره الحمام، صوته جه تاني. بس المرة دي كان أهدى.. صوت متحكم في نفسه
يا أمي، متبوظيش الدنيا وتصعبيها علينا. أنت مضيتي مرة قبل كده خلاص، اطلعي بقى.
بصيت ل صباح.. عينيها كانت مليانة دموع، بس نظرتها كانت ثابتة.
همست لها في طريق تاني نخرج منه؟
هزت راسها بسرعة الممر اللي ورا بيطلع على السلم الخلفي.
بس إيدها اتشدت على إيدي وكملت بس هم هيقفلوا عليكي الطريق.. في راجلين واقفين بره، مش سُعاة ولا بوابين، دول جايين ومعاهم ورق.
طبعًا.. دي مكنتش عزومة عشا، دي كانت تقفيل لطبخة.
إمضاء أخير عشان يمسحوا حياتي كلها.
خبطة خفيفة جت على الباب. مش خبطة استعجال، خبطة فيها صبر.
صوت كريم تاني
يا أمي، أنا عارف إنك خايفة. بس ده مصلحتنا كلنا، الديون اللي علينا كلها هتتمسح، وهنقدر وأخيرًا نتنفس.
الديون.. الكلمة فضلت معلقة في الهوا زي السم.
كنت هضحك والله.. الدين الوحيد اللي شيلته في حياتي كان حمل في ضهري، سنين من الانحناء والتعب عشان ابني يقف طوله ويبقى راجل.
غمضت عيني. لثانية واحدة، شفته طفل صغير تاني.. بيجري حافي في شوارع مصر الجديدة، بيطلب مني قروش عشان رحلة المدرسة، ونايم في حضني لما النور يقطع في حر الصيف.
الطفل ده والصوت اللي بره الباب ميركبوش على بعض أبدًا.. ومع ذلك، هم نفس الشخص.
دي أقسى حقيقة في الأمومة؛ مفيش حاجة في الدنيا بتجهزك للحظة اللي هتشوفي فيها ابنك غريب لدرجة إنك مش هتعرفي ملامحه لو شفتيه في ضلمة.
صباح همست يا ست هانم.. قدامنا دقيقتين بالكتير قبل ما مفعول المنوم يشتغل.
مسكت الورقة المطبقة في إيدي جامد وسألتها في كاميرات مراقبة هنا؟
هزت راسها في كل حتة.
نَفَسي بدأ يهدى.. تمام، يبقى دي مش هتبقى نهايتي، ده هيبقى الدليل.
بره، حركات الرجلين اتغيرت.. بقى في أكتر من شخص. صوت يارا مراته طلع حاد
خلص يا كريم، بطل كلام وافتح الباب ده بقى!
وبعدين صوت راجل غريب يا فندم لازم نتحرك، لو نامت من المنوم الموضوع هيبقى أسهل.
أسهل.. الكلمة قلبت بطني.
فردت ضهري.. 64 سنة من شيل الهموم فجأة بقوا مفيدين، لأن في حاجة جوايا نورت. مش شجاعة، دي كانت قوة ووضوح.
لفيت ل صباح تقدري تفتحي القفل ده من بره؟
ترددت أيوة.. بس كاميرا الممر هتشوفني.
هزيت راسي ممتاز.
بصتلي وكأني اتجنيت، بس مدّت إيدها وفتحت القفل.
من بره، صوت كريم علي شوية أمي، أرجوكي مخرجيناش عن شعورنا.
مخرجيناش عن شعورنا.. وكأني عطلة في طريقهم، أو مشكلة في جدول مواعيدهم!
تِك.. القفل اتقلب.
في نفس اللحظة، حطيت كفي على معصم صباح وهمست لها افتحي الباب على آخره.. واجري.
عينيها وسعت وأنتِ يا ست هانم؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وتعبانة الفرق بيني وبينك يا صباح.. إني أنا خلاص جوه النار.
الباب اتفتح على آخره.
كريم كان واقف.. شعره متسرح ع الشعرة، قميصه مكوي ومظبوط، وعينيه حمرا شوية من قلة الصبر، مش من الزعل.
وراه، يارا مراته كانت ماسكة كباية مية.
وجنبهم، راجلين غُرب عمري ما شفتهم، بيبصوا لي وكأني بضاعة في مخزن.
لثانية
 

تم نسخ الرابط