صلاحية انتهت بطلاق الجزء الأخير

لمحة نيوز


......... 
ومع الوقت، بدأت الدنيا تفتح لي أبواب تانية ما كنتش أتخيلها. قصة "صباحيتي" بقت حديث الناس في البلد، مش عشان يقطعوا في فروتي، لا، لأنها بقت "عبرة". بقيت بشوف بنات لسه مخطوبين بيوقفوني في الشارع، يسألوني: "يا شيماء، نعمل إيه عشان نضمن حقنا؟"، وكنت بقولهم بمنتهى القوة: "الحق مش بيتاخد بالصوت العالي، بيتاخد بالثبات، بأنك من أول يوم ترسمي خطوط حمراء محدش يتخطاها، ولو اتخطوها.. تكوني جاهزة تمشي بكرامتك".
​في يوم، وأنا في شغلي، دخل عليا شاب، كان بيشوفني لأول مرة، بس كان عارف حكايتي من خلال قرايب لينا. قعدنا اتكلمنا، كان مختلف تماماً عن اللي شفته قبل كدة؛ كان بيسمع أكتر ما بيتكلم، وقبل ما يفتح موضوع "الخطوبة"، سألني سؤال خلاني أبتسم: "أنا عارف اللي مريتي بيه، وعارف إنك بقيتي بتخافي من فكرة 'بيت العيلة'. أنا مستعد نبني حياتنا في شقة مستقلة، ونحط قواعد لحياتنا سوا من غير تدخل حد، إيه رأيك؟".
​كلماته كانت زي البلسم، مش لأنه بيوعدني ببيت، بس لأنه بيوعدني بـ "احترام" لقراري ولشخصيتي. حسيت إن الدرس اللي اتعلمته في "صباحيتي" ما راحش هدر، وربنا بعتلي حد يقدّر القوة اللي وصلت لها بعد الانكسار.
​اتجوّزنا بعد فترة، وعشت في بيت بعيد عن "بيت العيلة" وقرفه. في أول يوم، كنت بفتكر الفريزر الفاضي، والتلاجة اللي اتسرقت، والمنور اللي اترمينا فيه.. كنت ببتسم وبقول لنفسي: "الحمد لله إن كل ده حصل". لولا اللي حصل، كنت هفضل "شيماء" الضعيفة اللي بتسمح لأي حد يدوس على كرامتها عشان "نظرة الناس".
​دلوقتي، لما حد من أهلي يسألني: "يا شيماء، مش بتفكري في اللي فات؟"، برد عليهم وأنا في قمة طمأنينتي: "اللي فات ده كان درس غالي، وأنا الحمد لله طلعت منه بشهادة نجاح في 'مدرسة الكرامة'".
​قصتي خلصت، بس كل ما أشوف عروسة جديدة، بتمنى إنها ما تضطرش تمر باللي مريت بيه، وبتمنى إن كل ست تعرف إن "صباحيتها" الحقيقية مش بأكل بياكلوه أو دهب بيلبسوه، دي بتبدأ باللحظة اللي تقرر فيها إن "نفسها" غالية، وما ينفعش ترخص لأي حد، مهما كان. أنا شيماء، قدرت أكتب نهايتي بإيدي، وبدأت بداية تليق بيا.. بداية كلها احترام، واستقلال، وحب حقيقي.
........ 
مرت الأيام، وبقيت بلاحظ في نظرات اللي حواليا حاجة جديدة.. نظرة احترام وتقدير، مش بس كـ "بنت نجت من طلاق"، لأ، كـ "ست عرفت قيمة نفسها". جوزي الجديد، "أحمد"، مكنش بس شريك حياة، كان السند اللي عوضني عن كل خذلان شوفته، كان بيحترمني لدرجة إنه بيستأذن يدخل المطبخ لو أنا مش فيه، بيحترم مساحتي الشخصية، وبيحترم أهلي كأنهم أهله بالظبط.
​في يوم، وأنا في السوق، لمحت "محمود" من بعيد. كان شكله ذابل، كأنه كبر عشر سنين في سنة واحدة. مكنتش عايزة أواجهه، مكنتش عايزة حتى أفتكر اللي فات، بس هو اللي لمحني وجالي. وقف قدامي وعيونه مكسورة، وبصوت واطي قال: "كنت غلطان يا شيماء.. البيت من غيرك بقى جحيم، وأمي وأخواتي.. خلاص مابقتش أعرف أسكتهم، حياتي بقت جحيم زي ما كنتي بتقولي."
​بصيتله ببرود، مفيش أي عتاب، مفيش أي شجن، مفيش حتى كره. الكره محتاج اهتمام، وأنا مابقتش مهتمة. قولتله بصوت هادي وموزون: "يا محمود، البيت اللي كنت بتبنيه على كسر كرامتي، طبيعي يتهد على دماغ اللي فيه. دي مش شطارة، ده عدل ربنا. أتمنى تكون اتعلمت إن الست مش 'قطعة عفش' بتدخلها بيتك وبتقول لأهلك يشاركوك فيها. أتمنى تكون عرفت إن الرجولة حماية، مش سلطة."
​مشيت من قدامه من غير ما أستنى رده، وسبته واقف مكانه، يمكن بيفكر في "الصباحية" اللي ضيعها، ويمكن بيفكر في اللي كان ممكن يكون لو كان "راجل" في الوقت الصح.
​رجعت لبيتي، لأحمد، اللي كان مستنيني بابتسامته الدافيّة، شميّت ريحة الغدا اللي كان بيحضره بنفسه، ابتسمت ودخلت أساعده. قفلت باب بيتي ورايا، وقفلت معاه كل صفحة من الماضي.
​أنا دلوقتي مش "ضحية" ولا "عروسة سابقة"، أنا ست اختارت طريقها بوعي. اتعلمت إن الجواز مش "تكملة عدد" ولا "ترضية لأهل"، الجواز ميثاق غليظ، لو الطرفين مش فاهمين يعني إيه "احترام"، يبقى مفيش داعي للجواز من أصله.
​قعدت مع أحمد بنتعشى، وشفت في عينيه بكرة اللي كنت بحلم بيه. مسكت إيده وقلت لنفسي: "الحمد لله.. كان لازم أمر بالجحيم عشان أعرف طريق الجنة فين". الصباحية الحقيقية هي اللحظة اللي بتصحي فيها كل يوم، وانتي عارفة إنك في المكان الصح، مع الشخص الصح، ومعززة ومكرمة في بيتك.. وده هو النجاح اللي بجد.
​انتهت حكايتي، وبدأت حياتي.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط