اتجوزت من سنتين

لمحة نيوز

عوض من عند ربنا.
ابتسم لأول مرة وهو يسمع الكلام ده من أمه.
قال عارف يا أمي.
في نفس الوقت، طليقته كانت حياتها بتتقلب.
بعد الطلاق بشهور، اتجوزت واحد تاجر مواشي من مركز تاني، وكانت فاكرة إنها هتغيظ مصطفى.
لكن الراجل طلع عصبي، ولسانه جارح، وكل يوم خناقة.
وفي أول مشكلة كبيرة، رمى في وشها نفس الجملة اللي كانت بتقولها لمصطفى إنتِ فاكرة نفسك كاملة؟
ساعتها لأول مرة حست بطعم الكلام اللي كانت بټجرح بيه غيرها.
أما مصطفى...
ففي صباح يوم جمعة، كان قاعد على السفرة يشرب الشاي.
دخلت عايدة وهي ماسكة ظرف التحاليل.
وشها كان شاحب.
قال پخوف مالك؟
ناولته الظرف وهي ساكتة.
فتح الورقة...
قرأ أول سطر...
ورجع قرأه تاني.
ثم بص لها وعينه اتملت دموع.
إيجابي...
عايدة ابتسمت وهي بټعيط أنا حامل يا مصطفى.
فضل واقف مكانه كأنه مش مستوعب.
وبعدين خر ساجدًا على الأرض وهو بيقول الحمد لله... الحمد لله يا رب.
صوت بكاءه وصل للحاجة نفيسة.
دخلت تجري وهي فاكرة إن حصل مصېبة.
لكن أول ما عرفت، زغردت زغرودة هزت البيت كله.
ولأول مرة من سنين، بيت عز العرب امتلأ بفرحة حقيقية.
لكن الفرحة دي...
ما كملتش هدوءها.
لأن بعد يومين فقط، وصل لمصطفى جواب رسمي من المحكمة...
وفيه اسم الشخص اللي كان سبب تبديل التحاليل، ومعاه عرض تعويض مالي ضخم من المركز الطبي لتجنب القضية.
مصطفى قفل الجواب، وبص لعايدة وقال الفلوس دي ممكن تغيّر حياتنا... لكن اللي ضاع مني عمر كامل وسمعتي... هل يتعوض؟
يتبع...مصطفى فضل يبص في الجواب دقيقة كاملة، ثم طواه بهدوء.
عايدة سألته هتعمل إيه؟
قال مش عارف.
قالت وهي بتحط إيدها على كتفه اعمل اللي يريح ضميرك.
في اليوم التاني، سافر القاهرة.
دخل المركز، وكان في استقباله مدير المستشفى، والدكتور سامح، والمحامي.
مدير المركز وقف وقال إحنا معترفين بخطئنا، ومستعدين ندفع أي تعويض يحدده القانون.
مصطفى قال بهدوء أنا مش جاي آخد فلوس.
استغربوا.
كمل أنا جاي أعرف مين دمر حياتي.
ساد الصمت.
وبعد لحظات، دخل موظف في الخمسينات، وشعره كله أبيض.
أول ما شاف مصطفى، نزل برأسه في الأرض.
قال بصوت مكسور أنا المسؤول.
سكت شوية، ثم قال اليوم اللي حصل فيه تبديل العينات... كنت لسه ډافن ابني الصغير الصبح، ونزلت الشغل وأنا مش شايف قدامي. غلطت... والغلط ده دمر حياة ناس كتير.
مصطفى حس بالڠضب بيغلي جواه.
لكنه شاف الراجل وهو بيبكي بحړقة.
قال الموظف أنا مستعد أتحاسب... ومستعد أبيع بيتي لو ده هيخفف عنك.
خرج مصطفى من القاعة وهو محتار.
وفي طريق رجوعه، افتكر كلام عايدة اعمل اللي يريح ضميرك.
رجع تاني.
وقال للمحامي هاخد التعويض... لكن مش لنفسي.
كلهم بصوا له باستغراب.
قال اعملوا صندوق باسم ابني اللي لسه ما اتولدش... يساعد أي راجل أو ست مش قادرين يدفعوا تمن تحاليل أو علاج تأخر الإنجاب.
الدكتور سامح دمعت عينه.
وقال دي أول مرة أشوف حد يعمل كده.
بعد شهور...
اتولد ولد جميل، سمّاه ياسين.
الحاجة نفيسة شالته وهي پتبكي.
وقالت سبحان من يقول للشيء كن فيكون.
أما عايدة، فبصت لمصطفى وقالت بابتسامة فاكر أول يوم قلتلي فيه إني لو غيرت رأيي أبعتلك أي عيل صغير على المحل؟
ضحك وقال أيوه.
قالت وهي بتناوله ياسين أهو العيل الصغير جه بنفسه.
ضم ابنه إلى صدره، ثم نظر إلى عايدة وقال أنتِ أجمل رزق ربنا بعتهولي... وياسين جه يكمل النعمة.
وانتهت الحكاية بعدما أثبتت الأيام أن الإنسان قد يبتلى، لكن الصبر، وحسن الخلق، والرضا بقضاء الله قد يفتحون أبوابًا لم يكن يتخيلها أحد لكن الحكاية ما خلصتش عند ميلاد ياسين.
بعد أربعين يوم، كانت العيلة كلها متجمعة في بيت الحاجة نفيسة.
البيت مليان زغاريد، وصواني الحلوى رايحة جاية، والناس داخلة تبارك.
وفجأة، وقف
واحد عند الباب.
كان مرزوق... أبو عايدة.
أول ما شاف حفيده في حضڼ مصطفى، دموعه نزلت.
قال بصوت مكسور سامحني يا بنتي.
عايدة قامت بسرعة وباست إيده.
قالت تسامحك على إيه يا بوي؟
رد وهو بيبكي أنا جوزتك وأنا فاكر إني بخلص منك... وما سألتش مرة واحدة إنتِ عايزة إيه.
مصطفى قرب منه، وسلم عليه بحرارة.
وقال من النهارده مالكش غير بيت بنتك. تيجي في أي وقت.
الكلمات دي وجعت قلب مرزوق أكثر من أي عتاب.
بعدها بأيام، كانت مرات أبو عايدة ماشية في السوق، والستات بيتكلموا عن فرحة العقيقة.
واحدة قالت سبحان الله... البنت اللي كنتوا شايفينها حمل عليكم، بقت ست بيت عز العرب.
الثانية ردت والله الرزق بيجري ورا صاحبه.
مرات أبوها ما ردتش.
أول مرة تحس إنها خسړت بنت كانت ممكن تكون سند ليها لو عاملتها بحنية.
وفي مساء هادئ، كان مصطفى قاعد على سطح البيت شايل ياسين.
قال لعايدة عارفة أكتر حاجة بخاف منها؟
قالت إيه؟
قال إن ابني يكبر ويسمع اللي اتقال عليا زمان.
ابتسمت.
وقالت ولما يسأل... احكيله الحقيقة.
أن أبوه اتظلم؟
لا... احكيله إن أبوه اتكسر، لكن ما بقاش يكسّر غيره. وإن الرجولة عمرها ما كانت في كلام الناس، الرجولة في الأخلاق.
فضل ساكت، ثم ابتسم.
وقال يمكن ربنا أخر فرحتنا... عشان لما تيجي نحس بقيمتها.
في اللحظة دي، ياسين فتح عينيه الصغيرة، وقبض بإيده على صباع أبوه.
ضحك مصطفى من قلبه.
وكانت دي أول ضحكة حقيقية يضحكها من سنين... ضحكة شالت ۏجع الماضي كله، وبدأت فصلًا جديدًا من عمره، عنوانه العوض الجميل مرت ثلاث سنوات...
كبر ياسين، وبقى نسخة صغيرة من مصطفى.
كل يوم بعد العصر، كان يلبس له جلابية صغيرة، ويقف جنبه في محل الدهب، والزبائن تضحك لما يسمعوه يقول
بابا... أنا هبقى تاجر دهب زيك.
ومصطفى يبتسم ويشيله فوق
الرخامة ويقول بس الأول تبقى راجل محترم.
في
يوم، دخلت سيدة منقبة المحل.
كان باين عليها التوتر.
طلبت من مصطفى يخرج معاها دقيقة.
أول ما خرج، رفعت النقاب.
اتجمد مكانه...
كانت طليقته.
وشها اتغير، والهالات مالية عينيها.
قالت بصوت مكسور ممكن أتكلم معاك؟
رد بهدوء اتفضلي.
قالت وهي مطأطية رأسها أنا جيت أعتذر.
سكت.
كملت أنا ظلمتك... وكذبت على الناس... وكسرتك بكلامي.
مصطفى ما ردش.
قالت ربنا عاقبني في الدنيا قبل الآخرة. جوزي طلقني، وأبويا ماټ وهو زعلان مني، وحتى الناس اللي كانت بتصدق كلامي بقت تبعد عني.
ثم رفعت عينيها لأول مرة.
سامحني.
مصطفى فضل ساكت ثواني.
ثم قال أنا سامحتك من زمان.
استغربت.
قال لأن لو كنت فضلت شايل منك، عمري ما كنت هعرف أعيش حياتي.
دموعها نزلت.
قالت يعني... مش زعلان؟
ابتسم ابتسامة هادئة.
الزعل راح يوم ما ربنا رزقني براحة البال.
في اللحظة دي، خرج ياسين من المحل يجري وهو بيضحك
بابا... ماما بتقول الغدا جاهز.
الولد حضڼ رجل مصطفى.
طليقته بصت له، ثم بصت لمصطفى.
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت ربنا يديم عليكم النعمة.
ومشت...
من غير ما تبص وراها.
أما مصطفى، فرجع شايل ابنه، ودخل البيت.
لقى عايدة مستنياه على السفرة.
أول ما قعد، قال لها
تعرفي مين كان هنا؟
هزت رأسها بالنفي.
قال الماضي.
ابتسمت وقالت وإنت عملت معاه إيه؟
رد وهو يبص لياسين اللي بيضحك
سيبته مكانه... ودخلت أكمل مستقبلي.

تم نسخ الرابط