قصه كاملة

لمحة نيوز

الدنيا لفت في ثانية، واللي كانت واقفة تخدم في المطبخ بعباية متبهدلة صلصة، بقت هي الوحيدة اللي الكل بيترجاها تبص في وشهم! الكل جمد في مكانه والصدمة ألجمت الكل لما الباب اتفتح ودخل الراجل اللي البلد كلها بتعمله ألف حساب..
البسي المريلة يا إيمان، العيلة مش جاية تتفرج عليكي وقاعدة وسطهم كأنك ضيفة! قالتها أمي، ميرفت، وهي بترص الشوك والسكاكين على السفرة الطويلة، بنظرة فيها اهتمام بكل حتة معدن أكتر من كرامتي. أبويا، الحاج فاروق، كان عازم العيلة كلها على عشا ليلة الجمعة في بيتنا الكبير في التجمع، كان بيقول عاوزنا نتجمع زي زمان، مع إننا عمرنا ما كنا متجمعين بجد في البيت ده، كنا مجرد ناس متبهدلة من الجوا ومتزوقة من البرة، متربين على المظاهر الكدابة. على الساعة ستة المغرب، البيت كله كان ريحته بط ومحاشي وريحة برفيوم غالي، أختي الكبيرة شاهندة وصلت بفستانها الشيك وجوزها سيف اللي شغال في البورصة، وبناتهم التوأم اللي لابسين زي عرايس المولد، وأخويا تامر جه وصوته جايب آخر الشارع، شايل في إيده علبة شوكولاتة مستوردة غالباً جايبها بفيزا أبويا. الأعمام والخلان والخلات وباقي القرايب بدأوا يهلوا، سلامات وبوس كداب وكلام كله فشر عن العقارات، والشركات، ومصايف الساحل الطيب والشرير. وأنا؟ أنا كنت مدفونة في المطبخ. أمي رمت في إيدي المريلة كأنها بتمضيني على وصل أمانة وقالتلي أنتِ أكتر واحدة بتفهمي في المطبخ، مش عاوزين فضايح، اطبخي وقدمي الأكل وبوسي إيدك وش وزهر إنك قاعدة في وسطنا. الرضا بالهم.. ده اللي علموهوني من وأنا عندي سبعتاشر سنة، أرضى بلقمتي وأرضى إني بشتغل في شركة المقاولات بتاعة أبويا من غير مرتب ثابت، وأرضى إني سيبت كليتي لما الشركة وقعت وقالوا لازم كلنا نضحي، مع إن مفيش حد ضحى بجد غيري. شاهندة كملت علامها في بيروت عشان أمي شايفة إنها واجهة، وتامر خد ملايين عشان يفتح تلات مشاريع وفشل فيهم كلهم وقعد في البيت، وأنا اللي كنت بظبط الفواتير وأرد على التليفونات وأخدم ستي الله يرحمها وهي عيانة، وكل ما حد يشوفني يقول إيمان دي هي السند، شايلة البيت كله. السند ده هو الشخص اللي مطلوب منه يشيل حمول تكسر الضهر، ومن غير ما حد يفكر يسأله أنت قادر تتنفس ولا لأ. فضلت واقفة أطبخ، أتابع الفراخ والبط في الفرن، وأغرف المحشي والمكرونة البشاميل، وأغسل المواعين، وألف بالعصاير والبيبسي على الناس، وكل ما أدخل الصالة أسمع أمي وهي بتمجد في شاهندة وتقول بنتي الكبيرة دي طول عمرها وش السعد وبتعرف تخطف العين، وبعدين تشاور على تامر وتدعي له وده بقى.. حوت سوق، مولود عشان يبقى رجل أعمال. ومحدش فكر يسأل عليا، ولا حد خد باله إن طبقي محطوط فاضي جنب حوض المطبخ. على الساعة تمانية، وأنا واقفة بدعك الصواني المحروقة وسامعة ضحكهم برة، جرس الباب رن، وفجأة، الصوت في الصالة انقطع تماماً. سمعت خطوات تقيلة في الممر، وبعدها صوت الشغالة الصغيرة وهي بتقول لأبويا بنبرة كلها خوف وقلق يا حاج فاروق.. في حد برة طالب يقابل حضرتك. أنا مرفت عيني حتى، قولت أكيد ضيف متأخر من معارف أبويا، بس فجأة المطبخ نفسه ضلم، ووقف على الباب راجل هيبته تملا المكان، لابس بدلة سودا شيك جداً وقميص أبيض، طويل ومتزن وعينيه فيها نظرة حد مش محتاج يعلي صوته عشان الناس توسع له. عينيه لفت في الصالة، وبص على المطبخ لحد ما ثبتت عليا. أنا كنت واقفة إيدي مبلولة صابون، وشعري ملموم كحكة كدا أي كلام، وعلى كم عبايتي حتة صلصة. الراجل ده مشي خطى ثابتة وسريعة ناحيتي، وقبل ما أنطق بكلمة واحدة، مسك إيدي اللي غرقانة صابون بكل حنية وطيبة خلت قلبي يتنفض، ووطى راسه وقال أنا أسف يا حبيبتي.. اتأخرت عليكي. الصالة كلها مابقتش قادرة تتنفس، أمي وشها جاب ألوان ووقعت من طولها على الكرسي، شاهندة وقفت مذهولة، وتامر ساب الكوباية من إيده واتصدم. الراجل ده مكنش مجرد ضيف، ده كان المستشار يوسف الألفي، صاحب أكبر مجموعة فنادق وقرى سياحية في مصر، الراجل اللي أبويا بقاله ست شهور بيبوس إيد المساعدين بتوعه عشان ياخد منه عقد مقاولات ينجد بيه شركته من الإفلاس. والراجل ده لسه قايل عليا حبيبتي قدامهم كلهم. أبويا وقف على رجليه وصوته بيرعش ووشه هرب منه الدم إيمان.. أنتِ تعرفي يوسف بيه؟ يوسف بص للمريلة اللي مربوطة على وسطي، وبعدين بص للسفرة اللي مليانة أكل ومعمولة حساب كل البشر إلا أنا، ونظرة عينيه اتغيرت وبقت زي النار وقال أعرفها كويس جداً، دي خطيبتي، ومستني أفهم دلوقتي حالا، هي ليه واقفة تغسل المواعين والكل قاعد بياكل ويضحك؟ تفتكروا إيه اللي هيحصل بعد الصدمة دي؟ وهل أبويا وأمي هيقدروا يداروا كدبهم؟ اللي جاي هيفجر مفاجآت محدش يتوقعها! في 
إيمان سحبت إيديها بهدوء من بين إيد يوسف، وبصت له نظرة امتنان صغيرة، لكنها كانت ثابتة. عمرها ما كانت بتحب تستقوى بحد، حتى لو كان الشخص ده يقدر يغيّر
 

تم نسخ الرابط