الغرفة 412
بحدة أنا مش همشي غير لما الدكتور المسؤول يطلب مني.
نظر إليّ لثوانٍ، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال واضح إنك شجاعة... لكن الشجاعة هنا ممكن تكلفك كتير.
وقبل ما يكمّل كلامه...
فتح باب الغرفة، ودخل كبير الأطباء ومعاه مدير المستشفى.
أول ما شافوا المحامي، سأله المدير وصلتك الأخبار؟
أومأ المحامي برأسه.
أيوه... حد دخل المخزن القديم.
قطبت حاجبي باستغراب.
مخزن إيه؟
ساد صمت قصير.
ثم قال مدير المستشفى ده موضوع ما يخصكيش.
لكن قبل أن يغادروا...
سمعنا صوت ارتطام قوي في آخر الممر.
ركض الحراس ناحية الصوت، بينما انطفأت أنوار الجناح كله لثانيتين.
ولما رجعت الإضاءة...
كان باب الغرفة مفتوحًا.
والحارسان اللذان كانا يقفان بالخارج ملقيين على الأرض فاقدَي الوعي، من غير أي آثار دماء أو إصابات خطيرة.
انطلقت صافرات الإنذار من جديد.
أحد الحراس صاح اقفلوا الطابق بالكامل!
تحول المكان إلى فوضى.
أما أنا...
فاتجهت غريزيًا نحو السرير لأطمئن على المريض.
لكنني تجمدت في مكاني.
كانت الوسادة خالية...
ثم رمشت بعيني بسرعة.
لا...
آدم ما زال في مكانه.
حاولت أهدأ نفسي، وأقنعت نفسي إن الخوف بدأ يخدع بصري.
في تلك اللحظة، وقع بصري على شيء صغير تحت طرف السرير.
انحنيت والتقطته.
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، منقوشًا عليه رقم واحد فقط
17
اتسعت عيناي.
تذكرت الكلمة الوحيدة التي نطق بها قبل دقائق
المفتاح...
خبأت المفتاح بسرعة داخل جيب الرداء قبل أن يلاحظه أحد.
وبعد ثوانٍ دخل كبير الحراس يفتش الغرفة بنفسه.
راح ينظر في كل زاوية، ثم وقف أمام السرير وقال بصوت منخفض
أكيد كان هنا...
سألته بتدوروا على إيه؟
التفت إليّ وقال على حاجة لو وقعت في إيد الشخص الغلط... هتغيّر كل حاجة.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة إلى هاتفي من رقم مجهول.
لم يكن فيها سوى خمس كلمات
لا تسلمي المفتاح لأي أحد تبادل الحراس النظرات، وفي لحظات كان الممر كله مليان برجال الأمن.
أحدهم أمسك بجهاز اللاسلكي وقال بسرعة راجعوا الكاميرات... محدش يطلع ولا ينزل.
وقفت مكاني، وقلبي بيدق بعنف.
أنا مجرد ممرضة...
إزاي لقيت نفسي وسط كل ده؟
بعد دقائق، دخل كبير الحراس الغرفة، وأغلق الباب خلفه بنفسه.
لفّ بعينيه المكان كله، ثم اقترب من السرير.
نظر إلى آدم للحظات طويلة، ثم قال بصوت منخفض
لو سامعني... إحنا لسه واقفين معاك.
لم يحدث شيء.
استدار ليغادر، لكنه توقف فجأة.
نظر إليّ وقال
من النهارده، أي حاجة تحصل جوه الأوضة دي... تبلغيني أنا الأول.
سألته بتردد
فيه حد بيحاول يقتله؟
لم يجب مباشرة، ثم قال
فيه ناس نفسها تتأكد إنه عمره ما يفوق.
خرج، وأغلق الباب.
مرّت ساعات، وعاد الهدوء مرة أخرى.
اقتربت من السرير أغيّر المحلول، ولاحظت أن أصابع آدم تتحرك حركة خفيفة جدًا، كأنها بتحاول تشير إلى شيء.
اتبعت اتجاه أصابعه...
كان ينظر نحو الكومود الصغير بجوار السرير.
فتحته.
لم أجد سوى مصحف صغير، وساعة يد قديمة متوقفة عند الساعة 917، ومسبحة خشبية.
أخذت الساعة أتأملها.
في اللحظة التي لمستها فيها...
فتح باب الغرفة بعنف.
دخل رجل في الخمسين من عمره، أنيق جدًا، وخلفه اثنان من الحراس.
قال بثقة
أنا المحامي الخاص بالأستاذ آدم.
ناولني أوراقًا.
دي تعليماته القانونية قبل الحادث... لو حالته اتغيرت بأي شكل، لازم يتم إبلاغي فورًا.
أخذت الأوراق، لكن قبل أن أتكلم...
صدر صوت خافت من خلفي.
التفتُّ بسرعة.
كان مصدره السرير.
اقتربت أكثر...
سمعته مرة ثانية.
صوت ضعيف جدًا... بالكاد يُسمع.
انحنيت بجوار آدم، وقلبي يكاد يتوقف.
حرك شفتيه بصعوبة شديدة...
ولأول مرة منذ ستة أشهر...
خرجت منه كلمة واحدة فقط.
المفتاح...
نظرت إليه في ذهول.
مفتاح إيه؟
لكن ملامحه عادت إلى السكون، وكأنه استنفد كل ما يملك من قوة.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه، ثم قال للحراس بلهجة صارمة
أخرجوا الممرضة من هنا حالًا... يبدو أن الوقت بدأ ينفد تجمدت يدي وهي ممسكة بالهاتف.
رفعت رأسي بسرعة، ونظرت حولي.
لم يكن أحد قريبًا مني.
الحراس منشغلون بتفتيش الغرفة، والطبيب يتحدث مع مدير المستشفى، والمحامي يقف عند النافذة وكأنه ينتظر شيئًا.
إذن...
من الذي يعرف أن المفتاح معي؟
وضعت الهاتف في جيبي بهدوء، وتظاهرت أن شيئًا لم يحدث.
بعد دقائق، اقترب مني كبير الحراس وقال
من النهارده... هيتم تفتيش أي حد يدخل أو يخرج من الجناح.
ابتسمت ابتسامة متوترة وأنا أشعر بثقل المفتاح في جيبي.
لو فتشوني...
سينتهي كل شيء.
لكن قبل أن يبدأ التفتيش، دوّى صوت من جهاز اللاسلكي
الدكتور المسؤول عن الحالة... بسرعة على الغرفة 412.
ركض الجميع نحو السرير.
استغللت انشغالهم، وأخرجت المفتاح بسرعة، ثم نظرت حولي أبحث عن مكان أخفيه.
وقعت عيني على غلاف المصحف الموجود فوق الكومود.
ترددت لحظة...
ثم وضعت المفتاح داخل الجراب القماشي الذي يحفظ المصحف، وأعدته كما كان.
بعد ثوانٍ، انتهى الارتباك.
كان السبب مجرد هبوط بسيط في ضغط الدم، وعادت الأجهزة للعمل بشكل طبيعي.
تنفست الصعداء.
لكن راحتي لم تدم طويلًا.
دخل رجل مسن، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ولم يكن يشبه الحراس ولا الأطباء.
بمجرد دخوله، وقف الجميع احترامًا.
حتى المحامي.
اقترب الرجل من السرير، نظر إلى آدم طويلًا، ثم قال بهدوء
واضح إنك بدأت ترجع.
التفت إلى مدير المستشفى.
كل الموجودين يخرجوا... إلا الممرضة.
نظرت إليه بدهشة.
خرج الجميع بالفعل، وأغلق الباب.
أصبحنا ثلاثة فقط...
أنا... وآدم... وذلك الرجل الغامض.
التفت إليّ وقال
اسمي فؤاد.
لم يذكر لقبًا، ولم يشرح من يكون.
ثم سألني سؤالًا غريبًا
آدم قالك أي كلمة غير المفتاح؟
هززت رأسي بالنفي.
ظل ينظر في عيني، وكأنه يحاول يعرف إذا كنت أخفي شيئًا.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وضعه فوق الطاولة وقال
لو آدم فتح عينيه قبل ما أرجع... سلميّه الظرف ده، وممنوع أي حد غيره يفتحه.
سألته
ولو حد حاول ياخده؟
أجاب بهدوء
ارفُضي... مهما كان اسمه.
ثم غادر الغرفة.
اقتربت من الطاولة أتأمل الظرف.
كان مختومًا بإحكام، لكن لفت انتباهي شيء مكتوب بخط صغير على ظهره
لا يُفتح إلا بحضور ندى.
تراجعت خطوة في ذهول.
أنا؟
كيف يعرف اسمي؟
ومن الأساس... لماذا كتب اسمي على ظرف أُعدّ قبل أن يستفيق آدم؟
وقبل أن أستوعب ما يحدث...
صدر من جهاز المراقبة صوت مختلف هذه المرة.
التفتُّ نحو السرير...
فرأيت جفن آدم يتحرك بوضوح للمرة الأولى، ثم بدأ يفتح عينيه ببطء شديد...حبست أنفاسي.
اقتربت من السرير ببطء، وأنا غير مصدقة ما أراه.
جفناه ارتفعا قليلًا...
ثم أكثر...
حتى ظهرت عيناه بالكامل.
كانت نظرته ثابتة، لكنها مرهقة، كأنها تحاول استيعاب المكان بعد شهور طويلة من الظلام.
ضغطت فورًا على زر استدعاء الطبيب.
خلال ثوانٍ، امتلأت الغرفة بالأطباء والحراس.
بدأ الأطباء يفحصونه بسرعة، يسلطون الضوء على عينيه، ويطلبون منه أن يحرك أصابعه.
وبصعوبة شديدة...
حرك إصبعه مرة واحدة.
قال كبير الأطباء بفرحة دي استجابة ممتازة... لكنه محتاج راحة تامة، وممنوع أي ضغط عليه.
وقبل أن يكمل كلامه...
رفع آدم يده ببطء، وأشار نحوي أنا.
تبادل الجميع النظرات.
اقترب الطبيب منه وسأله تقصد الممرضة؟
أغلق آدم عينيه وفتحهما مرة واحدة، وكأنه يؤكد.
قال الطبيب طيب... دقيقة واحدة بس.
خرج الجميع على مضض، لكن اثنين من الحراس بقيا أمام الباب.
وقفت بجوار السرير وأنا متوترة.
همست حضرتك سامعني؟
حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج ضعيفًا جدًا.
اقتربت أكثر حتى أسمعه.
قال بكلمة متقطعة
اقفلي... الباب.
نظرت إلى الباب، ثم إلى الحارسين.
قلت ما ينفعش.
كرر بصعوبة أكبر
اقفلي... الباب.
أخبرت الحارسين أن المريض يريد بعض الهدوء، فأغلقا الباب من الخارج دون أن يبتعدا.
عدت إليه.
فتح عينيه بصعوبة وقال
الظرف...
تذكرت الظرف المختوم.
أخرجته من الدرج ووضعته أمامه.
لكنه هز رأسه بالنفي.
ثم قال
مش... ده.
تسارعت دقات قلبي.
أمال أي ظرف؟
رفع عينيه إلى الكومود المجاور، ثم همس
تحت...
فتحت درج الكومود.
لم أجد شيئًا.
رفعت الدرج نفسه بحذر...
فتفاجأت بوجود تجويف صغير مخفي داخل الخشب.
وفي داخله...
ظرف قديم جدًا، عليه طبقة من الغبار، وكأنه مخبأ منذ سنوات.
أخرجته ببطء.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا استيقظ آدم