كرامه معروضة للبيع الجزء الثاني

لمحة نيوز


لما لقى القانون الجديد هيخرجه من المحلات وهيضيع عليه الإيجار القديم، بدأ يدور ورا الأوراق لحد ما وصل لعنوانكم وعرف إن عم مصطفى راجل طيب وعلى قده، وميعرفش قيمة الأوراق اللي معاه. بدل ما يديله حقه، قرر يشغلك عنده عشان يفضل عينيه عليكي وعلى عيلتكم، ويبقى عارف كل خطوة بتخطوها. ولما عرف إن ظروفكم صعبة، جه وعمل حكاية التلاجة والعفش والمساعدات دي... مكنش بيساعدكم لله يا بنتي، ده كان بيسكت ضميره بفتات من فلوسكم إنتوا، وكان خايف في أي لحظة تكتشفوا الحقيقة وتطالبوا بحقكم، فكان بيذلك ويصغركم عشان تفضلوا دايماً حاسين بقلة الحيلة وتفضلوا تحت ضرسة!
الحاج عبد الرحيم ضرب كف بكف وقال بغضب
يا لطيف يا رب! ياكلوا مال اليتيم والغلابة ويوهموهم بالفضل والمنة؟ دي تجارة بالدين وبالإنسانية في أبشع صورها! طب وإنت عرفت طريقنا إزاي يا أستاذ مجدي؟
المحامي ابتسم وبصلي
أنا كنت المحامي اللي ماسك قضية تصفية تركة قديمة لشركاء جِد سلمى، ولقيت الأوراق الأصلية وعقود الملكية وصور إعلام الوراثة. فضلت شهور بدور على عم مصطفى لحد ما عرفت عنوان بيته، ولما روحت هناك، والدتك قالتلي إنك شغال هنا عند الحاج عبد الرحيم، وجيت عليكي فوراً. يا آنسة سلمى، إنتوا ليكم إيجارات متأخرة وتعويضات ومحلات تسوى ملايين في السوق انهارده!
خرجت من المحل يومها وأنا مش قادرة أمشي من كتر الزلزال اللي جوايا. روحت البيت جري، لقيت ماما قاعدة جمب بابا وهو تعبان وبيكح. دخلت رميت الأوراق في حضنهم والدموع مغرقة وشي، وقعدت على ركبي قدام بابا وحكيتلهم كل حاجة.
بابا بكى بكاء مرير، بكاء راجل عاش طول عمره شايل الهم ومستحمل الغُلب، ولقى فجأة إن كرم ربنا ملوش حدود. وماما كانت بتلطم على وشها وبتقول
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مدحت أنت وأهلك! بقى تذل بنتي وتخليها تشيل كراتين وتمسح سلالم بفلوس أبوها؟ بقى التلاجة والعفش القديم اللي كنتوا هتعملوا بيهم علينا أسياد، هما تمن حقنا اللي واكلينه؟
المحامي مخيبش رجانا. في خلال أسبوعين، رفع القضية وقدم الأوراق والمستندات الرسمية للمحكمة. أستاذ مدحت جاله المحضر لحد المحل، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن السحر انقلب على الساحر.
في يوم من الأيام، وأنا واقفة مع الحاج عبد الرحيم في المحل، لقيت أستاذ مدحت داخل، بس المرة دي مكنش الراجل المتكبر اللي حاطط إيده في جيبه وبيمشي بالسم في كلامه. كان وشه أصفر، وظهره محني، وعينيه مكسورة ومليانة رجاء.
قرب مني ودموعه في عينيه وقال بصوت مرعش
سلمى... يا بنتي... أنا جاي وطمعان في كرمكم. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن الشيطان عماني، بس أرجوكي بلاش المحاكم وبلاش الفضايح وطردنا من المحلات. إحنا هنعوضكم وهنديكم اللي تطلبوه، بس بلاش تخربوا بيتي.
بصيتله وأنا حاسة بنظرة عزة وفخر عمري ما حستها قبل كده. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة إن العدالة الإلهية نزلت من السماء مخصوص عشان تطيب خاطري وخاطر أبويا وأمي.
قلتله بهدوء شديد
أستاذ مدحت... إحنا مش هنخرب بيتك، لأن إحنا ناس بنعرف الأصول ومبناكلش حرام ولا بنحب الأذى. بس الحق حق. المحلات دي هترجع لأبويا، والإيجار هيبقى بالقيمة العادلة بتاعة انهارده، وكل مليم أخدتوه من ورا ضهرنا هيرجع. وإطمن... الشيك اللي مرتك أخدته من الحاج عبد الرحيم الميت ألف جنيه، ده أول حاجة هتتخصم من حسابك وترجع للحاج، لأن الراجل ده اشترى كرامتي في وقت إنت وعيلتك كنتوا بتبيعوا وتشتروا فيها.
أستاذ مدحت وطى راسه في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، ومشي وهو مكسور البال، بعد ما عاش سنين فاكر إن القرش والفهلوة يقدروا يغطوا على الظلم.
مرت الشهور، والمحكمة حكمت لنا بكل حقوقنا. استلمنا المحلات والأرض، وحياتنا اتغيرت تماماً. نقلنا بابا لمستشفى كبيرة واتعالج وبقى صحته بوم الحمد لله، وأخويا الصغير دخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها وهو مطمن إن مصاريفه متأمنة.
لكن أهم حاجة عملتها، إني روحت للحاج عبد الرحيم في مكتبه. حطيت قدامه شنطة فيها فلوس الشيك بالكامل، وفوقيها عقد شراكة في المحل الجديد اللي كنا بنفتحه.
بصيتله وقلت وعيني مليانة امتنان
الحاج عبد الرحيم... الفلوس دي تمن الشيك اللي فكيت بيه كربي ورفعت بيه راسي قدام الناس. وعقد الشراكة ده، تمن إنك علمتني إن الدنيا لسه فيها خير، وإن كرامة البني آدم متتقدرش بمال.
الحاج عبد الرحيم ابتسم والدموع في عينيه وقال
أنا كسبت بنت يا سلمى، والتجارة مع أولاد الأصول دايماً كسبانة.
النهارده، وأنا واقفة في محلي الكبير في وسط البلد، وببص لنفسي في المراية، بفتكر الأيام الصعبة... بفتكر طفية النفس وأنا شايلة الشنط على كتفي وطالعة الخمس أدوار، وبفتكر اللحظة اللي أستاذ مدحت قالي فيها اطلعي اغسلي المواعين.
ببتسم وبقول لنفسي الحمد لله. الجميل عمره ما كان استعباد، والفقر مش عيب، بس العيب هو إن الواحد يرضى بالذل. ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير، بس المهم إن البني آدم يفضل محافظ على كرامته ونفسه عزيزة... لأن الكرامة هي الحاجة الوحيدة اللي لو راحت، مفيش مال في الدنيا يقدر يرجعها.

 

تم نسخ الرابط