ابويا وقف قدام الادارة
المحتويات
واقف قدام قاعة الاجتماعات مستني تعليمات... ومحدش عارف ياخد قرار.
أنا فضلت قاعد مكاني.
ولا اتكلمت.
ولا ابتسمت.
أبويا أخيرًا كسر الصمت.
إيه اللي إنت عايزه؟
بصيت له بهدوء.
أنا جيت النهارده بصفتي موظف قدّم استقالته... مش ابنك.
الكلمة نزلت على القاعة كلها كأنها حجر.
دنيا قامت بعصبية.
إنت بتبتزنا!
لفيت ناحيتها.
الابتزاز إنك تستخدمي توقيعي من غير إذني... وبعدين تخلّي أبويا يعاقبني أنا.
لون وشها اتغير.
لأول مرة... ما عرفتش ترد.
في اللحظة دي، منى فتحت ملف جديد وحطته قدام أبويا.
قبل ما الأستاذ كريم يقدم استقالته، سلّمنا تقرير مراجعة كامل.
أبويا فتح أول صفحة.
وبعدين التانية.
وبعدين التالتة.
كل صفحة كانت فيها مستندات تثبت إن دنيا عدلت تواريخ، ووافقت على مدفوعات، واستخدمت صلاحيات مش من حقها.
إيده بدأت ترتعش وهو بيقلب الورق.
رفع عينه عليها ببطء.
الكلام ده... حقيقي؟
دنيا فقدت ابتسامتها لأول مرة.
بابا... أنا كنت...
لكنها ما كملتش.
لأن محمود حط فلاشة صغيرة فوق الترابيزة وقال بهدوء
وعليها تسجيلات النظام... وكل خطوة اتعملت باسمها، بالتاريخ والساعة.
القاعة كلها بقت ساكتة.
وأبويا فهم إن الشخص اللي كان بيطلب منه يعتذر...
كان الوحيد اللي كان بيحاول ينقذ الشركة من کاړثة كانت هتضيع كل حاجة.
أبويا فضل باصص للفلاشة كأنها قنبلة ھتنفجر في إيده.
بص لدنيا... ثم بص لي.
قولي إن ده مش حقيقي.
دنيا اتلخبطت، وإيديها بدأت ترتعش.
بابا... الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
محمود فتح اللابتوب، وشغّل تسجيلات النظام قدام الكل.
الشاشة كانت بتعرض كل حركة اتعملت على الحسابات.
اسم دنيا.
الوقت.
التاريخ.
رقم العملية.
وفي أكتر من مرة ظهر استخدام صلاحياتي الإلكترونية وأنا أصلًا كنت وقتها بره الشركة في سفرية عمل، وده مثبت بسجلات الدخول.
المراجع الخارجي قال بهدوء
وده معناه إن التوقيع الإلكتروني تم استخدامه بدون موافقة صاحبه.
منى كملت
وده يندرج تحت تزوير مستندات داخلية، ولو أي جهة رقابية وصلت للملفات دي، الشركة كلها هتدخل في أزمة.
أبويا حط إيده
على جبينه.
كان أول مرة أشوفه بالشكل ده.
مش غاضب...
مڼهار.
دنيا قامت من مكانها بسرعة.
أنا عملت كده علشان الشغل ما يقفش... والله ما كنت أقصد أضر حد.
بصيت لها بهدوء.
لو كنتِ قلتي الحقيقة من أول يوم، كنت هساعدك.
لكن إنتِ اخترتي تكذبي...
ولما كشفتك، خليتِ أبويا يعاقبني بدل ما يحاسبك.
الدنيا سكتت.
حتى صوت التكييف كان باين.
بعد دقيقة طويلة، أبويا وقف.
لف ناحيتي.
ولأول مرة من سنين...
قال قدام كل الموجودين
أنا غلطت.
الجملة كانت تقيلة عليه.
تقيلة لدرجة إن صوته اتكسر.
كان لازم أسمعك الأول.
ما رديتش.
هو كمل.
وبرجع قرار إيقافك من اللحظة دي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهزيت راسي.
للأسف... القرار جه متأخر.
مديت إيدي بظرف أبيض كان قدامي.
دي الاستقالة الأصلية... واتقبلت قانونيًا من ساعة ما اتسجلت امبارح.
وش أبويا شحب.
يعني... خلاص؟
خلاص.
قام بسرعة وقرب مني.
الشركة محتاجاك يا كريم.
بصيت حواليّ.
على الترابيزة...
على الكراسي...
على المكان اللي قضيت فيه أكتر من عشر سنين من عمري.
وقلت بهدوء
الشركة عمرها ما كانت محتاجة كريم...
كانت محتاجة حد يوافق على كل حاجة ويسكت.
وأنا مبقتش الشخص ده.
لفيت ومشيت ناحية الباب.
قبل ما أفتحه، محمود نادى عليّ.
إنت رايح فين؟
ابتسمت لأول مرة.
أبدأ من جديد.
خرجت من الشركة...
من غير ما أبص ورايا.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه...
إن دي ما كانتش نهاية الحكاية.
لأن بعد خروجي بساعتين...
أكبر عميل في الشركة بعت إخطار رسمي بوقف التعاقد، وطلب نقل ملفاته بالكامل إلى الشركة الجديدة اللي كنت هشارك في تأسيسها.
وساعتها...
أبويا أدرك إن خسارته الحقيقية ما كانتش موظف...
كانت ابنه الوحيد اللي كان شايل الشركة على كتفه طول السنين.
بعد يومين...
الخبر كان منتشر في السوق كله.
كريم الشاذلي استقال من شركة الشاذلي للنقل.
ناس كتير افتكرت إني هقعد في البيت كام شهر، أو إني هرجع أول ما أبويا يكلمني.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
أنا كنت مخلص كل الإجراءات من قبل ما أقول كلمة ماشي في مجلس الإدارة.
استأجرت مقر صغير في التجمع.
ولافتة بسيطة اتعلقت على الباب
K Logistics.
لا مكاتب فخمة.
ولا عربيات آخر موديل.
ولا سكرتارية بعشرة موظفين.
أنا... وخمسة أفراد بس.
كلهم ناس اشتغلوا معايا سنين، وقرروا يمشوا بإرادتهم بعد استقالتي.
واحد منهم قال لي
إحنا ما مشيناش عشان الفلوس... إحنا مشينا عشان بنشتغل مع حد بنثق فيه.
الكلمة دي كانت أغلى عندي من أي عقد.
في الناحية التانية...
شركة أبويا بدأت تدخل في مشاكل كل يوم.
عميل يشتكي.
شحنة تتأخر.
سواقين يقدموا استقالات.
وموظفين بقوا حاسين إن أي حد يقول الحقيقة ممكن يبقى مصيره زي مصيري.
أما دنيا...
فقدت منصبها رسميًا بعد ما مجلس الإدارة فتح تحقيق داخلي.
لكن التحقيق ما وقفش عندها.
كل الملفات القديمة اتفتحت.
وكل توقيع اتراجع.
وكل عملية دفع اتراجعت من أول وجديد.
بعد أسبوع...
تليفوني رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة كان
أبويا.
فضلت أبص للموبايل ثواني.
وبعدين رديت.
صوته كان هادي بشكل غريب.
ممكن أشوفك؟
سألته
بصفة إيه؟
سكت شوية.
وبعدين قال
بصفة أب.
الكلمة هزتني...
بس ما بينتش.
اتفقنا نتقابل في قهوة قديمة كان بياخدني ليها وأنا صغير بعد المدرسة.
وصل قبلي.
أول ما شفته...
حسيت إنه كبر عشر سنين في أسبوع واحد.
الراجل اللي كان الكل بيهابه...
كان قاعد لوحده، قدامه فنجان قهوة برد.
قعدت قصاده.
ولا واحد فينا اتكلم.
هو اللي بدأ.
أنا خسړت ابني.
بصيت له.
قال وهو موطي عينه
وأكتشفت متأخر إن اللي كنت فاكره حماية لبنتي... كان ظلم ليك.
طلع من جيبه ظرف صغير.
زقه ناحيتي.
فتحته...
لقيت فيه قرار رسمي.
عزل دنيا من أي منصب إداري داخل الشركة.
وكمان...
قرار بإلغاء كل الجزاءات اللي اتسجلت ضدي.
قال بصوت مكسور
عملت اللي أقدر أصلحه.
قفلت الظرف بهدوء.
وقلت
وده يصلح الشغل...
لكن مش هيصلح السنين اللي كنت كل مرة فيها بتصدق غيرها.
دموعه لمعت لأول مرة.
قال
اديني فرصة.
أخدت نفس طويل.
وبعدين قلت
الفرصة دي مش هتبقى بالكلام...
هتبقى بالأفعال.
سكت...
لكن قبل ما أقوم، قلت له آخر جملة
أنا سامحتك كأبويا...
لكن كشريك في الشغل...
كل واحد فينا خلاص بقى له طريق.
قمت ومشيت.
وأنا
خارج من القهوة،
متابعة القراءة