قصه كاملة
الست دي افتكرت إنها لما تسيب طفلين توأم عندهم 5 سنين في وسط زحمة مطار القاهرة وتختفي جوه الطيارة، إنها هربت بعملتها للأبد.. بس مكنتش تعمل حساب الراجل اللي كان واقف مراقب كل حاجة من بعيد، واللي خد قرار في ثانية واحدة هيغير حياة الكل!
صالة مطار القاهرة الدولي كانت زحمة كالعادة، ريحة القهوة المحوجة مخلوطة بصوت العجل بتاع الشنط وهو بيجري على الأرضية الملساء. أصوات النداء الآلي بتدخل في بعضها، وموجات البشر بتتحرك بسرعة تحت الإضاءة البيضاء القوية. كنت لسه راجع من مأمورية رسمية وموجّه مع القوة اللي معايا ناحية استراحة كبار الزوار لما شفتها. ست لابسة بالطو بيج شيك جداً، وبتتحرك في الصالة بسرعة غريبة كأن الأرض بتولع تحت رجليها، مكنتش بتبص وراها أبداً، وسايبة وراها طفلين ملهوفين بيلهثوا عشان يلحقوها. ولد وبنت، توأم عندهم حوالي خمس سنين، ملامحهم زي الملايكة، وشوشهم خاېفة ومړعوپة، الخۏف اللي بيجي للأطفال لما يتعودوا إن أي صوت هيعملوه هيخلي الكبار يغضبوا عليهم أكتر. وقفت في مكاني فجأة، والعساكر اللي معايا وقفوا ورايا علطول. الرائد أحمد، رئيس مكتب ومساعدي، قرب مني وقالي بصوت واطي يا فندم، تحركنا مستنينا في الممر الشمالي، لكن رجلي مالمستش الأرض، فضلت ثابت في مكاني وعيني عليهم. الست شاورت بإيدها لكرسيين سود عند بوابة 17 من غير ما توطي، من غير ما تلمسهم، ومن غير ما تقول كلمة واحدة تطمنهم. العيال قعدوا بسرعة وبمنتهى الخۏف والطاعة، البنت الصغيرة كانت ماسكة دبدوب قديم مقطع ومتبهدل وضامّاه لصدرها بقوة، وأخوها حط إيده في إيدها وهو بيبص للست بړعب كأنه بيترجاها بعينه تفضل. الست بكل برود أدت تذكرتها لموظف البوابة، المكنة زمرت، دخلت الممر اللي بيوصل للطيارة، وافتكت! من غير ما تبص وراها بصة واحدة! وسط كل الزحمة دي، مئات البشر بيعدوا من جنب الطفلين ومحدش بيلتفت، كأن وجود طفلين مكسورين لوحدهم في المطار بقى مجرد خلفية عادية في المشهد اليومي. الولد جسمه كله كان بيترعش، والبنت عينيها على الباب المقفول وشفايفها بتتهز، ومحدش فيهم عيط. أنا شفت رجالة پتبكي في أوقات الشدة، وشفت ظروف صعبة تنهد ليها الجبال، بس السكوت المرعب لطفل عارف إن محدش راجعله بيوجع أكتر من ضړب الڼار في وسط المعركة. الطفل اللي لسه عنده أمل بيعيط وېصرخ، إنما الطفل اللي فهم اللعبة بدري بيسكت خالص. قبل ما أفكر بعقلي، كانت رجلي بتاخدني ناحيتهم، الرائد أحمد نده عليا يا فندم..، رفعت إيدي إشارة ليه إنه يثبت في مكانه. نزلت على ركبتي قدام التوأم، عشان ما يكونش طولي بالبدلة العسكرية بيخوفهم، وعشان يشوفوا عيني قبل ما يشوفوا رتبتي. البنت بصتلي في عيني علطول، من غير خوف ولا هروب، وده وجعني
أكتر. سألتها بحنية فين مامتكم يا حبيبتي؟، الولد بصل للأرض وهمس بصوت مړعوپ بالله عليك ما ترجعناش ليها.. هي مش مامتنا أصلاً. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت بصدري بيضيق. اسمكم إيه؟، البنت قالت أنا فريدة.. وده ياسين.. إحنا توأم وعمرنا خمس سنين. قعدت على الكرسي جنبهم، ورجالتي انتشروا في المكان بذكاء يحمونا من غير ما يخوفوا الأطفال. الرائد أحمد راح ناحية مكتب البوابة بسرعة وبحسم رجل عارف إن دي مش مجرد مشكلة عادية، دي چريمة. الشاشة فوق البوابة كانت بتعلن إن الصعود للطيارة لسه شغال، الست دي افتكرت إنها لما تقفل باب الممر وراها هتسيب حمل تقيل وتكمل حياتها، وافتكرت إن العيال دي هتضيع في زحمة المطار وتبقى مشكلتها مشكلة حد تاني، مكنتش تعرف إن ربنا وقفلها في المكان ده راجل حالف يمين يحمي كل ضعيف ومكسور. لفيت وبصيت للرائد أحمد، عيني كانت مليانة ڠضب، وناديته بصوت حازم يا أحمد!. الموظفة على البوابة اتجمدت في مكانها، وعساكر أمن المطار بدأوا يتحركوا ناحيتنا، والطيارة ورا الإزاز لسه واقفة ومتحركتش، والركاب جواها مش عارفين إن الطيارة دي مش هتتحرك خطوة واحدة، وإن الدنيا بره على وشك تتقلب. أخدت نفس طويل، وطلعت الأمر اللي مفيش فيه تراجع. تفتكروا العقيد حازم هيعمل إيه مع الست دي؟ وهل هيقدر يرجع حق فريدة وياسين اللي اتكسروا