صحيت الساعة 2:3 الفجر

لمحة نيوز

متوتر.
كريم لما بيتوتر...
بيمثل.
يفضل يعبي الكوبايات اللي محدش طالبها، ويسأل أسئلة هو مجهز إجابتها من قبل.
الساعة سبعة تمانية وعشرين...
جرس الباب رن.
قال بسرعة
أنا هفتح.
قلت بهدوء
لأ... أنا اللي هفتح.
وفعلًا...
أنا اللي فتحت.
كانت داليا واقفة قدام الباب، لابسة بالطو أحمر، وشايلة شنطة جلد، وشعرها لازق في جبينها من المطر.
قالت بابتسامة عملية
مدام مريم؟ أنا داليا... جاية بخصوص الأوراق.
قلت
اتفضلي.
دخلت وهي مبتسمة، لكن أول ما شافت السفرة والناس كلها، ابتسامتها اختفت شوية.
في اللحظة دي ظهر كريم ورايا بسرعة، لدرجة إنه كاد يخبط في كتفي.
وقال
جت في وقتها... إحنا خلاص قربنا نخلص.
بصيتله وقلت
بالعكس... ده أنسب وقت.
ولا حد اتحرك.
أخدتها لحد السفرة، وسحبتلها الكرسي الفاضي اللي في آخر الترابيزة.
وقلت
اتفضلي اقعدي.
صوت كريم اتغير.
مريم...
بصيتله وقلت
مش ده اللي كنت مخططله؟
ماهر نزل الشوكة من إيده.
وجيهان بصت لإيمان.
أما إيمان...
ففضلت باصة في مفرش السفرة.
ضحك كريم ضحكة صغيرة وهو بيحاول يحافظ على شكله قدام الناس.
وقال
يا حبيبتي... ممكن نتكلم في الموضوع ده على انفراد؟
ابتسمت وقلت
للأسف... الخصوصية عمرها ما نفعتنا.
ساد صمت تقيل.
لفيت ناحية داليا وسألتها
هو جوزي قالك إيه بالظبط عن الأوراق اللي جاية توثقيها؟
رمشت باستغراب وقالت
قالي إنها تعديلات في أوراق خاصة بالميراث.
سألتها
قالك إنه هيشيل اسمي من الأوراق بصفتي مراته؟
فتحت بقها...
وقفلتها تاني.
اتقدم كريم خطوة وقال بعصبية
كفاية.
بصيتله وقلت بهدوء
اقعد.
وللمفاجأة...
قعد فعلًا.
وده اندهش منه كل اللي قاعدين.
فتحت درج البوفيه، وطلعت الملف اللي كنت مجهزاه.
نسخ من الأوراق، وعلامات ملونة، وتواريخ.
حسام كان بيعشق التنظيم.
ناولت الملف لداليا وقلت
قبل ما توثقي أي حاجة النهارده، لازم تعرفي إن فيه دعوى ڼصب واحتيال مرفوعة بخصوص الأوراق دي. وكمان فيه مأذون تاني برة مع مكتب المحامي.
ماهر قام من مكانه پعنف وقال
يا نهار أبيض يا كريم!
أما جيهان فقالت وهي مصډومة
أنا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط... كنت متأكدة.
أما إيمان...
فمن ساعة ما دخلت...
لسه مرفعتش عينها في عيني.
فاضطريتها تعمل كده.
بصيتلها وسألتها بهدوء
من إمتى؟
وشها شحب.
وقالت بصوت مهزوز
مريم...
قلت وأنا ببصلها بثبات
لأ... من إمتى؟
كريم قاطعني بسرعة وقال
إيمان ملهاش أي علاقة بالموضوع.
ضحكت.
ضحكة طالعة من القهر.
وقلت
إيمان شريكة في الشقة اللي اتشرت باسم الشركة الوهمية بتاعتك. يبقى أكيد ليها علاقة.
ماهر شرق وهو بيلع ريقه.
أما جيهان، فلفت ناحية إيمان بسرعة لدرجة إن حلقها اتعلق في شعرها.
عينين إيمان لمعت بالدموع.
وقالت بصوت مهزوز
الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
الجملة القديمة دي...
لسه الناس بتستخدمها لحد دلوقتي.
بصيتلها وقلت
طيب أنا فاكرة إيه؟
حطت إيديها الاتنين على الترابيزة وقالت
في الأول كنت بساعده في إدارة حقوق نشر رواياتك بره مصر، لأنه قالي إنك مضغوطة ومش بتحبي تدخلي في التفاصيل. وبعدها بقينا بنتقابل على الغدا... وبعد كده...
وسكتت.
جيهان سألتها بحدة
وبعد كده بقت فيه الشقة؟
إيمان بصتلها كأنها نست إنها موجودة أصلًا.
أما كريم فقال بنبرة حادة
إحنا مش هنتكلم في الكلام ده قدام الناس.
لفيت ناحية داليا وقلت
الأفضل تتصلي بمكتبك وتبلغيهم إن المقابلة دي اتلغت.
هزت راسها بسرعة.
أكيد... ده التصرف الصح.
كريم قام من مكانه وقال
استني... اقعدي. أرجوكي. ده كله سوء تفاهم.
لكن داليا ماقعدتش.
وفجأة...
سمعنا خبطة قوية على الباب.
المرة دي كريم بصلي بجد.
ولأول مرة...
القناع وقع من على وشه.
اختفى الزوج الهادي الواثق...
وظهر راجل محاصر، بيحسب في دماغه هيخرج من الورطة دي إزاي.
روحت فتحت الباب.
دخل المحامي حسام، ومعاه مساعدته دنيا، وكمان محضر المحكمة، راجل ضخم الجسم بشكل يخوف.
أول ما شافهم كريم قال بانفعال
إيه اللي بيحصل ده؟
حسام ناوله ظرف كبير وقال بهدوء
دي أوامر قضائية بوقف أي تصرف في الأصول والممتلكات المحددة، وإخطار رسمي ببدء الدعوى، وأوامر بالحفاظ على كل المستندات. أنصحك تقراهم براحة.
جيهان همست وهي مصډومة
يا نهار أبيض...
أما ماهر، فمد إيده على الجاكيت وهو بيتجنب يبص في وش أي
حد.
جبان...
يمكن جبان عملي، لكنه في الآخر جبان.
إيمان قامت بسرعة لدرجة إن كوباية النبيذ وقعت منها، وفضلت تلف على الترابيزة، والنبيذ الأحمر انتشر على مفرش السفرة الأبيض في خط مائل.
ولا حد اتحرك ينقذه.
أول ما كريم مسك الأوراق...
عمل اللي أي واحد زيه بيعمله.
بدأ يقلب الحقيقة بطريقته.
في الأول لعب دور المجروح.
وقال
مريم... بدل ما تتكلمي معايا، روحتي لمحامي؟
وبعدين غير نبرته وقال
إنتِ متوترة... وفي حد لعب في دماغك.
ولما لقى ده مجبش نتيجة...
قال بعصبية
إنتِ أصلًا متعرفيش حاجة عن تعقيدات إدارة الفلوس.
ولما فشل في كل ده...
جرب أكتر أسلوب كنت بكرهه.
لعب دور الضحېة اللي بيشفق عليا.
وقال
إنتِ أصلًا عمرك ما كنتِ عايزة تشيلي المسئولية... إنتِ اللي طلبتي مني أدير كل حاجة.
بصيتله بهدوء وقلت
إني أوكلك على حاجة... غير إني أديهالك.
فكه اتحرك من الڠضب.
أما حسام...
فماقالش ولا كلمة.
وده خلاه يكبر في نظري أكتر.
وبعدين كريم لعب آخر ورقة عنده.
بص على ماهر...
وبعدين على جيهان...
وبعدين على إيمان، اللي الماسكارا كانت سايحة تحت عينها...
وقرر إن أفضل سلاح باقي معاه...
هو إنه يحرجني قدام الكل.
قال كريم وهو بيبصلنا كلنا
خلاص... عايزين تعرفوا الحقيقة؟ أنا كنت بحمي الأسرة دي من تهورها. كانت ممكن تدي فلوسها لأي حد، وتثق في أي شخص، وتمضي على عقود توديها في داهية. هي عايشة في عالم الروايات... وكان لازم يبقى فيه حد عايش في الواقع.
مش عارفة إذا كان قال الكلام ده عشان يكسرني قدام كل الناس...
ولا لأنه فعلًا كان مقتنع بيه.
يمكن الاتنين.
روحت ناحية البوفيه.
فتحت الدرج.
وطلعت الكشكول الأزرق القديم...
اللي محدش شافه من سنين.
أول دفتر كنت بسجل فيه كل حاجة.
من أيام أول روايتين كتبتهم بإيدي، وأنا قاعدة في المغسلة مستنية الغسيل يخلص، لأن غسالتنا كانت بايظة ومكنّاش نقدر نصلحها.
كل جنيه دخل من الروايات.
كل مصروف مدارس.
كل قسط بيت.
كل ضريبة.
حتى مصاريف الأكل.
كلها بخط إيدي.
حطيته قدام كريم.
وقلت
فاكره؟
بصله...
بس ما لمسوش.
فتحت على صفحة معينة.
مارس ١٩٩٧.
أول دفعة فلوس من روايتي التانية.
وبعدها بثلاث أيام...
دفعت بيها المبلغ اللي أنقذ مشروع المطعم بتاعك من الحجز، المشروع اللي طلبت مني وقتها ما أقولش للأولاد عنه، عشان على حد كلامك كان بيكسرك.
ماهر رفع عينه وبص لكريم.
ودي كانت أول مرة يبان عليه الارتباك.
قلبت صفحة تانية.
يونيو ٢٠٠١.
العربون اللي أخدته من رواية جديدة دفع مصاريف أول سنة جامعة لابننا، بعد ما استثمارك وقف واتجمدت فلوسك.
وقلبت صفحة كمان.
يناير ٢٠٠٨.
أنا اللي دفعت مرتبات الموظفين في شركتك الاستشارية.
جيهان قعدت على الكرسي بهدوء، كأن رجليها مبقتش شايلة جسمها.
بصيت لكريم وقلت
مين فينا كان بيحمي التاني؟
وشه احمر لحد رقبته.
مد إيده ناحية الكشكول...
لكن سحبته قبل ما يلمسه.
والحركة دي وجعته أكتر من كل الأوراق والقضايا.
مش بسبب الكشكول نفسه...
لكن لأنه لأول مرة أخد حاجة مني، وما قدرش يستردها.
الاسم اللي على الغلاف
خرج كريم من البيت الساعة تسعة والربع.
شايل شنطتين هدوم.
ووشه...
الصورة دي هتفضل محفورة في ذاكرتي لحد آخر يوم في عمري.
ما صرخش.
ولا اټخانق.
أظن إنه استنفد كل اللي عنده.
حسام بلغه إنه ممنوع يطلع أي حاجة تانية من البيت.
ودنيا صورت الدولاب اللي في الممر بعد ما أخد شنطه.
إجراءات روتينية.
ماهر وجيهان مشيوا من غير حتى ما يستنوا التحلية.
أما إيمان...
فوقفت قدامي وقالت
ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
قلت من غير تردد
لأ.
عيطت...
وبرضه مشيت.
أول ما الباب اتقفل...
البيت رجع هادي بشكل غريب.
صوت التلاجة.
وصوت الساعة.
وصوت المطر وهو بينزل بهدوء على المزاريب برا المطبخ.
فضلت واقفة أبص على بقعة النبيذ الحمرا فوق مفرش السفرة الأبيض.
قالت دنيا، اللي واضح إنها شافت مواقف أغرب من دي بكتير
حطي عليها شوية مياه غازية الأول.
وفعلًا...
قعدنا الساعة عشرة بالليل ننضف بقعة النبيذ، بينما حسام بيتكلم مع مكتبه في التليفون عنح
الإجراءات اللي هتتم يوم الاتنين.
ليلة عادية...
في بيت
عمره ما كان عادي.
ولما كلهم مشيوا...
قفلت الباب بالمفتاح.
ودخلت مكتب كريم.
لأ...
مكتبي أنا.
كانت لسه فيه ريحة البرفيوم بتاعه، ممزوجة بريحة الورق والحبر.
فتحت الدرج السفلي اللي كان مخبي فيه ملفات أرباح رواياتي.
وشلتها.
وحطيت مكانها الكشكول الأزرق.
في أول الدرج.
بعدها شلت الإطار اللي فيه أول طبعة من أول رواية نشرتها.
وكان تحتها لوحة معدنية مكتوب عليها
مريم الشرقاوي
صوت أدبي جديد ومبهر.
فضلت باصة للإطار شوية.
كنت ممكن أسيبه زي ما هو.
لكن ما عملتش كده.
جبت سکينة زبدة من المطبخ.
فكيت بيها ضهر الإطار.
طلعت اللوحة المعدنية.
وكسرتها بإيديا نصين.
مش عشانه...
لكن عشان خلاص.
اكتفيت من إني أشيل اسم مبقاش يمثلني، بس لأن الناس اتعودت تشوفه.
الإزاز هز جوه الإطار.
واتجرح طرف صباعي چرح صغير.
مصيت نقطة الډم.
ودورت على قلم.
وخدت ورقة من الورق اللي كان على مكتب كريم.
وكتبت اسمي الحقيقي...
مريم عادل.
كتبته مرة.
وبعدين كتبته تاني.
وبعدين للمرة التالتة...
ببطء أكتر.
لحد ما نص الليل عدى.
وكان المطر وقف.
والبيت كله بقى ساكت...
ما عدا صوت القلم وهو بيشطب اسم الشرقاوي من على الملاحظات القديمة، والملفات، وكل جزء من حياتي كان فاكر إنه بقى ملكه.

تم نسخ الرابط