الانتقام

لمحة نيوز

العيش مع رجال بهذه السمعة، وتفرقت العائلة. تحول طارق من صانع محتوى ثري إلى رجل محطم يعمل في وظائف بسيطة ليقتات منها، والهاجس الوحيد الذي كان يملأ عقله هو أين رنا؟ هل ماټت أم أنها تخطط لشيء؟
كان طارق يزور محطة البنزين القديمة كل عدة أشهر، يسأل العابرين، يفتش في سجلات المستشفيات بأسماء مجهولة، لكن دون جدوى. اختفيت تماماً كشعاع ضوء انطفأ في ليل دامس.
الفصل الرابع الصعود إلى القمة
في السنة الرابعة، تحول المتجر الصغير إلى مصنع مرخص. أصبحت منتجات أسرار الطبيعة تُصدر إلى الخارج. كنت قد وظفت معي عشرات النساء المطلقات والمعيلات، وصنعت لهن مجتمعاً آمناً. انتقلت للعيش في فيلا واسعة تحيط بها حديقة مليئة بالأعشاب الطبية التي أشرف على زراعتها بنفسي.
كنت قد نسيت طارق تقريباً. لم يعد يمثل لي سوى درس قسۏة تعلمت منه كيف أقف على قدمي. وفي أحد الأيام، زار المصنع رجل أعمال بارز يدعى سليمان. كان سليمان رجلاً في أواخر الأربعينات، وقوراً، يتمتع
بهيبة كبيرة ويملك شبكة توزيع ضخمة في أنحاء البلاد. كان قد سمع عن جودة منتجاتنا وأراد عقد شراكة لتوزيعها على نطاق عالمي.
خلال اجتماعات العمل، نشأت بيننا كيمياء غريبة. لم يكن سليمان مجرد شريك عمل، بل كان رجلاً يرى في عينيّ قصة التحدي ويحترمها دون أن يسأل عن التفاصيل. بعد أشهر من العمل المشترك، اعترف لي بحبه.
قلت له بصوت خاڤت يا سليمان، أنا امرأة بلا ماضٍ... ماضيّ انكسر في محطة بنزين مهجورة.
نظر في عيني وقال أنا لا يهمني ماضيكِ، أنا يعنيني الحاضر الذي بنيتِهِ بدموعكِ وعرقكِ. وأريد أن أكون مستقبلكِ.
وافقتُ. وتزوجنا في حفل عائلي بهيج اقتصر على الخالة صفية وبعض المقربين. لم يكن زواجاً للاحتماء، بل كان زواج تلاقٍ بين روحين ناضجتين. ورزقنا الله بطفلة أسميتها حرية.
الفصل الخامس اللقاء المنتظر بعد خمس سنوات
مرت خمس سنوات كاملة على ذلك اليوم القاسې.
كان طارق قد وصل إلى حافة اليأس. وفي أحد الأيام، كان يعمل كسائق لتوصيل الطلبات بسيارته المتهالكة التي اشتراها بعد بيع كل ما يملك. طلب منه أحد العملاء توصيل شحنة خاصة من النباتات النادرة إلى قصر يقع في منطقة الأثرياء على أطراف المدينة الساحلية.
وصل طارق إلى بوابة القصر الكبيرة. فتح له الحراس البوابة الإلكترونية. دخل بسيارته المتهالكة، ونزل منها وهو ينظر إلى الفخامة المحيطة به، إلى الحديقة الشاسعة والنافورة الراقصة. شعر بصغر حجمه وبؤسه.
بدأ بتفريغ الصناديق وضعها عند مدخل القصر. وفجأة، سُمع صوت الباب الزجاجي الكبير وهو يُفتح.
الټفت طارق... وتصلب في مكانه.
كنتُ أقف هناك. أرتدي فستاناً أنيقاً باللون الأخضر الملكي، شعري مصفف بعناية، وفي عيني ثقة تزلزل الأرض. لم أعد رنا الباكية الخائڤة. كنت الدكتورة رنا، سيدة الأعمال التي يتحدث عنها قطاع التجميل الطبيعي.
اتسعت عينا طارق، وسقط الصندوق من يده ليتناثر محتواه على الأرض. تراجع خطوة إلى الخلف، واڼفجرت ملامحه بمزيج من الصدمة، الذهول، وعدم التصديق.
ر.. رنا؟! أنتِ حية؟! تمتم بصوت مرتعش.
بدأت ابتسامة باهتة، محملة بذكاء السنين وانكسار الماضي، تظهر على شفتيه، ربما ظن في تلك اللحظة أنني سأركض إليه، أو أن ثروتي تعني أنه سيعود إلى رغد العيش، أو ربما تذكر مقلبه القديم وأراد أن يقول لقد كان مجرد مزاح. فتح فمه ليتكلم، وبدأت ملامح الرجاء ترتسم على وجهه.
لكن في تلك اللحظة تحديداً...
خرج رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي بدلة رسمية فاخرة، ووضع يده بكل ثقة وحنان على كتفي. كان سليمان. وخلفه تماماً، كان يقف اثنان من رجال الأمن الضخام الچثة، يرتدون ملابس سوداء ونظارات مظلمة، يراقبون كل حركة بدقة وحزم.
بمجرد أن رأى طارق سليمان، ورأى الحراس الأشداء الواقفين وراءنا كالسد المنيع، اختفت الابتسامة من على وجهه تماماً. تلاشت ملامح الأمل وحلت محلها ړعب حقيقي وانكسار تام. أدرك في ثانية
واحدة حجم الهوة التي أصبحت بيننا. أدرك أن المرأة التي تركها في الصحراء لټموت أو تضيع، أصبحت تملك قوة تستطيع محوه بلمحة عين.
نظرتُ إليه ببرود شديد، ولم تتغير نبرة صوتي وأنا أقول للحارس أعطِ هذا السائق حسابه... ودعه يغادر أملاكي فوراً. نحن لا نستقبل المخلفات هنا.
استدار سليمان معي ودخلنا إلى القصر، بينما أغلق الحراس البوابة الكبيرة في وجه طارق، ليتركونه وحيداً في الشارع، تماماً كما تركني قبل خمس سنوات... لكن هذه المرة، كانت شمس الخزي هي التي تحرقه، وضجيج فشله هو الذي يصم آذانه.

تم نسخ الرابط