مرات اخويا الثاني

لمحة نيوز

الزعل في القلب يا مريم.. بس أنا مسامحاه بيني وبين ربنا، لأن ربنا بيحب المسامحين.. بس المسامحة حاجة، وإن الحياة ترجع زي الأول حاجة تانية خالص. الثقة لما تتكسر زي الإزازة، لو لزقتيها بتفضل باينة فيها الشروخ.
في اليوم الخامس، على الساعة أربعة العصر، خبط الباب.. خبطات هادية جداً وتتردد، كإن اللي بره خاېف يخبط.
قمت فتحت الباب..
ولقيت أحمد واقف بره.
شكله كان متغير بشكل يخوف.. خس نص وزنه في كم يوم، عيونه كانت غاطسة ومحوقة بأسود، دقنه طالعة وشعره مش متظبط، وولابس هدوم دبلانة.. كان شكله كإنه كبر عشر سنين في أربع أيام.
أول ما فتحت الباب، بص لي بكسرة، وشفته بترتعش.. ومحسيتش بنفسي غير وهو بينزل على ركبه على باب الشقة ومسك رجلي وبيعيط باڼهيار زي الأطفال!
سامحيني يا فادية! أرجوكي يا أختي سامحيني! والله العظيم أنا كنت أعمى! والله الغل والسم بتاعها كان عامي عيني! أنا فداء جزمتك يا أختي.. اضربيني، اهينيني، اعملي فيا اللي إنتي عايزاه بس ما تحرمينيش منك ومن رضاكي عليا!
الموقف كان صعب.. صعب أوي على أي أخت تشوف أخوها الصغير والسند بتاعها بالمنظر ده على باب شقتها.
البنات جريوا من جوه لما سمعوا صوته، مريم وشهد وقفوا ورايا ودموعهم نازلة على خالهم اللي كان بيبكي بكسرة ۏجع.
مسكته من دراعاته بكل قوتي وحاولت أرفعه قوم يا أحمد! قوم يا ابن أبوي وأمي! ما ينفعش راجل يوطي كده قدام حد! قوم أدخل جوه!
أحمد قام وهو بيترعش وششه مغرق دموع، دخل الصالة وقعد على الأرض مش راضي يقعد على الكنبة حتى!
قال بصوت مبحوح ومخڼوق أنا ماليش عين أقعد على كرسيكي يا فادية.. أنا جيت أقولك إن حجزي للسفر بكره بالليل.. أنا مسافر الخليج وشايل بنتي معايا، ومش هعرف أسافر ولا أعيش هناك وأنا حاسس إنك غاضبانة عليا أو إنك شايلة مني.. أنا طلقت شيماء، ونهيت كل حاجة كانت بتربطني بيها.. اكتشفت إنها كانت بتكرهك وتكره بناتك من زمان عشان إنتي عزوتي وناسي، وكانت عايزة تقطعني عنكم عشان أبقى لوحدي وتحت إيدها.
بصيت له وقلت بصوت هادي وفيه مرارة أنا مش زعلانة من شيماء يا أحمد.. شيماء غريبة، والغريب يعمل أي حاجة.. أنا زعلي كان منك إنت! إنت اللي من دمي، إنت اللي عرفني وفاهم طبعي.. إزاي هان عليك تتهمني بالسړقة؟ إزاي قدرت تسمعها وهي بتشتمني وتطرد بناتي وتهينهم قدام عينك وما
تفتحش بقك بكلمة؟ إزاي يا أحمد؟
أحمد حط إيده على وشجه وبكى بحړقة شيطان يا فادية.. شيطان ودخل بينا! هي فضلت توش في ودني من الصبح وتستغل إن المراية اتكسرت والدهب اختفى وتزن على دماغي لحد ما غطت على عقلي.. أنا غبي.. أنا أحقر بني آدم في الدنيا، وحقك على راسي ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان ترضي عني.
قربت منه، وقعدت قدامه على الأرض، ومسكت إيديه الاثنين..
وقلت له أحمد.. إنت أخويا الوحيد.. وأنا اللي مربياك، والأم مابتكرهش ابنها مهما عمل.. أنا سامحتك يا أحمد.. سامحتك بيني وبين ربنا عشان خاطر أمنا وأبونا اللي تحت التراب، وعشان خاطر ربنا ما يحاسبنكش على كسرة قلبي.
أحمد بص لي بذهول والدموع نازلة من عيونه بجد يا فادية؟ سامحتيني بجد؟
كملت كلامي وقلت أيوة سامحتك.. بس السفرية دي لازم تطلعها وإنت مراجع نفسك ومغير طريقتك في الحياة. لازم تتعلم إن أقرب الناس ليك هم عيلتك وسندك، وإنك ما تدمّرش بيتك وتصدق كلام الفتن من غير ما تتأكد.. بنتك الصغيرة محتاجة أب قوي وراجل يتقي ربنا فيها، وما يخليش حد يظلمها زي ما إنت سمحت لمراتك تظلم بناتي.
أحمد مسك إيدي وباسها عشرات المرات، ودموعه كانت بتنزل على إيدي زي المية الدافية.. قام وقف وحضن بناتي مريم وشهد، واعتذر لهم كذا مرة وهو بيبكي ويقولهم سامحوني يا بناتي.. خالكم كان أعمى، والله العظيم إنتوا أشرف وأحسن بنات في الدنيا.
مريم وشهد حضنوه وبكوا معاه، والكسرة اللي كانت في قلوبهم بدأت تتدفأ بحنية لم الشمل.
قعد أحمد معانا بقية اليوم.. اتكلمنا كتيير، وفتحت له قلبي وقلت له كل اللي كان قاهرني. طلع كل الۏجع اللي جوانا وتصفينا..
ثاني يوم بالليل، رحنا معاه كلنا المطار عشان نودعه هو وبنته الصغيره نور..
في المطار، قبل ما يدخل بوابات السفر، أحمد حفرني بقوة وقال يا فادية.. الشقة بتاعتي في القاهرة أنا كتبت نصها باسمك ونستها باسم بنتي، والمحامي هيسلمك الأوراق بكره.. دي مش ثمن مسامحتك، دي حماية ليكي وللبنات عشان لو حصل لي أي حاجة وتبقوا مطمنين.
كنت هرفض بس هو مسك إيدي وقال بتوسل عشان خاطري يا أختي.. متكسفنيش، خليني أسافر وأنا حاسس إني عملت حاجة صح واحدة في حياتي.
ودعناه والدموع في عيوننا، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا ظلم.. كانت دموع وداع أمل في بكرة أعدل وأحسن.
سافر أحمد، ورجعت بيتي أنا وبناتي..
دخلت الصالة، وبصيت حواليا.. الشقة كانت هادية، والشمس بدأت تشرق من الشباك وتملى المكان بنور دافي.
مريم قعدت تذاكر بجد واجتهاد وهي مرتاحة البال، وشهد كانت بتلعب وبترسم وهي مبسوطة.. وأنا قعدت على مصلايتي، رفعت إيدي للسما وقلت
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. الحمد لله الذي نصرنا بالحق، وحفظ كرامتنا، ولمّ شملنا بعد الشتات.
تعلمت
من التجربة دي إن الخير اللي بنعمله للناس عمره ما بېموت ولا بيضيع.. حتى لو اتقابل في الأول بإهانة أو غدر، ربنا دايماً بيبص للقلوب وبيجيب الحق لأصحابه ولو بعد حين.. وأهم حاجة في الدنيا دي إن الإنسان يعيش مرفوع الراس، محتفظ بكرامته ونقاء قلبه، لأن الكرامة هي الحصن الوحيد اللي بيخلينا نقدر نبتسم ونكمل الحياة مهما كانت الصعاب.

تم نسخ الرابط