الملياردير
وقلت بهدوء
مين الراجل ده؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت
شخص من الماضي... وأنا كنت بدعي عمره ما يوصل هنا.
قبل ما تكمل، دوّى جرس الباب مرة تانية، أعنف من الأول.
دخل مدير الأمن وقال
يا فندم، الراجل مش راضي يمشي، وبيقول إنه معاه حاجة لازم يسلمها لمدام فاطمة بنفسها.
أمي رفعت رأسها فجأة.
ولأول مرة، شفت القلق الحقيقي في عينيها.
همست
بيقول... معاه إيه؟
مدير الأمن فتح ظرف بني كان الراجل سابه عند البوابة.
وقال
قال ما نفتحوش غير قدام حضرتك.
مديت إيدي وأخدت الظرف.
كان قديم...
ومتقفل بالشمع الأحمر.
عليه بخط إيد مهزوز
يُفتح فقط بحضور الحاجة فاطمة المنشاوي.
بصيت لأمي.
وشها فقد لونه.
قالت بصوت مخنوق
بعد كل السنين دي... لسه محتفظ بيه.
ندى همست بسرعة
بلاش يا طنط... مش دلوقتي.
لكن أمي مدت إيدها المرتعشة وقالت
لا... يمكن جه الوقت.
فتحت الظرف ببطء.
وقع منه مفتاح نحاسي قديم...
وصورة باهتة بالأبيض والأسود.
أول ما قلبت الصورة...
اتسمرت مكاني.
الصورة كانت لأمي وهي شابة...
واقفة قدام بيت قديم.
وبجوارها طفلة صغيرة ماسكة إيدها، وبتضحك.
رفعت الصورة قدام أمي وسألتها بدهشة
مين البنت دي؟
قبل ما تنطق بحرف...
سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي.
صرخ أحد أفراد الأمن من الخارج
الراجل دخل الفيلا!قفزت من مكاني، وخرجت أجري ناحية الصوت.
رجال الأمن كانوا بيحاصروا مدخل الفيلا.
وفي وسطهم وقف راجل في أواخر الستينات، هدومه مبلولة من المطر، وملامحه مرهقة، لكنه كان واقف بثبات.
أول ما شاف أمي على الكرسي المتحرك، نزل برأسه وقال
سامحيني... أنا جيت متأخر.
صرخت ندى وهي بتقرب منه
إنت إزاي دخلت هنا؟
رد بهدوء
كنت لازم أوصل قبل فوات الأوان.
أشرت لرجال الأمن يتراجعوا خطوة.
وسألته بحدة
إنت مين؟
رفع عينيه ناحيتي وقال
اسمي حسين.
وسكت لحظة، ثم أكمل
ووعد قطعته من أكتر من ثلاثين سنة... وجيت أوفي بيه النهارده.
أمي أغمضت عينيها، وكأن الاسم رجّعها لسنين بعيدة.
قالت بصوت خافت
افتكرت إنك مش هترجع.
رد حسين
كنت فاكر إن السر هيفضل مدفون... لكن الظروف اتغيرت.
أنا فقدت أعصابي.
قلت
حد يفهمني! إيه السر ده؟
نظر حسين إلى ندى، ثم قال
قبل ما أتكلم... لازم تعرف إن البنت دي أنقذت حياة والدتك مرتين.
استغربت.
قلت
مرة وأنا شايفها... والمرة التانية إمتى؟
ندى حاولت تقاطعه.
أرجوك... بلاش.
لكنه أكمل
من شهرين، الحاجة فاطمة تعبت جدًا بعد جلسة العلاج. الضغط نزل بشكل خطير، وكل الموجودين افتكروا إنها مجرد حالة إرهاق.
بصيت ناحية أمي، ثم إليه.
قال
ندى هي الوحيدة اللي لاحظت إن الحالة أخطر من كده، وأصرت تتصل بالإسعاف فورًا، رغم إن بعض الموجودين قالوا تستنوا الدكتور.
التفتُّ إلى مدير الفيلا.
فخفض رأسه وقال
الكلام ده حصل فعلًا يا فندم... ولولا إصرار الآنسة ندى، الدكتور قال وقتها إن التأخير كان ممكن يبقى خطير.
شعرت بغصة في حلقي.
أنا... حتى الحادثة دي ماكنتش أعرف عنها حاجة.
اقتربت من ندى وقلت
ليه محدش بلغني؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت
كنت مسافر في اجتماع مهم... والحاجة فاطمة قالت بلاش نقلقك.
ساد الصمت.
ثم أخرج حسين من جيبه دفترًا جلديًا قديمًا، حافظ عليه بعناية كأنه أغلى ما يملك.
وهو يمده نحو أمي، قال
احتفظت بيه طول السنين دي... لأنك طلبتي مني ما يفتحوش إلا لما ييجي اليوم المناسب.
ارتجفت يد أمي وهي تنظر إلى الدفتر.
ثم همست بكلمات جعلت الجميع ينظر إليها في دهشة
واضح إن اليوم ده... جه فعلًا.
وتوقف حسين قبل أن يفتح الدفتر، وقال
بس قبل ما أي كلمة تتقال... لازم كريم يعرف سبب إصرار ندى إنها تفضل جنب والدته من أول يوم دخلت فيه الفيلا...سادت لحظة صمت طويلة.
كل الأنظار اتجهت لندى.
كانت واقفة، إيديها متشابكة، وعينيها مليانة تردد.
قلت بحزم
أنا عايز الحقيقة... كلها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت
أنا ما قدمتش أشتغل هنا عشان المرتب.
استغربت.
قلت
أمال عشان إيه؟
قبل ما ترد، قالت أمي بهدوء
سيبيها... أنا اللي هقول.
هزت ندى رأسها باحترام، ورجعت خطوة للخلف.
تنهدت أمي وقالت
من حوالي سبع سنين... كنت راجعة من المستشفى بعد أول عملية كبيرة عملتها.
سكتت لحظة، ثم أكملت
العربية عطلت في طريق زراعي، والدنيا كانت شتا زي النهارده.
بدأت أسمع باهتمام.
قالت
وقتها تعبت جدًا... وماكانش معايا حد.
نظرت إلى ندى وابتسمت.
أول بيت خبطت عليه... كان بيتها.
اتسعت عيناي.
قالت أمي
أسرتها ما كانتش تعرفني، ولا تعرف اسمي، ولا تعرف إن معايا فلوس.
وأضافت
فتحوا الباب، ودخلوني، وغيروا لي هدومي المبلولة، وعملوا لي شوربة سخنة، واتصلوا بالإسعاف، وفضلوا جنبي لحد ما وصلت العربية.
نظرت إلى ندى.
كانت الدموع تلمع في عينيها.
قالت أمي
لما حاولت أسيب لهم فلوس... والد ندى رفض.
قلت بدهشة
رفض؟
ابتسم حسين وقال
قال لها وقتها الخير ما بيتباعش.
أكملت أمي
فضلت أدور عليهم بعدها، لكنهم كانوا سابوا البيت بسبب ظروف صعبة، وماعرفتش أوصل لهم.
تنهدت.
ولما ندى قدمت تشتغل هنا من ست شهور... ما عرفتش إنها نفس البنت.
بصيت إلى ندى بسرعة.
قلت
يعني إنتِ عرفتي أمي من أول يوم؟
هزت رأسها بالإيجاب.
أيوه.
وليه ما قلتيش؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
لأنها كانت نسيتني... وأنا ماكنتش عايزة أفكرها بحاجة عملتها لله.
شعرت بالخجل.
البنت اللي كنت فاكرها مجرد عاملة...
كانت بترد جميل قديم، من غير ما تطلب كلمة شكر.
وفجأة...
قطع حسين لحظة الهدوء وهو ينظر إلى أمي بقلق.
وقال
في حاجة تانية لسه ما تعرفهاش يا كريم.
أمي أغلقت عينيها وكأنها كانت تتمنى ألا تُقال هذه الجملة أبدًا.
أما ندى...
فهمست بسرعة
أرجوك... مش دلوقتي.
لكن حسين أمسك بالدفتر القديم بقوة، وقال
لو اتأخرنا أكتر من كده... الحق ممكن يضيع للأبد.
وانتهى الكلام... بينما مد يده ببطء ليفتح أول صفحة في الدفتر، الصفحة التي كانت مخبأة منذ أكثر من ثلاثين عامًا ارتعشت يد حسين وهو يفتح أول صفحة من الدفتر.
الورق كان أصفر من الزمن، لكن الكتابة كانت واضحة.
مد الدفتر ناحيتي وقال
اقرأ بنفسك.
أخذته وأنا مش فاهم.
كانت الصفحة الأولى عبارة عن مذكرات قصيرة، بخط يد رجل