حاضنة ابني المولود
كنت قاعدة حاضنة ابني اللي لسه مولود، ودخل عمي أوضة المستشفى ولمح علامات صوابع غامقة ومعلّمة على رقبتي. جوزي سند ضهره على الكرسي وبمنتهى البرود ابتسم وقال بس بعرّفها مين الكبير ومين اللي بيمشي كلامه في العيلة الجديدة دي. عمي قفل ستاير الأوضة بهدوء تام، وقلع سماعات الودن بتاعته وحطها على الترابيزة، وبصلي وقال بصوت هادي غمضي عينيكي يا بنتي. بس في اللحظة دي، حماي ذو النفوذ القوي عينه جت على وشم عسكري قديم وباهت على دراع عمي، ومن الړعب والخۏف الحقيقي اللي جواه جاله غثيان وبدأ يرجع، ووقتها عرفت إن جوزي عمل أكبر وأخر غلطة في حياته.
كنت حاضنة بنتي اللي لسه مولودة لما عمي رأفت شاف علامات صوابع إيدين زرقا وغامقة على رقبتي. الأوضة فجأة بقى فيها هدوء قاټل، لدرجة إني كنت سامعة صوت نفس بنتي الصغير وهي ماسكة في لبس المستشفى بتاعي.
جوزي طارق مكنش باين عليه حتى إنه مكسوف أو ندمان.
سند ضهره لورا على كرسي الزيارة، وحط رجل على رجل، وساعته الغالية كانت بتلمع تحت إضاءة اللمض. والده كان واقف جنبه زي التمثال، كتافه عريضة، شعره شايب، وهيبته تخوف ببدلته المتفصلة غالية الثمن.
طارق قال بلؤم بلاش الوش ده يا رأفت، هي اللي قعدت تصرخ وتعمل شوشرة.
عيني عمي اتنقلت من رقبتي لإيدي اللي كانت بترتعش.
ابتسامة طارق وسعت أكتر وقال بس بعرّفها ومفهمها مين الكبير في العيلة الجديدة دي.
حسيت ببطني سقعت وركبني خبطت في بعضها من الخۏف.
من ست ساعات بس، كنت لسه والدة ليلى بعد تمنتاشر ساعة تعب وۏجع. طارق وقتها كان عمال يشتكي من قهوة المستشفى، وأمه بصت للبنت وقالت على الأقل مناخيرها شبهنا. بعدها طارق قرب من سريري وهمس في ودني إن البيت بيته، والفلوس فلوسه، والبنت بتاعته، وإن لازم أتعلم أقول حاضر ونعم وأطيع الأوامر.
ولما قلتله إن عمي جاي في السكة، ضحك باستهزاء.
وقال الميكانيكي العجوز اللي مبيسمعش؟ قشطة، خليه يجي يتفرج.
العم رأفت مكنش أبويا، بس هو اللي رباني بعد ما أبويا وأمي ماتوا. علمني إزاي أغير زيت العربية، إزاي أظبط حساباتي، وإزاي أقف ثابتة ومتهزش لما الخۏف يهاجمني.
دلوقتي، هو قفل الباب وراه بهدوء.
ومشي لحد سريري وباس الغطا اللي ملفوفة فيه ليلى.
وقال بصوت خشن ودافي حلوة ما شاء الله.
طارق نفخ بضيق وقال اخلص، مش عايزين بتوع الشحم والزيوت يمسكوا عيال عائلات.
أنا نزلت عيني في الأرض، مش ضعف مني، بس عشان كنت عارفة إن في كاميرا صغيرة مستخبية في العروسة اللعبة بتاعة ليلى وموجهة بالظبط على الكرسي اللي قاعد عليه طارق.
من تلات شهور، بعد ما طارق خبطني في باب المطبخ، بطلت عياط وقررت أوثق كل حاجة. صور، تقارير طبية، تسجيلات صوتية، تحويلات بنكية، تهديدات، وحتى الرسائل بتاعة أبوه وهو
بيقوله اخرس البت دي ولم الدور، والإيميل بتاع محامي عيلتهم وهو بيعرض عليا فلوس عشان أمضي على تنازل عن الحضانة قبل ما أولد.
كل ده كان خلاص تحت إيد محامية متخصصة في قضايا العڼف الأسري، ومحقق، وقاضي تقيل قوي كان مدين لعمي رأفت بخدمة وعمر جميل من أيام الحړب، حاجة هما الاتنين عمرهم ما اتكلموا فيها قدام حد.
العم رأفت شد ستاير الأوضة براحة وقفلها.
وبعدين قلع سماعات الودن اللي بيسمع بيها وحطها على التربيزة.
وبصلي وقال بصوت هادي وراسي غمضي عينيكي يا بنتي.
في الناحية التانية من الأوضة، أبو طارق أخيرًا لمح الوشم العسكري القديم والباهت اللي على دراع عم رأفت.
ملامح وشه اتقلبت تمامًا والدم هرب منها.
وفجأة، انهار وبدأ يرجع في باسكت الژبالة....
الفصل الأول صمت ما قبل العاصفة
كان الهدوء في الغرفة أثقل من طن حديد. طارق لسه قاعد على كرسي الزيارة، لابس دبلته الذهبية اللي بتلمع في إضاءة المستشفى الباردة، وواخد وضعية المتربع على عرش الكون. بالنسبة له، العالم كله بيدور في فلك عيلته وأمواله وأسماءهم اللي بتتردد في صالونات رجال الأعمال.
أما والده، فكان لسه واقف جنب الترابيزة، عمال ياخد نفسه بصعوبة بالغة. الوشم الباهت اللي على دراع عمي رأفت مكنش مجرد رسومات عادية؛ كان رمزاً لكتيبة صاعقة قديمة سرية، وحدة من الوحدات اللي مكنش بينضم لها غير أشرس وأشجع رجال المؤسسة العسكرية في وقته. الحظ السيء أو الحقائق المدفونة خلت أبو طارق، بحكم شغله القديم في قطاع حساسة، عارف كويس أوي المعنى الحرفي للوشم ده، وعارف مين رأفت الصياد لما كان بيتحرك بتكليفات عليا، ولما كان اسمه لوحده بيزلزل ملفات كاملة.
عمي رأفت مبلعش ريقه، ولا اتنرفز، ولا حتى رفع صوته. بص لأبو طارق وهو بيتقيء وبيمسح بوقه بالمنديل، وقال بصوته الخشن الهادئ
شكل قهوة المستشفى مش عاجبك يا بيه.. ولا يمكن ريحة الظلم هي اللي وحشة النهاردة؟
أبو طارق رفع عينه المړعوپة، ووشه بقى أصفر باهت كأنه شاف شبح. حاول ينطق، شفايفه كانت بترتعش، وبص لطارق اللي مكنش فاهم أي حاجة وعايش في دنيا تانية من الغطرسة.
طارق عدل قعدته، وضحك ضحكة صفراء وقال بتهكم
أقولك إيه يا عم الحاج؟ بطل دراما البلدي دي. البت دي دخلت عيلتنا بالذوق أو بالڠصب، وأبوك عارف كويس احنا مين وممكن نعمل إيه في أي صرصار يحاول يقف قدامنا. خلصنا، قوم هات شوية مية لأبوك وخلينا نمشي، ورانا شغل.
عمي رأفت بص لطارق