وافقت اتجوز رجل بيموت

لمحة نيوز

 

"خير؟"

قال:

"أستاذ كريم طلب مني أنتظر لحد بعد الجنازة، وبعدها أجيلك وأقولك الحقيقة... الحقيقة الكاملة عن هو كان مين."

قلبي بدأ يدق بسرعة.

قبل ما أسأله أي سؤال...

طلع ظرف بني من شنطته، وادهولي.

وقال:

"كل الإجابات موجودة في الخطاب ده. هو اللي كتبه بنفسه، وطلب مني أسلمهولك بعد وفاته."

مسكت الظرف، وإيديا كانت بتترعش.

قفلت الباب، وقعدت على الكنبة، وفتحت الخطاب.

أول سطر كان مكتوب فيه:

"لقاؤنا... ماكانش صدفة."

وقفت شوية وأنا بحاول أفهم.

وكملت.

"أنا أعرفك من طول عمرك... وفضلت أراقبك وأحرسك في صمت سنين طويلة."

أول ما قريت السطر التاني...

رجليا خانتني.

الورقة وقعت من إيدي.

وانهرت على الأرض، وأنا مش مستوعبة اللي قريته...


​كمالاً لما قريته في الخطاب...
​«أنا أعرفك من طول عمرك... وفضلت أراقبك وأحرسك في صمت سنين طويلة. قبل ما أكون جوزك، أنا كنت نفس الولد الخجول اللي كان ساكن بعد بيتك ببيتين... وكان كل خريف بيتمنى إنك تعدي على ورشة عم "أرثر".»
​رجليّ خانتني ووقعت على الأرض. الورقة طارت من إيدي، والأستاذ شريف مسك كوعي يلحقني، بس مكنتش مستوعبة.
​بعد بيتين...
ورشة عم أرثر...
الممر الضيق...
ورائحة نشارة الخشب وشحم العجل...
​الذكريات هجمت عليا مرة واحدة لدرجة إن نفسي اتقطع.
​همست بصوت مكسور: «شارع سيلفر أوك...»
هز المحامي رأسه بهدوء.
​أنا عشت في الشارع ده لحد ما بقى عندي 14 سنة. بعدها، والدايا اتوفوا في حادثة عربية، وانتقلت لبيوت الرعاية. ناس غريبة جم لموا كل حاجتي في أكياس زبالة وأنا قاعدة في مكتب دار الرعاية ماسكة شنطة هدومي... ومن ساعتها مرجعتش هناك تاني.
​قلت للمحامي: «أنا فاكرة ولد... كان هادي وشعره أسود...»
رد الأستاذ شريف بصوت واطي: «كريم.»
​قلت بسرعة ومن غير تفكير: «لأ... مش ممكن!»
​كريم اللي أنا فاكراه من طفولتي كان شاب خجول جداً عايش مع جده وبيصلح العجل ورا البيت. لكن الراجل اللي اتجوزته كان بيضحك بسهولة، وبيحب المناقشة في الكتب!
​قعد المحامي على الكرسي قدامي وقال: «كريم فقد والده ووالدته وهو عنده 7 سنين، وعم أرثر هو اللي كبره ورَبّاه.»
​افتكرت إيدين عم أرثر الخشنة وصوته الدافئ. افتكرت لما كنت باخدله شوربة دافية لما يجيله دور برد، لأن أمي كانت دايمًا تقول "مفيش حد مفروض ياكل لوحده وهو تعبان". وكريم كان بيقف ورا باب الورشة يراقبني في صمت.
​وفجأة... افتكرت مواقف تانية.
عشة العصافير الخشب اللي عم أرثر كان بيعملها... ريحة الخشب المتأطع... ويوم سبت لما جه زبون مستعجل وعصبي يزعق لكريم عشان عجلة. كريم حاول يشرحله، بس التلعثم والتهتة زادوا عنده من الخوف. الراجل اتعصب أكتر وشد العجلة من إيده ومشي وهو بيشتم.
​كريم اختفى ورا الورشة قبل ما حد يلاحظ.
أنا دورته عليه ولقيته قاعد على الرصيف جنب الممر. مَقلتلوش "ولا يهمك" ولا "الغلط مش عليك"... قعدت جنبه ببساطة وبدأت أحكيله عن قطة صغنونة تائهة لقيتها تحت سلم بيتنا، وإنها بتبغض اللبن وبتعشق أربطة الجزم وعضت بابا!
وفضلت أحكي لحد ما الابتسامة رجعت لوش كريم ورجعنا الورشة سوى.
​أنا كنت نسيت اليوم ده تماماً... بس كريم عمره ما نساه.
​المحامي حط الورقة في إيدي تاني، فكملت قراية الخطاب بصوت بيترعش:
​«إنتِ اتكلمتي معايا وقتها وكأن مفيش أي حاجة حصلت... أنا كنت فاكر إن اللحظة البايخة دي هتخلي كل الناس تشوفني عاجز. بس إنتِ بكل بساطة سألتيني: "تفتكر القطة محتاجة اسم إيه؟". إنتِ اديتيني إحساس إني طبيعي، في وقت كان ممكن الشفقة فيه تكسرني.»
​ضغطت بالورقة على وشي وأنا بكي. المحامي فتح شنطته وتاني وطلع مذكرات جلد قديمة، حطها على الترابيزة وقال: «دي بتاعتك.»
​فتحت أول صفحة، لقيت كريم كاتب اسمي، وأول تاريخ كان بعد سنة واحدة من مشيي من شارع "سيلفر أوك":
«سيلينا... 15 سنة. أتمنى الثانوي يكون أرحم عليكي من السنة اللي فاتت.»
​والأمنيات كانت بتكمل كل سنة في يوم ميلادي:
«20 سنة... أتمنى تلاقي مكان مفيش حد يحط فيه حياتك في أكياس زبالة.»
«22 سنة... أتمنى تلاقي حد يضحك لما تضحكي.»
​كل سنة، كان بيفتح المذكرات يكتب أمنية واحدة ليا، ويرجع لحياته. المحامي حكالي إن كريم بقى مدرس تاريخ، هادي وجميل... كان دايمًا بيشيل وجبات أكل زيادة في مكتبه للطلبة الغلابة، وبيقعد بعد المدرسة مع العيال اللي بيخافوا يرجعوا بيوتهم.
​المحامي قال: «هو عمره ما خلا حياته تتمحور حوالين البحث عنك يا سيلينا... هو خلا حياته تتمحور إنه يبقى الشخص اللي طيبتك علمتُه إنه يكونه.»
​دموعي نزلت على الورق وسألت: «ليه متصلش بيا؟ ليه مأظهرش نفسه؟»
رد: «حاول مرة.» وطلع جواب أصفر قديم كان مبعوت لدار رعاية، ورجع مقفول ومكتوب عليه "لم يستلم". وبعدها عم أرثر نصحه إنه يسيبك تبني حياة جديدة من غير ما الماضي يطاردك.
​شهقت بصوت عالي لما افتكرت دور الطاولة... واختناق كلامه... وقصتي الهبلة عن الجمعية!
هو كان عارفني من أول لحظة!
​قريت الصفحة الأخيرة من الخطاب:
«لما غيرتي الموضوع في اليوم ده في الرعاية التلطيفية، الزمن رجع بيا لورا... رجعت شاب عندي 19 سنة، وإنتِ ماشية جنبي بتحكي عن قطة، لأنك فاهمة إن أحياناً ألطف حاجة تعمليها مع حد بيتألم هي إنك متدوريش في وجعه. إنتِ مكنتيش فاكرة... وده اللي خلا اللحظة أجمل بكتير.»
​سألت المحامي: «هو لقاني إزاي؟»
المحامي حط الرواية القديمة الففادية على الترابيزة، وفتحها...
​بين الصفحتين كانت فيه ورقة شجر شجر شجر خريف حمرا ومجففة.
افتكرت... في خريف من الزمان، استعرت منه روايته المفضلة، ولما رجعتها حطيت ورقة الشجر دي وقلتله بنكتة: «عشان عمرك ما تفقد المكان اللي وقفت عنده!»
​المحامي قال: «لما عرف إنه في المرحلة الأخيرة من المرض، وشاف اسمك في قائمة المتطوعين، طلب طلب واحد بس: "هي... لو هي موافقة". هو مطلبكيش عشان يكشفلك هو مين... هو طلبك عشان بعد سنين من تمني الخير ليكي في صمت، كان نفسه يشوف الإنسانة اللي إنتِ بقيتيها.»
​وكريم كاتب في أخر الخطاب:
«أنا متجوزتكش عشان أطلب امتنان... أنا كنت عايز أعرف هل الحياة كانت حنينة عليكِ ولا لأ. ولما دخلتي عليا بشوربة الخضار، ونضفتي غسيلي من غير ما تحسسيني بالضعف... عرفتك على طول. مش عشان شكلك... عشان إنتِ الوحيدة اللي بتخلي المكان أسهل إنه يتعاش فيه. وأنا مأفصحتش عن هويتي قبل ما أطلب إيدك، عشان ميكونش موافقتك نابعة من شفقة أو ذنب... كنت عايز قرارك بقلبك أنتِ.»
​في المذكرات، آخر سطر كتبه كريم كان بعد جوازنا بتلات أيام:
«35 سنة... عرفت إن الطيبة العادية عمرها ما كانت عادية للشخص المحتاج ليها... وأنا كمان عرفت ده.»
​بعد ست أسابيع... وفي الخريف، أخدت عربيتي ورجعت شارع "سيلفر أوك".
بيت عم أرثر مكنش موجود، والورشة بقت عمارة سكنية ضيقة. بس شجرة المابل الحمرا كانت لسه واقفة.
​قعدت تحتها ورواية كريم في حضني. فتحت الكتاب، ورقة الشجر الحمرا وقعت على رجلي.
كريم عاش حياته كلها بيشكرني على حاجة أنا مكنتش عارفة إني اديتهالها... مجرد يوم عادي، وبنت بتحكي عن قطة، ورقة شجر حمرا جوة كتاب.
​مسكت الورقة وهمست للشجرة: «انت قضيت حياتك كلها بتشكرني على حاجة أنا مكنتش أعرف إني عملتها...»
​سيبت الورقة تقع جنب جذور الشجرة... مكنتش برميها، كنت برجعها لمكانها.
قفلت الكتاب، وأخدته في حضني، ورجعت بيتي.

تم نسخ الرابط