لقيت رجل مرمي في الشارع
إيدها وبصت لشريف
وأبويا عبدالله؟
ابتسم شريف بشماتة
أبوكي عمل فيها بطل... وقفته على الصحراوي، ضربته بالنار وسبته ينزف، كنت فاكر ما حدش هيقف له. بس قبل ما يفقد الوعي كان لحق يخفي الدليل.
دموع مريم نزلت، بس رفعت موبايلها وقالت
شكراً...
شريف استغرب
على إيه؟
علشان أنت لسه معترف بحريتك وبصوتك.
المكالمة على الموبايل كانت شغال من وقت ما جريت على الاوضة. مريم كانت اتصلت برقم الطوارئ المباشر المكتوب في خطة الأمن اللي لقتها في شقة أدهم، وضابط التحقيقات الفيدرالية اللي بيحقق في قضايا الشركة بقاله شهور كان بيسمع كل كلمة!
في لحظات... صوت سارينات الشرطة والقوات الخاصة ملأ المكان، واقتحمت القوات الفيلا.
رجال شريف استسلموا، وشريف حاول يهرب من البلكونة بس رجال أدهم مسكوه، وإسماعيل ما أبداش أي مقاومة.
الفلاشة كان عليها تسجيلات وتحويلات مالية وأسماء مسؤولين متورطين، والمفتاح رقم 317 كان بيفتح أمانة في محطة القطار الرئيسية، لؤوا جواها الدفاتر الأصلية ورسالة بخط إيد عبدالله لمريم
مريم يا بنتي... لو بتقري الكلام ده يبقى أنا ما رجعتش. ما تخليش غيابي يوقف حياتك. خلي بالك من أحمد، بس ما تحمليش نفسك فوق طاقتك. إنك تساعدي الناس دي حاجة عظيمة، بس الشفقة اللي من غير حدود ممكن تبقى سجن لكِ.
مريم عيطت في سرها بحرقة.
لما أحمد أخوها صحي وجيه، شاف أدهم واقف والكلبشات في إيده مستني الترحيل.
أحمد سأل مريم
الراجل ده أذاكي؟
ردت مريم وهي بتبص لأدهم
حماني... واستغلني في نفس الوقت.
أدهم ما دافعش عن نفسه. النيابة عرضت عليه التنازل عن أملاكه ومساعدتهم لتفكيك الشبكة مقابل تخفيف العقوبة.
أمه اترجته ينكر كل حاجة عشان ينقذ اسم العيلة، بس أدهم رد
الاسم ده يدفع تمنه أرواح كتيرة أوي.
وكانت دي أول مرة أدهم ياخد قرار مش نابع من سلطته، لكن من تنازله عنها.
مرت الشهور...
شريف وإسماعيل اتحكم عليهم في قضايا قتل عمد وتجارة سلاح وتنظيم عصابي. وجزء من أموال الشركة المصادرة اتخصص لتعويض الضحايا.
مريم رجعت لشغلها في الطوارئ.
ال 200 ألف جنيه فضلت شهور جوه علبة الدقيق، لحد ما مريم سلمتها للنيابة كجزء من المضبوطات. ما كانتش عايزة تبدأ أي حاجة بفلوس ريحتها خوف.
أدهم وهو في السجن ما طلبش يشوفها، بس بعتلها جواب واحد
كان عندك حق... إن حمايتك مش معناها إن حابسك. دي كانت الطريقة الوحيدة اللي اتعلمتها عشان أحافظ على حاجة خايف أخسرها. مش مستني منك تسامحيني، أنتِ الليلة دي ما أنقذتيش حياتي بس... أنتِ أجبرتيني أبص لها صح.
مريم شالت الجواب... وما ردتش.
بعد سنة...
مريم افتتحت عيادة خيرية ليلية في منطقة شعبية، بتمويل من صندوق دعم ضحايا الجرائم، وسمتها عيادة عبدالله عبدالسلام. كانت بتقدم الخدمات الطبية مجاناً للعمال والفقراء، وأخوها أحمد كان بيقدم فيها استشارات قانونية مجاناً.
في ليلة افتتاح العيادة، المطاط والبرد كان مالين الشوارع.
واحد من رجال أدهم السابقين وصل ومعاه رسالة
أدهم هيتنقل بكرة سجن تاني... ونفسه يشوفك لو وافقتِ.
مريم قررت تروح.
أدهم كان لابس هدوم السجن البسيطة، وشكله اتغير، والأثر اللي تحت ضلوعه من الجرح القديم كان باين.
مريم بصت للجرح وقالت
خياطة الجرح شكلها وحش أوي.
ابتسم أدهم وقال
الممرضة كانت تعبانة ساعتها.
ردت مريم وهي بتبتسم
والمريض كان يطير العقل من غلاسته.
سكت أدهم شوية وبعدين قال بجدية
مش هطلب منك تستنيني.
كويس، لأني أصلًا مش هستنى.
يمكن في يوم أخرج... مش عارف ساعتها هكون راجل صالح ولا لأ.
مريم بصت في عينيه بثبات
أبدأ الأول بأنك تكون مسؤول عن أفعالك... الباقي بيتثبت بالسنين، مش بالفلوس ولا بالعربيات ولا بالتهديد.
ما كانش في بينه وبينها سلام وداع ولا وعود.
وهي رايحة عند الباب، أدهم نادها
ليلتها... ليه ما سبتنيش أموت قدام بابك؟
افتكرت مريم أباها وابتسمت بهدوء
علشان إنقاذك كان قراري أنا... أما اللي تعمله بحياتك بعد كده، فده كان دايمًا مسؤوليتك أنت.
خرجت مريم ومشيت في الشارع من غير ما تلتفت وراها.
مريم ما انتهتش ملكة في إمبراطورية ولا جائزة لراجل نفوذه عالي... هي انتهت وهي مستردة زمام حياتها وقرارها.
فهمت إن المساعدة مش معناها امتلاك، وإن الجميل ما بيشتريش الطاعة، وحتى أقوى ناس في الدنيا لازم يدفعوا تمن أخطائهم.
الرحمة ممكن تنقذ حياة شخص تاني...
بس الحدود اللي بتحطها لنفسك هي الوحيدة اللي بتنقذ حياتك أنت.