ابن جوز امي

لمحة نيوز

 

خبطنا في الحاجز الحديد.

صوت الخبطة كان آخر حاجة فاكرها.

لما فتحت عيني، كنت في المستشفى.

جسمي كله بيوجعني.

نفسي طالع بالعافية.

ومفيش في دماغي غير سؤال واحد:

فين كريم؟

لكن أمي ما سألتنيش حتى:

«إنتِ كويسة؟»

ما سألتنيش أنا حاسة بإيه.

ولا قالتلي «حمد لله على سلامتك».

هي قربت مني، وبصتلي ببرود، وقالت:

— هتقولي إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة.

بصيتلها وأنا مش مستوعبة.

— إيه؟

— سمعتي. هتقولي إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة، وكريم كان راكب جنبك.

هزيت راسي وأنا بالكاد قادرة أتكلم.

— لا.

وشها اتغير.

مدت إيدها وضغطت بكل قوتها على كتفي المصاب.

صرخت من الوجع.

الأجهزة حواليا بدأت تصفر بسرعة.

— عندك خمس دقايق تصلحي اللي قلتيه.

قربت من وشي وقالت بصوت واطي:

— يا إما تقولي إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة… يا إما من النهارده اعتبريني مش أمك.

سكت.

كنت مصدومة من إنها وصلت للدرجة دي.

لكن اللي أمي ما كانتش تعرفه…

إن الخمس دقايق دول كانوا هيغيروا حياتهم هما التلاتة للأبد.

لأني ما كنتش ناوية أدافع عن نفسي بالكلام.

أنا كنت مجهزة لهم حاجة تانية خالص.

طلعت موبايلي من تحت المخدة…

وفتحت الفيديو.

ولأول مرة…

شفت الخوف الحقيقي في عيون أمي وجوزها وكريم

​التليفون كان منور بنور أزرق خفيف وسط ظلمة العناية المركزة.

​ضغطت على زرار التشغيل بايد بتهز، وشاشته الصغيرة اتنطقت بصوت كريم الواضح، وصورته وهو بيضحك بتهور قبل ما يتحرك بالعربية:

​— «هاتي المفاتيح.. أنا اللي هسوق.. تحلمي تمنعيني!»

​وبعدها، الكاميرا اللي كانت ثابتة على التابلوه—واللي كنت بستخدمها دايماً وأنا مسافرة عشان توثيق الشغل والطريق—جابت كل تفاصيل الليلة المرعبة: صوت الكاوتش وهو بيزحف على الإسفلت، صراخي، خطف المفتاح، ريحة البيرة اللي كانت واضحة في كلامه، والأهم من ده كله... لحظة ما فك حزام الأمان، فتح الباب، ونط من العربية وهي ماشية بسرعة جنونية، وسابني لوحدي جوه فخ الموت.

​الصوت ملى الأوضة الضيقة بوضوح.

​في أقل من ثانية، الوشوش التلاتة اتغيرت بشكل مرعب.

​وش أمي اصفر تماماً، كأن الدم هرب منه وسابها جثة حية. سامح بلع ريقه بصوت عالي وعينيه طلعت لبرا وهو بيبص للموبايل كأنه شاف عفريت. أما كريم، اللي كان واقف متبسم وراهم ومستني يسمع اعترافي، لونه جاب أصفر على أزرق، وخطواته اتراجعت لورا لغاية ما خبط في الباب.

​— إيه... إيه ده يا مريم؟ جبتي... جبتي ده منين؟

​قالتها أمي بصوت مهزوز، الحروف كانت بتتطايق من بوقها بالعافية، وكل برودها المزعوم اتبخر في هوا المستشفى.

​قربت التليفون أكتر من وشها، وابتسمت بوجع مالي قلبي، بس الابتسامة دي كانت أشفى من أي دواء:

​— الكاميرا دي كنت مسكتها وأنا راكبة معاكوا عشان أصور ريأكشنات كريم وهو بيهزر.. بس شكلها طلعت طوق النجاة الوحيد اللي سابهولي أبويا وهو ميت.

​سامح اتحرك بهسترية وبقى يصرخ في أمي بصوت واطي:

— نادية! بنتك هتدبسنا كلنا في قضية شروع في قتل وهروب! كلميها! تصرفي!

​نادية قربت مني بجنون، مدت إيدها عشان تخطف الموبايل، بس بصوت صارم وفيه قوة جديدة اتولدت جوايا وسط الكسر والوجع قلت:

​— خطوة كمان، وهبعت النسخة دي دلوقتي حالا لمكتب اللواء رئيس مباحث المرور، وكمان لنيابة السويس.. والفيديو ده لوحده كفيل يرمي كريم في السجن عشر سنين، ويكتب على سامح وأمي تهمة التستر والمشاركة في تلفيق قضية جنائية.

​نادية وقفت مكانها كأنها اتدقت بمسمار. بصتلي وبصت لسامح وابنها، وبعدين نزلت على ركبها جنب السرير، وبقت تعيط بندم مصطنع أو حقيقي، مش فارق معايا:

​— يا مريم.. دي أمك! هتروحي تسجني أخوكي؟ هتهوني عليكي أمك تقعد في المدعكة دي؟

​— أخويا؟ وأنا كنت ههون عليكِ وأنا بموت جوه العربية وهو بينط زي الفأر؟ فين كانت أمومتك وأنا ضلعي مكسور وإنتِ بتضغطي بايدك على كتفي عشان أكذب؟

​سكتت لحظة، ونظرتي التقطت كريم اللي كان بيحاول يتسلل ناحية الباب عشان يهرب.

​— حاول تطلع برة الأوضة يا كريم.. واسمع صوت صفارة الكلبشات أول ما البوليس يدخل من باب المستشفى.

​وقف مكانه كأنه تمثال.

​رفعت التليفون قدامهم وقلت بصوت حاسم:

​— الصفقة بسيطة وواضحة، قدامكم دقيقة واحدة تختفوا من قدام عيني. العربية دي هترجع لي فوراً، ورخصة كريم المسحوبة وقضية الشرب والسرقة دي هتتصرفوا فيها بمعرفتكم، ولو فكرتم بس تقربوا مني أو من الشقة اللي سابهالي أبويا... الفيديو ده هيكون على مكتب النائب العام قبل ما تقفلوا باب الأسانسير.

​سامح ما استناش ثانية زيادة. شد نادية من دراعها بقوة وهي بتعيط وتلطم، وشدوا كريم وراهم زي العيال الصغيرة، وخرجوا من الأوضة يجروا بخطوات مرعوبة والناس بتبصلهم باستغراب في ممر المستشفى.

​الباب اتقفل.

​بقيت لوحدي في الغرفة الهادية. النور الأبيض كان لسه بيوجع راسي، والوجع في جسمي كان حقيقي ومؤلم... بس لأول مرة من سنتين، حسيت إن الهواء دخل صدري بجد.

​قفلت التليفون، وحطته تحت المخدة جنب قلبي، وأخدت نفس عميق وأنا باصة للسقف.

​أبويا كان دايماً بيقولي: "الحق ممكن يتأخر يا مريم، بس لما بيفضل وراه صاحب، بيرجع أصحابه فوق كل راس ميت."

​غمضت عيني، وأنا عارفة إن الحرب لسه مخلصتش بالكامل... بس العربية راجعة لبيتها، والكلاب اللي كانوا عايزين ياكلوا حق أبويا، عرفوا كويس أوي مين هي اللي كانت سايقة بجد.

تم نسخ الرابط