لقيت بنتين علي الشط

لمحة نيوز

من 18 سنة، لقيت بنتين توأم لسه مولودين، ملفوفين في فوطتين جوه كابينة لتغيير الملابس على الشاطئ... أخدتهم وربيتهم وبقوا بناتي رسميًا.
وفي عيد ميلادهم ال، حطوا قدامي نفس الفوطتين اللي لقيتهم ملفوفين فيهم يومها، وبصوا لي وهما بيعيطوا وقالوا
بابا... لازم نقولك الحقيقة.
من 18 سنة، كنت واقف بدفن زوجتى سارة.
كانت حامل في الشهر التاسع تقريبًا... في الأسبوع ال.
وماتت هي وبنتنا اللي كانت لسه في بطنها.
لحد النهارده فاكر اليوم ده بكل تفاصيله.
فاكر وأنا واقف لوحدي جوه أوضة الأطفال اللي أنا وسارة قضينا شهور بنجهزها.
كنا داهنين الحيطان أصفر فاتح، لأنها كانت دايمًا تقول لي
مش عايزة أوضة بنتنا كلها تبقى بمبي... عايزاها تبقى منورة زي الشمس.
السرير الصغير كان جاهز.
الهدوم مترتبة.
اللعب موجودة.
حتى شنطة المستشفى كانت متحضرة.
لكن بنتنا عمرها ما نامت في السرير ده.
وسارة عمرها ما رجعت البيت.
بعد الجنازة، أنا تقريبًا بطلت أعيش.
عدت أسابيع وأنا بالكاد بتكلم.
الموبايل كان بيرن وأنا سايبه.
أصحابي كانوا بيبعتوا لي وأنا مش برد.
كنت باكل بالعافية، وفي أيام كنت بعدي اليوم كله من غير ما أحط لقمة في بقي.
كنت بصحى الصبح وأسأل نفسي
أنا صحيت ليه أصلًا؟
لحد ما في يوم، صاحبي المقرب كريم جه عندي البيت.
خبط كتير وأنا ما فتحتش.
وفي الآخر دخل، ولقاني قاعد في نفس مكاني تقريبًا اللي كان سايبني فيه قبلها بكام يوم.
بص حواليه، وبعدين بص لي.
ما حاولش يواسيني.
ما قالش لي إن الأيام هتنسيني.
راح جاب شنطة سفر، حط فيها شوية هدوم ليا، وشالها ونزل.
وبعدين رجع وقال
قوم يا محمود.
بصيت له من غير ما أرد.
قال
لو سيبتك هنا يوم واحد كمان، إنت كمان هتدفن نفسك جنبهم.
قلت له
سيبني يا كريم.
لكنه مسكني من دراعي وقال
مش هسيبك.
حط الشنطة في عربيتي، وأخدني معاه على شاطئ هادي بعيد عن بيتنا بحوالي 3 محافظات.
ماكانش هدفه إننا نصيف.
هو كان بس عايز يخرجني من البيت.
من الأوضة الصفراء.
من الذكريات.
من كل ركن كان بيفكرني بسارة وبنتنا.
قضينا معظم اليوم ماشيين على البحر من غير ما نتكلم تقريبًا.
كريم كان فاهم إني مش محتاج كلام.
وقبل الغروب بشوية، بعدت عنه ومشيت لوحدي ناحية صف من كبائن تغيير الملابس القديمة الموجودة على طرف الشاطئ.
المكان كان شبه فاضي.
الناس بدأت تمشي.
والشمس كانت بتنزل.
وأنا ماشي...
سمعت صوت.
وقفت.
افتكرت في الأول إني بتخيل.
وبعدين سمعته تاني.
صوت طفل بيعيط.
لفيت حواليا.
مفيش حد.
مشيت ناحية الكبائن.
وفجأة...
سمعت صوت تاني.
طفل تاني بيعيط.
المرة دي جريت.
فضلت أفتح ستارة ورا التانية لحد ما وصلت لكابينة في آخر الصف.
شدّيت الستارة...
واتجمدت مكاني.
كان فيه بنتين رضيعتين توأم نايمين على الرمل.
واضح إنهم لسه مولودين من وقت قريب جدًا.
واحدة ملفوفة في فوطة شاطئ بيضا.
والتانية ملفوفة في فوطة لونها بمبي فاتح.
والفوطتين كان على أطرافهم تطريز صغير لمراكب شراعية زرقا.
وقفت ثواني مش قادر أستوعب اللي شايفه.
وبعدين صرخت
كريم!
جري عليّ.
أول ما شافهم، وشه اتغير.
بدأنا ندور حوالينا.
صرخنا.
سألنا الناس اللي لسه موجودة.
مفيش أم.
مفيش شنطة.
مفيش عربية أطفال.
مفيش حتى ورقة متسابّة معاهم.
ولا كلمة واحدة.
بلغنا الشرطة.
والإسعاف أخد البنتين للمستشفى.
الشرطة فضلت أسابيع بتحاول تعرف مين أمهم.
راجعوا بلاغات المفقودين.
سألوا المستشفيات.
دوروا على أي ست ولدت في الفترة دي واختفت.
حاولوا يعرفوا مين دخل الشاطئ ومين خرج.
لكن مفيش حاجة.
مفيش أم مفقودة.
مفيش بلاغ.
مفيش حد جه يسأل عن بنتين توأم.
وكأن البنتين ظهروا من العدم.
أما أنا...
فمن اليوم اللي لقيتهم فيه، بدأت أزورهم كل يوم.
في الأول كنت بقول لنفسي إني بس عايز أطمن عليهم.
لكن الحقيقة إني كنت متعلق بيهم.
كنت أقف بالساعات جنبهم.
أشيل واحدة، فتعيط التانية.
أحاول أهدي التانية، فتبدأ الأولى تصرخ.
ومع الوقت، بقيت حافظ صوت كل واحدة فيهم.
وفي يوم، الأخصائية الاجتماعية المسؤولة عن حالتهم، الأستاذة منى، كانت واقفة بتراقبني وأنا شايل واحدة منهم.
فجأة سألتني
يا أستاذ محمود... عمرك فكرت تتبناهم وتكفلهم وتربيهم عندك؟
بصيت لها.
وبعدين بصيت للبنتين.
وشفت وش سارة قدامي للحظة.
وشفت الأوضة الصفراء.
وشفت السرير الفاضي.
لكن الغريب...
إني لأول مرة من يوم ما دفنت خطيبتي...
حسيت بحاجة غير الحزن.
ماعرفتش أسمي الإحساس وقتها.
يمكن أمل.
يمكن خوف.
يمكن حب.
لكن اللي عرفته إني مش عايز البنتين دول يختفوا من حياتي.
وبعد الإجراءات القانونية اللازمة، بقوا بناتي.
سميت الأولى مريم.
والتانية ملك.
ومن اليوم ده...
بقيت أبوهم.
مرت 18 سنة.
18 سنة كاملة كنت فيها أبو وأم للبنتين.
اشتغلت شغلانتين في فترات كتير عشان أوفر لهم كل حاجة.
لغيت سفر وخروجات وإجازات.
استغنيت عن حاجات كتير كنت نفسي فيها.
كل جنيه كنت بقدر أوفره كنت بحطه في تعليمهم ومستقبلهم.
لكن لو رجع بيا الزمن؟
هعمل نفس الحاجة من غير ثانية تفكير.
مريم وملك ماكانوش مجرد بنتين أنا أنقذتهم.
هما اللي أنقذوني.
دخلوا حياتي في الوقت اللي أنا كنت مقتنع فيه إن حياتي انتهت.
كبروا قدام عيني.
أول خطوة.
أول كلمة.
أول يوم مدرسة.
أول مرة واحدة فيهم رجعت البيت بتعيط بسبب صاحبتها.
أول مرة التانية قالت لي إنها عايزة تتعلم تسوق.
كل حاجة.
ولما كانوا بيسألوني
إحنا جينا لك إزاي؟
عمري ما كذبت عليهم.
كنت بحكي لهم الحقيقة المناسبة لسنهم.
إنهم اتوجدوا على الشاطئ.
وإن الشرطة ماعرفتش توصل لأهلهم البيولوجيين.
وإن أنا اخترت أكون أبوهم.
ولما كبروا، حكيت لهم القصة كاملة.
حتى الفوطتين احتفظت بيهم.
الفوطة البيضا والفوطة البمبي، اللي على أطرافهم المراكب الزرقا الصغيرة.
كنت حاططهم في صندوق ذكريات خاص بيهم.
لكن من حوالي سنة، مريم وملك طلبوا مني الصندوق.
قالوا إنهم عايزين يحتفظوا بحاجاتهم القديمة في أوضتهم.
مافكرتش في الموضوع كتير.
اديتهولهم.
والجمعة اللي فاتت...
احتفلنا بعيد ميلادهم ال.
جبت لهم تورتة كبيرة.
كريم جه هو ومراته.
ضحكنا واتصورنا.
ومريم وملك كانوا مبسوطين...
أو على الأقل ده اللي كنت فاكره.
لأن طول العشا، كنت حاسس إن
 

تم نسخ الرابط