عدت بدون ان اخبر احد

لمحة نيوز

عدتُ دون أن أخبر أحدًا، فسمعتُ أبي يطلب الإذن بالجلوس إلى المائدة التي صنعها بيديه. كان والداي يتناولان العشاء في غرفة الأدوات، بينما كانت نورية تحتفل في غرفة الجلوس. قالت لهما من الأفضل أن تتناولا طعامكما في غرفتكما حتى لا تزعجانا. لم أجادل. أوقفت الحسابات واتصلت بمحاميّ، إلى أن رأيت ما كان أبي يخفيه تحت إحدى ألواح المائدة.
الجزء الأول
في الليلة التي رأى فيها نادر السعدي والده يطلب الإذن بالجلوس إلى المائدة التي صنعها بيديه، أدرك أن شخصًا ما حوّل والديه إلى مجرد ضيفين داخل منزلهما.
على مدى اثني عشر عامًا، عاش نادر متنقلًا بين جدة ولندن ودبي، وهو يبني شركة برمجيات انتهت قيمتها إلى ملايين الدولارات.
كان يرسل المال كل شهر إلى والديه، منير وحنان، مقتنعًا بأن ذلك يكفي ليعيشا سنواتهما الأخيرة بهدوء في المنزل الكبير الذي بنياه في الخرج بعد ثلاثين عامًا من الكفاح والتضحيات.
كان منير نجارًا، وكانت حنان خيّاطة.
كل باب، وكل خزانة، وحتى مائدة الطعام، كانت تحمل شيئًا من أثر أيديهما.
لكن مكالمة عند الساعة 1218 بعد منتصف الليل غيّرت كل شيء.
لم تتحدث حنان سوى أربعين ثانية.
قالت إنها بخير، وإن منير نائم، وإنهما لا يحتاجان إلى شيء.
ثم جاء صوت امرأة من الخلف وقطع حديثها
قلت لكِ من قبل، في الليل يجب أن تتركي الهاتف.
تعرّف نادر فورًا إلى الصوت.
كانت نورية، زوجة شقيقه ياسر.
وقبل أن تنهي حنان المكالمة، همست
لا تأتِ يا بني.
استقل نادر أول قطار سريع صباحًا متجهًا إلى الرياض، ولم يخبر أحدًا بعودته.
نزل في فندق صغير بالقرب من المحطة، وعند حلول المساء، خرج وسار في الشارع الذي نشأ فيه.
ومن الرصيف المقابل، رأى والديه يعودان من السوق.
كان منير يرتدي حذاءً قديمًا باليًا، بينما كانت حنان تحمل كيسًا فيه خبز وحليب وعلبتان من الزبادي.
لكن أيًّا منهما لم يدخل من الباب الرئيسي.
اتجها إلى جانب المنزل، وسارا عبر ممر ضيق، ثم اختفيا من خلال باب غرفة الغسيل.
تسمّر نادر في مكانه.
لم يستطع أن يفهم ما الذي يراه.
وفي تلك اللحظة، تعرّفت إليه جارته القديمة، فاطمة، التي كانت تقف أمام منزلها.
اقتربت منه وخفضت صوتها وهي تقول
كنت أظن أنك تعرف.
لم يحتج نادر إلى السؤال عما تقصده.
كان الجواب واضحًا في عينيها.
اقترب من جدار الفناء، ووقف يستمع.
وبعد لحظات، سمع صوت والده
هل يمكننا أن نتناول العشاء اليوم في غرفة الطعام؟
جاءه صوت نورية هادئًا، لكنه كان أكثر إيلامًا من أي إهانة صريحة
الليلة سيأتي أصدقاء ياسر. من الأفضل أن تتناولا طعامكما في غرفتكما حتى لا تزعجانا.
شعر نادر بقبضة تعتصر صدره.
ثم رأى والديه يحملان طبقين ويتجهان بهما إلى غرفة الأدوات القديمة.
دخل منير أولًا، ثم تبعته حنان.
كانت الغرفة تحتوي على سريرين ضيقين، وصناديق كرتونية مكدسة في الزوايا، ومدفأة صغيرة، وبعض الصور العائلية الموضوعة على الأرض.
أما غرفة النوم الرئيسية، التي كانت حنان تعتني فيها بأزهارها طوال عقود، فقد أصبحت الآن غرفة ياسر ونورية.
اشتعل الغضب في صدر نادر.
كان على وشك الدخول ومواجهة ياسر ونورية وطردهما من المنزل.
لكنه لم يفعل.
لأن شيئًا آخر لفت انتباهه.
في تلك اللحظة، رفع منير لوحًا مفكوكًا أسفل أحد السريرين.
نظر حوله بحذر.
ثم تحسس شيئًا مخبأً في الداخل، وكأنه يتأكد من أنه لا يزال في مكانه.
وبعدها أعاد اللوح إلى موضعه، وسحب السجادة فوقه بعناية.
تراجع نادر خطوة إلى الخلف.
وفجأة، فهم.
والده لم يكن يتحمل الإهانة فحسب.
كان يخفي ماقد يقلب كل شيء 
يتبع .....
صلي على رسول الله وتابع اول تعليق  
حكايات_محمد٠نور
الجزء الأول
عدتُ دون أن أخبر أحدًا، فسمعتُ أبي يطلب الإذن بالجلوس إلى المائدة التي صنعها بيديه.
كان والداي يتناولان العشاء في غرفة الأدوات، بينما كانت نورية تحتفل في غرفة الجلوس مع أقاربها.
قالت لهما ببرود
من الأفضل أن تتناولا طعامكما في غرفتكما حتى لا تزعجانا.
لم أجادل.
لم أطرق الباب.
ولم أخبر أحدًا أنني عدت.
وقفت فقط أراقب من بعيد، وأنا أشعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث داخل البيت الذي قضى أبي عمره في بنائه.
اسمي نادر السعدي.
عشت معظم حياتي بعيدًا عن أهلي بسبب عملي.
على مدار اثني عشر عامًا، تنقلت بين جدة ولندن ودبي، حتى أسست شركة برمجيات أصبحت قيمتها ملايين الريالات.
كنت أرسل لوالديّ المال باستمرار، وكنت أظن أن هذا يكفي ليعيشا حياة كريمة في البيت الكبير الذي بنياه بعد ثلاثين سنة من التعب.
أبي منير كان نجارًا.
وأمي حنان كانت خيّاطة.
كل شيء في المنزل تقريبًا يحمل أثر يديهما.
الأبواب صنعها أبي.
الخزائن صنعها أبي.
وحتى مائدة الطعام الكبيرة في غرفة السفرة، أمضى أبي شهورًا في صناعتها.
أما أمي فكانت تخيط الستائر والمفروشات بيديها.
كان هذا البيت بالنسبة لهما أكثر من مجرد جدران.
كان عمرهما كله.
لكن مكالمة قصيرة في منتصف الليل جعلتني أشك في كل شيء.
اتصلت بي أمي وقالت
إحنا كويسين يا نادر، ما تقلقش.
سمعت صوت أبي في الخلفية.
ثم قالت بسرعة
أهم حاجة ما تتعبش نفسك وتيجي.
وقبل أن أسألها عن السبب، انتهت المكالمة.
في الصباح حجزت أول رحلة وعدت دون أن أخبر أحدًا.
وعند وصولي، لم أتجه إلى البيت مباشرة.
انتظرت حتى المساء، ثم وقفت في الشارع المقابل.
وهناك رأيتهما.
أبي وأمي عائدين من السوق.
كان أبي يحمل كيسًا صغيرًا، وأمي تحمل بعض الخبز والحليب.
لكن بدلًا من دخولهما من الباب الرئيسي، اتجها إلى باب جانبي صغير.
تبعتهما بعيني حتى اختفيا داخله.
اقتربت أكثر.
وسمعت صوت أبي يقول
حنان، هو إحنا هنفضل كده كتير؟
ردت أمي بصوت حزين
اصبر يا منير، نادر لو عرف هيزعل جدًا.
تجمدت في مكاني.
بعد دقائق، سمعت صوت نورية من غرفة الجلوس
يا حاج منير، السفرة مش فاضية دلوقتي. ممكن تتعشوا في أوضتكم؟
رد أبي بهدوء
حاضر يا بنتي.
ضغطت قبضتي.
كنت أعرف نورية منذ سنوات.
كانت زوجة أخي ياسر، ولم تكن هناك أي قصة خيانة أو أسرار من هذا النوع بينهما أو بين أي شخص.
لكنها في الفترة الأخيرة أصبحت تتصرف وكأن المنزل ملكها.
والأغرب أن ياسر نفسه كان صامتًا.
قررت ألا أواجه أحدًا.
دخلت البيت بعد أن هدأت الأجواء، ووجدت أبي وأمي في غرفة الأدوات.
كانت الغرفة تحتوي على سريرين صغيرين وصندوق ملابس وبعض الأدوات القديمة.
نظرت إلى أبي.
إيه اللي حصل؟
ابتسم وقال
مفيش حاجة يا ابني.
أمال ليه بتعيشوا هنا؟
سكت.
ثم قال
البيت كبير، وإحنا مش بنستخدم كل الأوض.
مين قال كده؟
لم يجب.
اقتربت من أمي، فوجدت عينيها تمتلئان بالدموع.
وقبل أن أستطيع أن أسألها، دخل ياسر.
قال
نادر؟! إنت رجعت؟
أيوه.
ابتسم ياسر وحاول أن يبدو طبيعيًا.
يا أهلاً بيك.
نظرت إليه ثم قلت
أنا عايز أعرف حاجة واحدة بس... مين قرر إن أبويا وأمي يعيشوا هنا؟
تغير وجهه.
لكن أبي تدخل بسرعة
خلاص يا نادر، الموضوع بسيط.
قلت
لأ يا بابا، مش بسيط.
ثم نظرت إلى المائدة الموجودة في غرفة الطعام.
كانت المائدة التي صنعها أبي بنفسه.
تذكرت كيف كان يقف عليها بالساعات، يصقل الخشب بيديه، ويقول لي وأنا صغير
اليوم اللي تخلص فيه المائدة دي، هجمع عليها أولادي وأحفادي.
اقتربت منها.
مررت يدي على سطحها.
ثم لاحظت شيئًا غريبًا.
كان أحد ألواح الخشب غير ثابت تمامًا.
نظرت إلى أبي.
فوجدته يحدق فيّ بقلق.
قلت
إيه اللي تحت اللوح ده يا بابا؟
لم يرد.
اقتربت أكثر.
رفعت اللوح بحذر.
وكان هناك تجويف صغير مخفي داخل المائدة.
في داخله صندوق معدني قديم.
نظر أبي إلى الباب، ثم أغلقه بسرعة.
وقال بصوت منخفض
نادر... الصندوق ده ما حدش يعرف عنه حاجة.
فتحت عيني بدهشة.
حتى ياسر؟
هز أبي رأسه.
محدش.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله أوراقًا قديمة، ومفتاحًا، وصورة للبيت يوم كان أبي يبنيه بيديه.
لكن كان هناك ظرف بني اللون في الأسفل.
أمسكته.
وكان مكتوبًا عليه
لنادر... لا تفتح هذا الظرف إلا إذا وجدتَ أباك وأمك غرباء في بيتهما.
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى أبي.
ثم إلى أمي.
وفهمت أن ما رأيته الليلة لم يكن سوى بداية الحكاية.
لكنني لم أكن أعرف أن الورقة الموجودة داخل الظرف ستكشف حقيقة جعلتني أراجع كل ما كنت أظنه عن عائلتي.
فتحت الظرف...
وتوقفت أنفاسي عند أول سطر الجزء الثاني
فتحت الظرف ببطء، وأخرجت الورقة.
كانت مكتوبة بخط أبي.
قرأت أول سطر
يا نادر، لو وصلت للورقة دي، يبقى أنا فشلت أخبي عليك الحقيقة أكتر من كده.
رفعت عيني إليه.
إيه الحقيقة يا بابا؟
تنهد منير، وجلس على طرف السرير.
البيت ده مش زي ما إنت فاكر.
اقتربت منه.
يعني إيه؟
أشار إلى الأوراق الموجودة أمامي.
البيت اتبنى من فلوسنا وتعبنا، لكن من حوالي سنتين حصلت مشكلة كبيرة.
فتحت أول مستند.
كان عقدًا قديمًا.
قرأت الاسم أكثر من مرة.
دي ملكية البيت؟
هز أبي رأسه.
أيوه.
والبيت باسمك إنت؟
قال
كان باسمي أنا وأمك.
تدخلت أمي بصوت مرتجف
لكن حصلت مشكلة في الأوراق.
قلت بسرعة
إيه المشكلة؟
صمت أبي طويلًا، ثم قال
ياسر اكتشف إن فيه قرض قديم على قطعة الأرض اللي البيت مبني عليها.
نظرت إلى أخي بدهشة.
قرض؟
أيوه. قبل ما تولد أنت، كان والدنا محتاج فلوس، وأنا ساعدته وضمنت معاه في ورقة قديمة. الدين اتسدد من سنين، لكن بعض الأوراق ما اتقفلتش بالشكل الصحيح.
قلبت المستندات.
وجدت إيصالات قديمة، ومخالصات، ومكاتبات رسمية.
قلت
طب وإيه علاقة نورية بالموضوع؟
أجاب أبي
مفيش علاقة مباشرة. نورية كانت بتحاول تساعدنا في متابعة الأوراق، لكن حصل خلاف بيننا وبين ياسر لأنه كان فاكر إن الحل إننا نبيع البيت.
اتسعت عيناي.
يبيع البيت؟!
قالت أمي
هو كان خايف نخسر كل حاجة، لكن أبوك رفض. قال إن البيت ده عمرنا ومش هنسيبه.
نظرت إلى أبي بفخر.
ثم سألت
طيب ليه أنتم في
 

تم نسخ الرابط