عدت بدون ان اخبر احد

لمحة نيوز


غرفة الأدوات؟
خفض أبي رأسه.
لأننا اتفقنا مع ياسر إنه يعيش في الجزء الرئيسي من البيت مؤقتًا، لحد ما مشكلة الأوراق تتحل.
ضحكت بسخرية من شدة الصدمة.
مؤقتًا؟ سنتين؟
لم يرد.
وقبل أن أكمل، سمعنا طرقًا على الباب.
دخل ياسر.
كان وجهه شاحبًا.
نظر إلى الأوراق في يدي.
بابا قال لك؟
وقفت.
قال لي إيه؟
اقترب ياسر وأغلق الباب.
الحقيقة كلها.
قلت
أنا عايز أسمعها منك.
جلس ياسر أمامي.
من سنتين، جالي خطاب رسمي بيقول إن فيه مطالبة قديمة على الأرض. ولو اتثبتت، البيت كله كان ممكن يدخل في نزاع قانوني.
وإنت عملت إيه؟
حاولت أحمي البيت.
قلت بغضب
بتحميه بأنك تخرج صاحبه منه؟
رفع عيني إليّ.
أنا ما طردتش بابا وماما.
لكنهم عايشين في غرفة الأدوات!
سكت.
ثم قال
لأنهم رفضوا يخرجوا من البيت أصلًا.
نظرت إلى أبي.
فأومأ برأسه.
لكن شيئًا في كلام ياسر لم يقنعني.
وضعت الأوراق أمامه.
طيب إيه ده؟
تغير وجهه فورًا.
كان مستندًا لم أره من قبل.
أخذه ياسر بيد مرتجفة.
الورقة دي...
أيوه، الورقة دي.
قال أبي
دي أهم ورقة في الموضوع كله.
اقتربت من أبي.
ليه؟
أشار إلى آخر الصفحة.
كان هناك ختم رسمي، وتاريخ يعود إلى أكثر من عشرين سنة.
قرأت السطر الأخير.
ثم شعرت بالذهول.
الأرض التي بُني عليها المنزل لم تكن ضمن الدين القديم أصلًا.
رفعت رأسي.
يعني القرض ملوش علاقة بالبيت؟
قال أبي
بالضبط.
ساد الصمت.
نظر ياسر إلى الأرض.
ثم قال
أنا كنت عارف.
تجمدت.
كنت عارف إيه؟
رفع عيني نحوي.
عرفت الحقيقة من شهرين.
وقبل أن أستوعب كلامه، سمعنا صوت نورية من خارج الغرفة
ياسر... لازم تخرج دلوقتي.
فتح الباب.
كانت تقف أمامنا وهي تحمل ملفًا كبيرًا.
قالت
فيه حاجة لازم نادر يعرفها.
نظرت إليها.
وضعت الملف فوق الطاولة.
وقالت
الورقة اللي معاك دي مش آخر حاجة.
فتحت الملف.
وأخرجت مستندًا آخر.
دي نسخة من عقد البيت الحقيقي.
أخذته منها.
وفي أسفل العقد كان هناك توقيع أبي وأمي...
لكن المفاجأة أن هناك اسمًا ثالثًا موجودًا في العقد.
اسم شخص لم أسمع به طوال حياتي.
رفعت عيني إلى أبي.
مين الشخص ده؟
لم يجب.
وعندما نظرت إلى أمي، وجدتها تبكي.
ثم قالت بصوت خافت
ده اسم جدك يا نادر... والبيت له حكاية أقدم بكتير مما تتخيل الجزء الثالث
فضلت ماسك العقد وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه.
جدي؟! إيه علاقة جدي بالبيت؟
أبويا سكت فترة طويلة، وبعدها قال
البيت ده بدأ حكايته قبل ما إنت تتولد بسنين طويلة.
قعدت جنبه.
احكيلي يا بابا.
تنهد وقال
جدك كان عنده أرض كبيرة هنا. ولما توفى، الأرض اتقسمت بين الورثة. الجزء اللي اتبنى عليه البيت كان من نصيب أمك وأنا اشتريته منها رسميًا.
قلبت العقد.
أمال ليه اسم جدي موجود؟
رد أبي
لأن جدك كان كاتب شرط في عقد قديم... شرط يمنع بيع الأرض أو التصرف فيها إلا بموافقة كل أفراد العيلة.
نظرت إليه بدهشة.
وإنت وافقت على الشرط ده؟
وافقت لأن الأرض كانت غالية عندي. وكنت ناوي أخلي البيت ليك ولأخوك بعد وفاتنا.
شعرت بغصة.
طب مين حاول يبيعها؟
هنا تدخل ياسر.
محدش حاول يبيعها.
نظرت إليه.
أمال إيه اللي حصل؟
قال
المشكلة إن شركة مقاولات قدمت عرض شراء للمنطقة كلها، وكان فيه شخص بيحاول يجمع توقيعات الورثة.
وإنت وافقت؟
لأ.
سكت لحظة ثم أكمل
بالعكس، أنا وقفت ضدهم.
نظرت إلى نورية.
كانت واقفة في مكانها بهدوء.
قلت
وإنتِ؟
قالت
أنا اللي اكتشفت الموضوع أصلًا.
اتسعت عيناي.
إنتِ؟
أومأت.
من سنتين، لقيت ملف قديم وسط أوراق البيت. كان فيه خطاب من مكتب عقارات بيطلب شراء الأرض بسعر ضخم.
أخذت الورقة منها.
وليه ما قلتوش لي؟
أجاب أبي
لأننا ما كناش عايزين ندخلك في مشاكلنا وإنت بعيد.
قلت بغضب
فبدل ما تقولولي، خلتوني أصدق إنكم بتتعاملوا معاملة سيئة في بيتكم؟
خفضت أمي رأسها.
كنا خايفين عليك.
في تلك اللحظة فهمت شيئًا.
كل ما رأيته لم يكن كما ظننته.
لكن بقي سؤال واحد.
طيب مين كان بيضغط عليكم؟
لم يجب أحد.
ثم أخرجت نورية ورقة أخرى.
الشخص ده.
نظرت إلى الاسم.
كان اسم رجل يُدعى سالم الراشد.
قال ياسر
سالم كان شريك قديم لجدك.
توقفت.
شريك جدي؟
أيوه. وكان بينهما مشروع قديم انتهى من سنين.
قلت
وعايز الأرض ليه؟
قالت نورية
لأنه اكتشف إن قيمة المنطقة ارتفعت جدًا، وإن البيت موجود في أهم جزء من الأرض.
وضعت الورقة على الطاولة.
لكنه ما يقدرش ياخد البيت بالقانون.
ابتسمت لأول مرة.
يبقى ليه كنتوا خايفين؟
رد أبي
لأنه بدأ يرسل ناسًا يعرضون علينا مبالغ ضخمة، وبعد ما رفضنا بدأ يضغط علينا بطرق مختلفة.
نظرت إلى ياسر.
وعشان كده خليتكم تستخدموا غرفة الأدوات؟
قال
أنا اقترحتها.
ليه؟
عشان نخلي البيت الرئيسي يبدو غير مستخدم، ونبعد أي حد ييجي يدور على أوراق جدك.
نظرت إلى أمي.
والصندوق؟
ابتسم أبي.
كنت محتاج مكان محدش يفكر يدور فيه.
ثم أشار إلى المائدة.
عشان كده خبّيت الأوراق داخلها.
لم أتمالك نفسي من الابتسام.
طول عمرك بتخبي أسرارك في الخشب.
ضحك أبي للمرة الأولى منذ أن دخلت البيت.
لكن فرحتنا لم تدم طويلًا.
فجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ثم طرق قوي على الباب.
نظر ياسر من النافذة.
تغير وجهه.
سالم.
وقفت فورًا.
لوحده؟
هز رأسه.
معاه اتنين محامين.
اقتربت من الباب، لكن أبي أمسك يدي.
نادر، مهما حصل... ما توقعش على أي ورقة.
نظرت إليه بثبات.
أنا مش هوقّع.
ثم أخذت الملف كاملًا، واتصلت بمحامي شركتي.
قلت له
محتاجك في أسرع وقت.
سألني
حصل إيه؟
نظرت إلى أبي وأمي.
ثم قلت
اكتشفت إن بيت أهلي داخل في قضية كبيرة... والناس اللي بتحاول تاخده ما تعرفش إن المستندات الأصلية معايا.
وفي اللحظة نفسها، طرق سالم الباب مرة أخرى.
لكن هذه المرة قال بصوت مسموع
منير... افتح. جئت لأعطيك آخر فرصة.
نظرت إلى أبي.
ثم ابتسمت.
لأ يا بابا... المرة دي إحنا اللي هنطلب منه يدخل.
فتحنا الباب.
ودخل سالم...
وهو لا يعرف أنني كنت قد اكتشفت شيئًا آخر داخل الصندوق، شيئًا أخفاه أبي عن الجميع طوال أكثر من عشرين سنة الجزء الخامس
فضلت باصص لأبويا، وأنا مش قادر أستوعب كلام المحامي.
مستند باسمي من يوم ولادتي؟! إزاي؟
أبويا ما ردش.
مد إيده ناحية الدفتر وقال
لأن جدك كان مخطط لكل حاجة من زمان.
فتحت الصفحة اللي بعدها.
لقيت نسخة من شهادة ميلادي، وتحتها إقرار مكتوب بخط جدي.
كان بيقول إن جزءًا من الأرض والمبنى المقام عليه البيت تم تخصيصه لي مستقبلًا، بشرط ألا يتم بيعه أو رهنه أو التصرف فيه إلا بعد موافقتي عندما أبلغ السن القانونية.
قلت بدهشة
يعني البيت جزء منه بتاعي من وأنا طفل؟
قال أبي
أيوه.
سألت
طب ليه ما قلتليش؟
ابتسم بحزن.
لأنك كنت صغير، وبعد وفاة جدك حصلت مشاكل بين الورثة. خفت إنك تدخل في صراعات مالهاش لازمة.
قلبت صفحات الدفتر بسرعة.
وجدت شيئًا آخر.
خريطة قديمة للمنطقة.
لكن على الخريطة كان هناك خط أحمر يمر تحت المنزل وينتهي عند قطعة أرض صغيرة خلف البيت.
سألت
إيه المكان ده؟
قال ياسر
دي الأرض اللي ورا البيت.
أبي هز رأسه.
لأ... مش الأرض.
ثم أشار إلى الخريطة.
ده مدخل لمخزن قديم تحت الأرض.
اتسعت عيني.
مخزن؟
قال
جدك كان بيستخدمه زمان لحفظ أوراق العيلة والحاجات المهمة.
خرجنا جميعًا إلى الفناء الخلفي.
كانت هناك غرفة صغيرة مهجورة مليئة بالأخشاب القديمة.
بحثت عن المكان الموجود في الخريطة، حتى وجدت بلاطة مختلفة عن باقي الأرض.
نزعت عنها التراب.
ظهر تحتها قفل حديدي.
أخرجت المفتاح الموجود في الصندوق.
دخل المفتاح في القفل.
فتحناه.
نزلنا درجات ضيقة حتى وصلنا إلى غرفة تحت الأرض.
كانت مليئة بصناديق خشبية قديمة.
لكن في منتصف الغرفة كان هناك صندوق كبير وعليه اسم جدي.
فتحته.
لم نجد أموالًا.
وجدنا عقودًا ومستندات وشهادات ملكية.
وفي أسفل الصندوق كان هناك ملف حديث نسبيًا.
فتحته.
كان يحتوي على كل المستندات التي تثبت أن الأرض ملك لأبي وأمي، وأن أي مطالبة من سالم لا أساس لها.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة.
كانت هناك ورقة موقعة من سالم نفسه.
قرأتها أكثر من مرة.
كان فيها إقرار قديم بأنه استلم كامل مستحقاته المالية من جدي منذ سنوات، وأنه لا يملك أي حق في الأرض أو المنزل.
نظرت إلى ياسر.
يعني سالم كان عارف إن مفيش حق ليه من البداية!
قال
واضح إنه كان بيحاول يخوف بابا وماما عشان يوافقوا على البيع.
أخرجت هاتفي.
خلاص.
سألني أبي
هتعمل إيه؟
قلت
هنسلم كل الأوراق للمحامي، وهننهي الموضوع بالقانون.
أمي ابتسمت لأول مرة.
بس يا نادر...
نعم؟
قالت
في حاجة أهم من البيت.
نظرت إليها.
إيه؟
أشارت إلى المائدة.
أبوك تعب فيها سنين، ونورية كانت بتحاول تغيرها وتبيعها مع باقي الأثاث.
نظر أبي إلى المائدة من بعيد.
فقلت
محدش هيلمس حاجة.
ثم التفت إلى ياسر.
وإنت هترجع تعيش مع أبويا وأمي في البيت زي الأول.
ابتسم ياسر.
ده بيتنا كلنا.
وفي اليوم التالي، جاء محامي سالم ومعه عرض جديد.
لكن هذه المرة لم يكن عرض شراء.
كان طلبًا للتفاوض على تسوية.
فتحت المستندات أمامه وقلت
مفيش تفاوض على ملكية مش ملكك.
وبعد مراجعة الأوراق، تراجع سالم عن مطالبته رسميًا.
انتهى النزاع.
وعاد أبي وأمي إلى غرفتهما القديمة.
أما غرفة الأدوات، فتحولت إلى ورشة صغيرة لأبي.
وفي أول ليلة بعد انتهاء كل شيء، جلست العائلة كلها حول المائدة التي صنعها أبي.
نظر إليها طويلًا وقال
أخيرًا رجعت زي زمان.
وضعت يدي على يده.
لا يا بابا... دي مش رجعت زي زمان.
ابتسمت.
دي بقت أحلى.
لكنني لم أكن أعرف أن أعظم مفاجأة لم تكن قد حدثت بعد...
ففي صباح اليوم التالي، بينما كان أبي ينظف المائدة، وجد تجويفًا صغيرًا لم نلاحظه من قبل.
وفي داخله ورقة واحدة.
قرأها، ثم ناداني بصوت مرتجف
نادر... تعالى بسرعة.
جريت إليه.
ناولني الورقة.
وكان مكتوبًا فيها
لو
 

تم نسخ الرابط