ريحة الكيماويات
المحتويات
بس عايزة اعرف حقوقي إيه عشان لو حد ركبني الديون أكون فاهمة. مارينا راجعت الأوراق، العقود، التحويلات، وإيصالات البنك. وقالتلي كلمة نزلت عليا زي الصاعقة يا ندى.. أهلك بتعاملوا معاكي كأنك قاعدة عندهم ضيفة بالجميلة.. بينما بالقانون، هما اللي عايشين في بيتك وإنتي اللي سامحالهم! الجملة دي كانت بتزن في دماغي. الرسالة اللي جت بالليل كانت بتقول المشتري لسه مصمم على عرض الكاش. ومحتاج رد أخير قبل يوم السبت الساعة 8 الصبح.. إنتي متأكدة إنك عايزة تكملي ونمضي العقد؟
كان فيه رجل أعمال عايز الشراء من فترة. ما شفتوش. بس كنت عارفة إنه معروض مبلغ يكفي يسدد باقي القسط للبنك، ويفضل معايا مبلغ عمري ما حلمت أشوفه في حسابي لوحدي. بصيت للطبق الساقع. بصيت للباب الحديد المقفول اللي بين الجراج والمطبخ. سمعت كريم بيضحك تاني. وبعدها سمعت صوت أمي بتقول له ما تفتحهاش.. لو ضعفت معاها مرة مش هتنضبط ولا هتتعلم الأدب. مش هتعلم الأدب.. أنا بقالي 4 سنين بدفع ډم قلبي عشان ما يترموش في الشارع. بس طلع أنا اللي لازم أتعلم الدرس. كتبت كلمة واحدة لمارينا موافقة.
بت ليلتها في لوكاندة صغيرة وسط البلد. أمي ما اتصلتش. أخويا ما فكرش يبعت رسالة. الساعة 618 صباح يوم الجمعة، جتلي رسالة واحدة بس من شيرين، مراته ما فيش لبن للعيال. حوليلي 600 جنيه بسرعة. قريتها مرتين. وبعدها دخلت على أبلكيشن البنك وعملت إيقاف مؤقت للفيزا الإضافية اللي كانت معاهم. الساعة 811، كريم اتصل. إيه يا ندى؟ إنتي وقفتي الفيزا ليه؟ أنا داخلة الشغل. شيرين واقفة في السوبر ماركت والفيزا اترفضت! خلاص، تطلع الفيزا بتاعتها وتدفع. سكت شوية مش مصدق. إيه اللي
بتقوليه ده؟ إنتي اټجننتي ولا إيه يا ندى؟ بصيت للخطوط والمواسير الكبيرة قدامي في المصنع. ولأول مرة من سنين حسيت بحاجة غريبة. ما كانش ڠضب. كان هدوء تام. ما فيش. وفصلت الخط في وشه. ما كانوا ينطقوا ولا عارفين إنهم وهم بيتخانقوا على 600 جنيه لبن.. كان فاضل أقل من 24 ساعة عشان يعرفوا كلفهم كام إنهم يعاملوني كأني غريبة في بيتي.
طوال يوم الجمعة في مصنع المنظفات في 6 أكتوبر، كان تليفوني مبيسكتش. مكالمات من كريم تتوالى، ورسائل عتاب وشتم من شيرين تتراكم، وحتى أمي بعتت فويس نوت بصوت ملزوق فيه العظمة والقسۏة لما ترجعي بالليل هتسيبي الفيزا وتعتذري لمرات أخوكي عن الحركة القليلة الذوق دي، وإلا مش هتحط عتبة البيت تاني يا ندى. ابتسمت. ابتسمت وأنا بقفل التليفون خالص وبحطه في الدولاب الصاج بتاع غياري. كملت شفتي ال 12 ساعة وريحة الكيماويات والمطهرات بتملى ريتي، بس المرة دي ما كانتش مخڼوقة، المرة دي كنت بحس إن الريحة دي هي اللي بتغسل سنوات الذل والهوان اللي عشتهم وسطهم. الريحة دي هي اللي دفعت ثمن حريتي وثمن البيت اللي شايفين نفسهم فيه عليا.
بعد الشفت، قابلت الأستاذة مارينا والمشتري، رجل الأعمال الأستاذ فريد، في مكتبها في التجمع الخامس. كان راجل جاد، أوراقه جاهزة، وشنطة الكاش والشيك المقبول الدفع جاهزين. تم توقيع العقد، المبلع اتسدد كاش للبنك بقيمة المتبقي من القرض، والباب المالي اتقفل تماماً باسمي، والمبلغ المتبقي دخل حسابي الشخصي اللي ماليش أي فيزا مرتبطة بيه مع أهلي. الأستاذ فريد قال لمارينا بوضوح أنا مستعجل على العقار، النجار والمحامي بتوعي هيبقوا هناك الصبح بدري يستلموا البيت ويغيروا كل طقم الكوالين والأقفال عشان أبدأ توضيب، مارينا هزت رأسها وقالتله ندى سلمتك عقد الملكية المسجل وأمر الإخلاء الفوري جاهز لأن العقار بتباع خالياً من السكّان، وأي حد جوه هو معتدي على ملكية خاصة.
قضيت ليلة الجمعة في اللوكاندة بوسط البلد. نِمت لأول مرة من أربع سنين 8 ساعات متواصلة بدون ما أصحى مذعورة من إشعار البنك بالفيزا، أو صړيخ أمي، أو طلبات كريم اللي ملهاش آخر.
صباح يوم السبت، الساعة 730 صباحاً. في فيلا التجمع.. كان بابا قاعد على السفرة بيكركب في كيس العلاج القديم بيدور على قرص الضغط اللي خلص، وأمي تحضر الفطار وتشتكي لشيرين شايفة البت قاطعة بالليل والنهار إزاي؟ فاكرة نفسها لما تقفل التليفون هنترجاها ترجع؟ والله لما ترجع لأخليها تبوس إيدك يا شيرين قبل ما تدخل، وتدفع قسط العربية بتاع كريم اللي مكسور عليه شهرين. كريم كان قاعد بلبس البيت وبياكل فول وطعمية، وقال بثقة هي بس بتعمل نمرة، بكرة هتتزنق وتيجي تدور علينا، ندى ملهاش حد غيرنا وما تقدرش تعيش لوحدها.. دي تلاقيها بايتة عند أي واحدة صاحبتها ومستنية حد فينا يكلمها عشان تتشرط.
وفجأة.. صوت خبط جامد ورزع في باب البيت الخارجي. مش خبطة ندى الضعيفة المکسورة، ولا رنة جرس خفيفة. رزع بأدوات ثقيلة! أمي وقفت في المطبخ الخيار وقع من إيدها إيه الصوت ده؟ مين الغبي اللي بيرزع على الباب كده الصبح؟ كريم قام وهو متغاظ تلاقيها البت ندى جايبة حد من زمايلها ولا بتعمل شغل جناين، والله لأطلع أكسر عضمها.
فتح كريم الباب.. لقى قدامه راجل ضخم، لابسة عفريتة كحلي وشايل شنطة عدة كبيرة النجّار، وجنبه راجل بشعر أبيض ولابس بدلة أنيقة وشايل محفظة جلد محامي الأستاذ فريد، ومعاهم إثنين
أمناء شرطة وشباب
متابعة القراءة