سر خطيبي
آخر صورة.
داليا وأحمد واقفين قدام مستشفى.
هي نحيفة جدًا، باين عليها المرض.
وهو ماسك إيدها.
كبرت الصورة.
على ظهرها كان مكتوب بخط إيد
17 يونيو 2021.
اتصلت بسلوى تاني.
أول ما ردت قلت
إيه اللي حصل يوم 17 يونيو؟
سكتت.
أحمد قالك؟
سيبك من أحمد. قوليلي.
سمعتها بتبكي.
وبعدين قالت
كان اليوم اللي داليا طلبت مني فيه أوعدها بحاجة.
إيه؟
إني ما أسيبش أحمد يدمر حياته بعد موتها.
قلت
ده مفهوم.
قالت
لأ... مش ده بس.
سكتت لحظة.
داليا كانت عارفة إنها مش هتكمل كتير. وقبل ما تموت بفترة، بدأت تكتبله جوابات.
جوابات؟
افتكرت الأوراق اللي كانت جوه الصندوق.
قالت
آه. كانت بتسيبهاله عشان يفتحهم بعد موتها واحد واحد.
قالت فيها إيه؟
معرفش كل حاجة.
لكنك عارفة حاجة.
قالت
واحد من الجوابات قالتله فيه لما تحب تاني، ماتدورش عليا فيها.
غمضت عيني.
يا للمفارقة.
هو عمل العكس بالضبط.
قالت سلوى
وهي دي المشكلة يا منى. أحمد كان فاكر إنه بيتعافى، لكنه كان بيحاول يعيد بناء داليا في كل علاقة يدخلها.
قلت
وأنا واحدة منهم.
آه.
كان فيه غيري؟
اتنين قبلك.
قلبي وقع.
كانوا شبهها برضه؟
بدرجات مختلفة.
حسيت بالغثيان.
قلت
ليه ما وقفتيهوش؟
حاولت.
صوتها اتكسر.
والله حاولت. كل مرة كان بيقول إنه كويس وإنه تجاوز الموضوع.
قلت
بس المرة دي خطبني.
عشان المرة دي حصل شيء مختلف.
إيه؟
قالت
إنتِ بدأتي تخرجي عن الصورة.
سكت.
يعني إيه؟
في الأول، لما بدأ يغير حاجات صغيرة فيكي، كنتِ بتوافقي. شعرك، لبسك، حاجات في البيت.
عارفة.
لكن بعد شهرين تقريبًا، بدأ يحكيلي عن حاجات فيكي داليا عمرها ما كانت بتعملها.
قلت
زي إيه؟
ضحكت سلوى وسط بكائها.
الحكايات السخيفة اللي بتألفيها عن الناس في المطاعم.
افتكرت أول خروجاتنا.
قالت
كان بيضحك وهو بيحكي عنها. أول مرة أشوفه بيتكلم عن حاجة في بنت من غير ما يقارنها بداليا.
فضلت ساكتة.
وبعدها بدأ يحب حاجات تخصك إنتِ.
قلت بمرارة
ده مش بيمسح اللي عمله.
عارفة.
مش معنى إنه حب جزء مني في الآخر إن البداية تبقى مقبولة.
عندك حق.
وكانت دي أول مرة حد من عيلته يقولها بوضوح.
من غير تبرير.
عدى أسبوع.
ما كلمتش أحمد.
لغيت حجز المطعم اللي كنا هنحتفل فيه بالخطوبة.
قلت لأصحابي إن الخطوبة اتفسخت مؤقتًا، من غير تفاصيل.
كنت كل يوم أصحى وأسأل نفسي نفس السؤال
هو كان بيحبني أنا؟
وبعدها اكتشفت إن السؤال نفسه غلط.
لأن حتى لو كان بدأ يحبني...
أنا ماكنتش أعرف هو مين أصلًا.
الراجل اللي وافقت أتجوزه بنى أول أربع شهور من علاقتنا على كذبة أساسية.
مش مجرد وشم.
هو خبا ماضي كامل.
خبا خطوبة.
خبا وفاة إنسانة عاش معاها سنين.
واستخدم دبلة امرأة ميتة عشان يطلب إيدي.
بعد عشرة أيام، بعتلي رسالة واحدة
أنا بدأت علاج نفسي. مش عشان ترجعي. عشان اللي عملته بيكي خلاني أفهم إن الحزن اللي كنت فاكره حب ووفاء اتحول لحاجة مريضة. مش هكلمك تاني.
ما رديتش.
وبعد شهر تقريبًا، قابلت سلوى في كافيه.
جابتلي صندوق صغير.
حطته قدامي.
قلت
إيه ده؟
حاجتك.
فتحته.
كانت دبلة جديدة تمامًا.
بصيتلها باستغراب.
قالت
أحمد كان اشتراها قبل اليوم اللي حصل فيه كل ده.
قلت
إيه؟
طلبها مخصوص ليكي. كان ناوي يستبدل الدبلة القديمة.
هزيت راسي.
ده ما يفرقش.
عارفة.
قفلت العلبة ورجعتها لها.
خليه يحتفظ بيها.
ابتسمت بحزن.
كنت متوقعة.
قامت تمشي.
لكن قبل ما تقوم سألتها
طنط سلوى؟
نعم؟
داليا كانت فعلًا شبهي أوي؟
بصتلي شوية.
وقالت
في الصور؟ آه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وفي الحقيقة؟
قالت
لأ.
سكتت لحظة.
إنتِ مختلفة عنها تمامًا.
الغريب إن الجملة دي كانت أكتر حاجة كنت محتاجة أسمعها.
بعد ست شهور، شوفت أحمد بالصدفة.
كان واقف في كافيه.
دراعه الشمال كان مكشوف.
لأول مرة من ساعة ما عرفته.
الوشم لسه موجود.
صورة داليا لسه على دراعه.
لكن بدل ما يغطيها...
كان سايبها ظاهرة.
بصلي.
وأنا بصيتله.
ما قربش.
ما حاولش يكلمني.
بس هز راسه من بعيد.
وهزيتله راسي.
ومشيت.
بعدها فهمت حاجة.
الوشم نفسه عمره ما كان المشكلة.
داليا نفسها ما كانتش المشكلة.
حتى حزنه عليها ماكانش المشكلة.
المشكلة كانت إنه بدل ما يعيش مع ذكراها بشكل صحي...
قرر يخبيها تحت كم أسود، ويخبي الحقيقة معاها، ويدور على ست تانية يلبسها نفس الدبلة ويشكلها واحدة واحدة لحد ما تبقى أقرب لامرأة فقدها.
والأغرب؟
إن دبلة خطوبتي هي اللي وقعت جوه الكنبة.
وقتها افتكرت إنها أسوأ صدفة حصلتلي في حياتي.
دلوقتي...
أنا شايفاها أحسن حاجة حصلتلي.
لأن لو الدبلة ما وقعتش...
كان ممكن أتجوز أحمد.
وكان ممكن أقضي سنين بحاول أبقى نسخة من واحدة ماتت...
من غير ما أعرف أصلًا ليه عمري ما كنت بحس إني كفاية زي ما أنا.