ثمن السكوت
الحجة كريمة حواجبها اتعقدت. — عشان ابني قال لي إنه مخلص كل كروته وحدود السحب بتاعته.
درت لمصطفى. — كروت إيه دي؟ — ياسمين، مش وقت الكلام ده هنا. — كروت إيه؟ — العربية، وكارت المشتريات... حاجات طبيعية يعني.
ضحكت بقلة حيلة. — غريبة! لما اتطلقنا حنفت لي إن معندكش أي ديون جديدة.
الحجة كريمة برقت عينها. — اتطلقتوا؟!
مصطفى وقف بسرعة. — يا ماما ماليش دعوة بكلامها، هي زعلانة بس.
شلت شنطتي وحطيتها على رجلي. — أنا مش زعلانة، أنا تعبت من تمثيل الدور.
الحجة كريمة شاورت عليّ بصابعها. — يعني إيه الكلام ده؟
بصيت لطليقي. — يعني "مرات ابنك" دي مابقاش ليها وجود من ثلاث شهور، لأن ابنك قضا نهاية الأسبوع في السخنة مع واحدة معاه في الشركة، وكان قايلي إنه في مأمورية شغل في الإسكندرية.
الكتالوج اللي كان في إيد الحجة كريمة وقع على الأرض. — مصطفى!
شهق ووجهه أصفر. — ياسمين، إحنا كنا متفقين إن... — كنا متفقين إني هسكت لحد ما تلم حاجتك وتنفذ شروط الاتفاق. مش إن أهلك يستغلوا اسمي عشان يمولوا جوازة أخوك.
الحجة كريمة حطت إيدها على قلبها. — ده كدب! ابني ميعملش كده أبدًا. — طب اسأليه عن شاليه السخنة.
مصطفى غمض عينه. وهم كلهم باصين له، افتكرت بالظبط أنا اكتشفت الحقيقة إزاي...
افتكرت الليلة دي بكل تفاصيلها كأنها حصلت إمبارح.
كان يوم خميس، ومصطفى قالي إن عنده مأمورية شغل تبع الشركة في الإسكندرية وهيغيب لحد السبت بالليل. ودعته عادي، وبعد ما نزل بساعتين، اكتشفت إن شاحن اللاب توب بتاعه نسي وياخده، والتليفون اللي بيستخدمه للعمل كان لسه مفتوح ومربوط بالواتساب على اللاب.
في الأول، مكنتش قاصدة أفتش. بس الرسائل كانت بتنزل ورا بعض بسرعة مش طبيعية من رقم مش متسجل، مكتوب بس: "جنيفر - HR".
فتحت الشات، وكانت الصدمة. رسالة منها فيها لوكيشن: شاليه في قرية معروفة في العين السخنة، ومعاها جملة: "أنا وصلت، الحجز باسمك زي ما اتفقنا.. مستنياك يا درش". ورد مصطفى عليها: "ساعة وأكون عندك، قايل للمدام إني في إسكندرية، كبري دماغك وعيشي الجو".
الدم اتجمد في عروقي. ساعتها ما صرختش ولا بكيت. أخدت سكرين شوتس من كل المسجات، والصور اللي كانوا باعتينها لبعض قبل كده، وبعت كل حاجة لإيميلي الشخصي، وبعدها قفلت اللاب توب وحطيته في شنطته كأن شيئاً لم يكن.
يوم الأحد لما رجع وعامل فيها مجهد من "شغل إسكندرية"، واجهته بالصور والرسائل. وشه اتخطف، ومعرفش ينطق بكلمة واحدة. وفي نفس الليلة، اتطلقنا رسمي عند المأذون برغبتي وبشرطي: يخرج من الشقة بسكات، وما يحملنيش أي مليم من قروضه، وأنا هأجل إعلان الخبر للناس لحد ما يلم بقية حاجته ويرتب أموره مع أهله عشان خاطر صحة أمه.
رجعت للواقع على صوت الحجة كريمة وهي بتصرخ بصوت واطي ومختنق: — مصطفى! اتكلم! قول إن كلامها ده كدب! قول إنك مروحتش السخنة مع الزفتة دي!
مصطفى كان وشه جايب ألوان، باصص للأرض ومش قادر يرفع عينه في عين أمه ولا عين أخوه.
عادل نزل كوباية الشاي من إيده وهو بيبص لأخوه بصدمة. المشهد اتعكس في ثواني؛ بدل ما كان الكلام عليّ وعلى القرض بـ 280 ألف جنيه، بقى الكلام عن المصيبة اللي عملها ابنها الصغير.
— مصطفى... — الحجة كريمة اتكلمت بنبرة هادية بشكل يرعب — السحب اللي على كروتك، والديون اللي عليك... كانت عشان كده؟ عشان الفسح والسفريات دي؟
مصطفى بلع ريقه وصوته طالع بالعافية: — يا ماما... الموضوع مش زي ما هي مفاهمة حضرتك... إحنا كنا...
قاطعته وأنا بقوم أقف وبظبط شنطتي على كتفي: — الموضوع بالظبط زي ما قلته يا حجة كريمة. ابنك مش بس خانني، ده كمان استغفلكم واستغفلني، وغرقان في الديون لحد شوشته. وحضرتك جايبة كروت وعروض أسعار وتونس وعاملة خطة عشان أنا اللي أدفع ثمن الفشل ده كله من طقتي.
عادل وقف وهو متوتر: — يا ياسمين، طب اهدي بس... إحنا مكنّاش نعرف...
— تعرفوا أو متعرفوش، ده موضوع يرجع لكم ويتحل بينكم كعيلة — قلتهالهم بنبرة قاطعة ومفيهاش إمكانية للتفاوض — الشنطتين والكمبيوتر القديم بتوع مصطفى هبعتهم على هنا مع دليفري، عشان مش عاوزة رجل حد فيكم تعتب شقتي تاني. وعقد الطلاق الأوراق الرسمية بتاعته هتتبعتلكم عشان محدش يفكر يطلب مني مليم واحد.
مشيت ناحية باب الشقة، ومصطفى جرى ورايا للطرقة وهو بيوطي صوته وبيترجاني: — ياسمين استني بس! انتِ كده خربتي الدنيا! أمي ممكن يجرالها حاجة!
لفيت بصيت له بنظرة أخيرًا خلته يرجع خطوة لورا: — انت اللي خربتها من يوم ما رحت السخنة، ومن يوم ما وافقت تسحبني هنا عشان ألبس قرض لأخوك. تحمد ربنا إني ممشيتش في إجراءات الفضائح من زمان.
فتحت الباب وخرجت، وسبت ورايا صوت الحجة كريمة وهي بتهزأ فيه، وصوت عادل وهو بيزعق له على الفلوس والديون.
نزلت الشارع، ورجعت شقتي. نزلت شنط الهدوم والكمبيوتر للبواب يوصلهم لبيت أمه، وقفلت الباب ورايا بالمفتاح.
الست مش مجبورة تشيل حمل يهد ظهرها عشان ترضي ناس شايفينها مجرد كارت ائتمان أو منقذ عند اللزوم. الثمن اللي دفعته من راحتي وأعصابي كان كبير، بس الحرية وراحة البال اللي أنا فيها النهاردة تستاهل كل خطوة خطيتها عشان أبعد.
قفلت اللاب توب، أخدت نفس عميق من هواء الصبح، وابتسمت وأنا متأكدة إن صفحة الماضي اتقفلت للأبد، وأن القصة دي انتهت بأحسن طريقة ممكنة: إني رجعت لنفسي.
تمت.