جوزي مش بيحب يتعب نفسه
هزيت راسي:
— لأ. أنا بقول لك إن البيت مش شركة بتديرها لوحدك، ومش أنا موظفة عندك. ده بيتنا إحنا الاتنين، وولادنا إحنا الاتنين.
سكت.
ولأول مرة، بص ناحية العيال.
كانوا واقفين بعيد، سامعين كل حاجة.
ابني الكبير قال بصوت منخفض:
— بابا... ماما بتفضل تحرم نفسها عشاننا.
لف له بسرعة:
— وإنت مالك؟
رد ابني:
— مالي؟ دي أمي.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
أنا ما اتكلمتش.
ابني كمل:
— إحنا مش عايزين كل يوم لحمة يا بابا. إحنا عايزين بس ما نبقاش خايفين من بكرة.
الجملة وقعت عليه كأنها صفعة.
قعد على الكرسي.
وبعد دقائق طويلة، مد إيده ناحية الصينية.
أخذ لقمة.
فضل ساكت.
ثم قال من غير ما يبص لي:
— طيب... قوليلي.
قلت:
— أقول لك إيه؟
— دخلي كام في الشهر؟ ومصاريف البيت كام؟
بصيت له باستغراب.
قال:
— عايز أحسبها.
قعدت قدامه، وطلعت الورقة والقلم.
وقعدنا لأول مرة من سنين نحسب كل حاجة...
الإيجار.
الكهرباء.
المياه.
الدروس.
الأكل.
المدرسة.
العلاج.
المواصلات.
حتى مصاريف العربية اللي كان رافض يشتغل بيها.
ولما خلصنا الحساب، فضل باصص للورقة وقت طويل.
وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعة أسمعها منه:
— أنا كنت فاكر إنك بتبالغي.
ابتسمت بحزن:
— وأنا كنت فاكرة إنك عارف.
هز رأسه وقال:
— واضح إني ما كنتش عارف.
وبعدها رفع عينه لي:
— والعربية... لسه عندك اقتراحك القديم؟
قلت:
— لو أنت موافق.
قال:
— أجرب يوم الجمعة.
ابتسمت.
لكن قبل ما أفرح، كمل:
— مش عشان أنا أقل من الشغل ده... عشان أنا أبوهم، ومش عايز أفضل أطلب منك تعملي المستحيل.
سكتُّ.
وبصيت لأول مرة للصينية اللي كنت عاملاها وأنا مكسورة...
واكتشفت إن الـ300 جنيه ما كانتش هي اللي غيرت حياتنا.
اللي غير حياتنا إننا أخيرًا قعدنا نحسب ثمن كل حاجة...
مش ثمن الأكل بس.
ثمن تعب كل واحد فينا.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت باب الشقة بيتقفل.
فتحت عيني بسرعة، لقيت جوزي واقف عند الباب، لابس هدومه العادية، وفي إيده مفتاح العربية.
بص لي وقال:
— أنا نازل بدري النهارده.
استغربت:
— بدري ليه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
— عندي مشوار قبل الشغل.
وبعدها خرج.
عدّى اليوم عادي، لحد الساعة تلاتة ونص تقريبًا، سمعت صوت العربية تحت البيت.
دخل وهو مرهق، لكن المرة دي ما قعدش على السفرة ويقول "حطي الأكل".
حط كيس كبير على الرخامة وقال:
— دي حاجات للبيت.
فتحت الكيس، لقيت لحمة، فراخ، خضار، فاكهة، واحتياجات ناقصة كتير.
بصيت له باستغراب.
قال:
— النهارده اشتغلت بالعربية ساعتين قبل الشغل.
سكتُّ.
— وكسبت مبلغ كويس.
قلت:
— وها تعمل كده كل يوم؟
هز راسه:
— مش كل يوم. بس يومين في الأسبوع، والجمعة والسبت حسب ظروفي.
وبعدين قرب من العيال وقال:
— ومن النهارده أي حاجة تخص المدرسة أو الدروس أو احتياجاتكم، تيجوا تقولولي.
ابني الكبير بص لي، وبعدين قال:
— وماما؟
ضحك وقال:
— وماما مش هتشيل البيت لوحدها.
وبص لي وقال:
— أنا غلطت لما كنت فاكر إن الـ300 جنيه كفاية لكل حاجة، وغلطت أكتر لما كنت بعتبر تعبك حاجة عادية.
أنا ما رديتش.
لأن ببساطة، الكلام لوحده مش هيغير حاجة.
لكن الأيام اللي بعدها بدأت تثبت إنه المرة دي كان جاد.
بقى فيه مبلغ ثابت للبيت، ومبلغ منفصل للمدرسة والدروس، ومصاريف للطوارئ.
والأهم...
بطل يشترط اللحمة كل يوم.
وفي يوم جمعة، عملت عدس وبطاطس وبيض وسلطة.
دخل البيت، شم ريحة الأكل، وقال:
— يا سلام! العدس ده ريحته تجيب آخر الشارع.
ضحكت:
— مش هتقول فين البروتين؟
قال:
— البروتين موجود.
وبص للعيال:
— أهم بروتين في البيت إننا نفضل واقفين جنب بعض.
ابني ضحك، والبنت الصغيرة جريت حضنته.
وأنا وقفت في المطبخ أبص لهم.
ساعتها فهمت إن مشكلتنا ما كانتش الـ300 جنيه بس.
كانت إن كل واحد فينا كان شايل جزء من البيت لوحده، ومستني التاني يفهم من غير ما يتكلم.
ومن يومها، كل أول شهر بقينا نقعد سوا، نحط الميزانية قدامنا، ونقرر احتياجات البيت مع بعض.
أما الـ300 جنيه؟
بقت مجرد ذكرى من الأيام اللي كنت فيها بحاول أعمل المستحيل بثلاث ورقات.
والأغرب...
إن جوزي نفسه بقى كل ما يفتكر اليوم ده يضحك ويقول:
— أكتر صينية خوفتني في حياتي كانت صينية من غير لحمة.
وأرد عليه:
— وأكتر 300 جنيه علموك قيمة التعب.
ويضحك ويقول:
— الحمد لله إني اتعلمت قبل ما أخسر بيتي.
ومن يومها، ما بقيناش بنسأل:
"مين مسؤول عن البيت؟"
بقينا نسأل:
"إحنا نقدر نساعد بعض إزاي؟"
وده كان أغلى غدا أكلناه في حياتنا...
مش لأنه كان فيه لحمة.
لكن لأنه كان أول غدا اتاكل وإحنا حاسين إننا فريق واحد بجد.