امي و حماتي
حماتي المستقبلية سخرت من أمي عشان عمرها ما دخلت الجامعة، وطلبت منها تعمل لها القهوة من جديد، لكن أول ما خطيبي سمع كلامها، لقّنها درس عمرها ما هتنساه.
أمي عمرها ما دخلت الجامعة.
ومش عشان هي مش ذكية.
بالعكس تمامًا.
كانت عندها 18 سنة لما أبوها وأمها ماتوا، وسابوها مسؤولة عن أختها اللي كان عندها 13 سنة، وأخوها الصغير اللي كان عنده 10 سنين.
وقتها، موضوع التقديم للجامعة اختفى تمامًا قدام مصاريف الأكل، والإيجار، والشغل لساعات طويلة في مطعم.
وبعد فترة، اتجوزت أبويا، وخلفت تلاتة أولاد وربتهم.
أمي عمرها ما اشتكت على الحاجة اللي فاتتها.
ولا مرة قالت إنها ضيعت مستقبلها، ولا لامت حد على حياتها.
هي ببساطة فضلت تتعلم طول عمرها.
بيتنا كان دايمًا مليان كتب استعارتها من المكتبة.
وبعد ما إحنا كبرنا، كانت بتفضل صاحية بالليل تتفرج على محاضرات عن التاريخ، وفيديوهات عن الزراعة، وفيديوهات تشرح لها إزاي تصلح تقريبًا أي حاجة في البيت.
كانت تعرف تخيط فستان كامل من غير باترون.
وتقدر ترمم كرسي قديم وتخليه كأنه جديد.
وتزرع الطماطم من البذور.
والأغرب من كل ده، إنها كانت أوقات تشرح لي حاجات أنا نفسي كنت نسيتها من أيام المدرسة.
خطيبي أحمد كان بيعشق أمي وبيحترمها جدًا.
لكن أهله كانوا مختلفين تمامًا.
باباه ومامته، عادل ومنى، كانوا الاتنين أساتذة في الجامعة، وشهاداتهم ودبلوماتهم كانوا معلقينها على حيطة كاملة في بيتهم.
ومن أول ساعة تقريبًا قابلوا فيها أمي، منى بدأت تسألها
إنتِ درستِ في جامعة إيه؟
لما أمي ردت عليها وقالت إنها ما دخلتش الجامعة أصلًا، منى ابتسمت ابتسامة غريبة.
وقالت
آه... فهمت.
أنا لاحظت التغيير في طريقتها فورًا.
وقبل فرحنا بفترة، أحمد اقترح إن العيلتين يقضوا ويك إند طويل مع بعض في بيت كنا مأجرينه على البحر.
أنا كنت متأملة إن الرحلة دي تقربنا من بعض، وتخلي علاقتنا أحسن.
لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.
منى قضت اليومين كلهم وهي ترمي كلام صغير ومستفز على أمي، كل شوية وفي كل مناسبة.
وقت العشا، كانت تقاطع أمي وهي بتتكلم عشان تشرح لها معنى كلمة، مع إن أمي كانت مستخدماها صح أصلًا.
وفي مرة، مفصلة دولاب اتكسرت، فأمي قامت وصلحتها بنفسها.
منى ضحكت وقالت باستهزاء
أهو، كل واحد وليه مواهبه.
أمي تجاهلتها تمامًا.
ولا ردت عليها، ولا دخلت معاها في خناقة.
وفي يوم، قالت لي بهدوء
أنا مش عايزة أعمل مشاكل قبل فرحك.
لكن صباح يوم الأحد، نزلت تحت، وأول ما دخلت نص الريسبشن وقفت مكاني.
أمي كانت واقفة في المطبخ عند الرخامة.
كانت بتحضر القهوة وبتغسل أطباق الفطار بتاعة الكل.
أما منى فكانت قاعدة على الكنبة وبتقرأ.
أخدت رشفة واحدة من القهوة، وفجأة كشرّت وضايقت.
وقالت
أنا قلت لك عايزة كريمة، مش لبن.
أمي لفتت لها وقالت بهدوء
آسفة، أكيد أنا فهمت غلط.
منى مدت لها الكوباية.
وقالت
خلاص، اعملي واحدة تانية.
أمي مدت إيدها عشان تاخد الكوباية.
لكن منى ضحكت.
وبصوت مليان استهزاء قالت
واضح فعلًا إنك عمرك ما أخدتي تعليم كويس. إنتِ حتى مش قادرة تفتكري حاجة بسيطة زي دي!
حسيت بمعدتي اتقبضت من الصدمة.
وشفت وش أمي احمر من الإحراج.
وططّت عينيها في الأرض، وأخدت الكوباية منها.
أنا بدأت أتحرك ناحيتهم.
لكن في نفس اللحظة، أحمد عدى من جنبي.
كان سمع كل كلمة.
وقف وقال بهدوء
ماما.
منى رفعت راسها وبصت له.
أحمد قرب منها، وأخد كوباية القهوة من إيد أمي بكل هدوء، وحطها قدام أمه على الترابيزة.
وبعدها مد إيده وقفل الكتاب اللي كانت بتقرأه.
منى بصت له باستغراب وقالت
أحمد، إنت بتعمل إيه؟
أحمد سحب الكرسي اللي قصادها وقعد.
وبص لها بهدوء شديد.
وقال
إنتِ قضيتي الويك إند كله وإنتِ بتفكري الناس قد إيه إنتِ متعلمة ومثقفة.
منى قطبت حواجبها وقالت
وبعدين؟
أحمد ابتسم لها ابتسامة هادية.
وقال
طيب، خليني أسألك سؤال واحد بس.
منى ابتسمت بثقة.
كانت متأكدة إنها تقدر تجاوب على أي سؤال مهما كان.
وقالت
طبعًا. اسألني أي حاجة.
أحمد مال لقدام شوية.
وبعدين قال جملة واحدة...
الجملة دي مسحت الابتسامة من على وش أمه في لحظة.
ابتسامة منى اختفت تمامًا من على وشها.
اتسمع صوت شوكة وهي بتخبط في طبق ورايا.
لثواني، محدش اتكلم.
منى بصت لأحمد كأنها مش مصدقة اللي سمعته.
وقالت
إنت قلت إيه؟
أحمد ما رفعش صوته.
بالعكس، كان هادي جدًا.
قال
سمعتي السؤال.
منى بصت حوالين المكان، وبعدين رجعت تبص له.
إنت بتتهمني إني غشيت في الجامعة؟
أحمد رد
أنا بسألك ليه غشيتِ في الجامعة.
وشها اتغير.
والدي، عادل، كان واقف بعيد شوية، ولما سمع الكلام، نزل عينيه في الأرض.
أمي كانت لسه واقفة جنب الحوض.
حاولت تتدخل.
أحمد، خلاص يا ابني...
لكنه بص لها وقال بهدوء
لا يا طنط. المرة دي مش هنسكت.
وبعدين رجع بص لأمه.
إنتِ قضيتي اليومين اللي فاتوا بتفهمي الناس إن قيمة الإنسان بتتحدد بعدد الشهادات اللي عنده.
منى قالت بسرعة
أنا ما قلتش كده.
أحمد رد
لأ، إنتِ ما قلتيهاش بشكل مباشر.
وأشار ناحية أمي.
بس إنتِ قلتي لها إنها قليلة التعليم لأنها نسيت نوع اللبن اللي بتحطيه في قهوتك.
منى فتحت بوقها عشان ترد، لكنه كمل
أمي ما دخلتش الجامعة لأنها وهي عندها 18 سنة فقدت أبوها وأمها، واضطرت تشتغل عشان تصرف على إخواتها الصغيرين.
بص لأمي لحظة.
ومع ذلك، فضلت تتعلم طول عمرها.
ثم رجع لأمه.
إنتِ عندك شهادات كتير. ممتاز.
سكت لحظة.
بس قولي لي، الشهادات دي علمتك إيه بالضبط؟
منى وشها احمر.
أحمد، إنت مش فاهم حاجة.
أنا فاهم أكتر مما كنت أتمنى.
أبويا... أو بالأصح والد أحمد، عادل، رفع عينه أخيرًا.
منى بصت له بسرعة.
عادل.
لكنه ما ردش.
أحمد كمل
أنا سألت بابا امبارح عن الدكتورة روز.
منى اتجمدت.
أمي بصت لي باستغراب.
أما أنا، ففضلت ساكتة.
أحمد قال
وسألته عن دكتور آرثر.
منى بدأت تهز رجلها بعصبية.
مفيش داعي للكلام ده.
أحمد رد
لأ، في داعي.
ثم قال
بابا حكى لي إنك اتقفشتِ وإنتِ بتغشي في امتحان.
منى قالت بسرعة
دي قصة قديمة جدًا.
وقال كمان إن كان فيه مرة تانية اتلاقي معاكي ملاحظات.
كان سوء تفاهم.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
سوء تفاهم؟
ثم التفت ناحية والده.
صح يا بابا؟
عادل أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
أمك اتقفشت فعلًا.
منى