الابلكيشن الكمبوند الجزء الاول حكايات مني السيد
طارق نزل ماتش الكورة وهو بيغلي، لابس تيشرت قديم مبهدل، ورزع باب الشقة وراه بكل غيظه، فاكر إن الحركة دي هتخلي نورهان تراجع نفسها، تقعد تعيط، أو على الأقل تحس بالذنب وتقوم تنضف الشقة وتحضر له عشا يعوض بيه حرقة دمه.
بس نورهان كانت في كوكب تاني خالص.
أول ما الباب اتقفل وصوت المفتاح اختفى، نورهان قفلت الرواية بابتسامة رايقة جداً، قامت طلبت دليفري محترم من مطعم سوشي غالي كانت نفسها تجربه من زمان وطارق دايماً يقول لها بلاش تبذير وفرهدة فلوس على أكل ني، ولما الأكل جه، قعدت على السفرة تاكل بمزاج وتتفرج على حلقة من مسلسلها المفضل. خلصت أكل، لمت علب الدليفري في كيس وقفلته ورمته في باسكيت الزبالة، وسابت المطبخ زي ما هو حلة الرز اللي طارق كان بيسخن فيها من الظهر محروقة وقاعها فحمة، والحوض مليان كوبايات قهوة وطاسات قلي من يومين، حتى الفوطة المبلولة سابتها معصورة ومقرمطة فوق الرخامة.
عدى يوم الأحد، والبيت بيتحول تدريجياً لخرابة.
طارق حاول يلعب لعبة النفس الطويل. قرر ميتكلمش، وميطلبش منها حاجة، عشان ميديهاش فرصة تحرجه تاني. حب يعمل فيها الراجل العصامي اللي مش محتاج لست. دخل المطبخ يوم الأحد بالليل عشان يعمل لنفسه كبدة إسكندراني من اللي كانت متفرزة في الفريزر. طبعا ملقاش طاسة نظيفة، مسك طاسة متزيتة حطها على النار، نزل الكبدة بتلجها، الزيت طرطش في كل حتة على السيراميك والبوتاجاز، وريحة شياط ملت الشقة. ولما جه يغسل إيده بعد المعركة دي، سد الحوض ببواقي الأكل والدهون، فالمية وقفت وركدت، وبقت عاملة بركة عايم فيها بواقي بصل وليمون معصور وريحة المطبخ بقت لا تُطاق.
نورهان كانت بتدخل المطبخ، تعدي من جنب الحوض المسدود كأنها بتعدي جنب لوحة في متحف اللوفر، تملا إزازة ميتها المعدنية من التلاجة، وتبتسم له ابتسامة لطيفة جداً وتقول تسلم إيدك يا طارق، شادد حيلك والله.. بس متنساش تقفل أنبوبة الغاز عشان أمان العمارة.
طارق كان هينفجر. وشه كان بيجيب ألوان، خصوصاً لما يصحى الصبح ملقاش قميص واحد مفرود عشان ينزل بيه الشغل في البنك، يضطر يلبس قميص مكسر تحت الجاكيت وهو شايط.
ويوم الإثنين الصبح، الباب اتفتح فجأة برنة مفاتيح صاخبة ومألوفة.
الحاجة تيسير دخلت.. جارة وراها شنطة السفر الترولي، لابسة نضارتها الشمس ونقاب الشياكة المعتاد، وريحة البرفان المركز سبقاها.
يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه الريحة دي؟! إيه اللي مهبب الشقة كدة؟!
تيسير رمت الشنطة على الأرض وبصت برعب حواليها. الشقة اللي كانت بتلمع زي المراية قبل ما تسافر، الصالة مكركبة، جزم طارق مرمية جنب الباب، وعلى ترابيزة الصالون كوباية شاي بلبن قديمة رابية وش ناشف وواقف عليها دبانة.
خرجت نورهان من الأوضة، لابسة طقم خروج شيك جداً، شعرها معمول، حاطة روج هادي، وماسكة شنطة إيدها وموبايلها.
صباح الخير يا طنط.. حمد الله على السلامة، نورتي بيتك.
تيسير قلعت النضارة وبصت لنورهان من فوق لتحت بصدمة، وعينيها بتطق شرار الله لا يسلمك يا ختي! إيه الزريبة اللي إنتوا قاعدين فيها دي؟! فين الفطار؟ وفين كوباية الينسون بتاعتي؟ وإيه المنظر ده يا هانم؟ إنتِ قاعدة هنا بتعملي إيه بالظبط من يوم ما مشيت؟!
في اللحظة دي، طارق خرج من الأوضة التانية وهو بيزرر قميصه بالعافية، وشه مخطوف، كأنه تلميذ خايف من أمه ماما.. حمد الله على السلامة.. متزعليش نفسك، أصل يعني..
نورهان قاطعته بهدوء تام وبصوت ناعم زي الحرير معلش يا طنط، متلوميش طارق، هو حاول على قده والله. بس أصل حضرتك نسيتي إنك من يوم السبت لغيتي إقامتي هنا وبقيت مجرد زائرة بتصريح مؤقت. وطبعاً الأصول والذوق بيقولوا إن الضيف ميفتحش دواليب حد، ولا يمسك مقشة في بيت مش بيته، ولا يتدخل في خصوصيات أصحاب المكان. ففضلت سايبة كل حاجة لأصحاب الملك هما اللي يتصرفوا.
عروق رقبة تيسير نفرت، ووشها احمر من الغيظ، وبصت لطارق اللي واقف باصص في الأرض زي العيل الصغير إنت حكيت لها يا طارق؟! إنت بتشتكي لأمرك مني؟!
طارق اتلعثم ورفع إيديه باستسلام لا يا ماما والله، السيستم بعت لها إيميل أوتوماتيك على الموبايل.. وأنا فهمتها إن دي حركة عادية عشان نوفر مصاريف الكومباوند مش أكتر.
تيسير استجمعت جبروتها كله ووقفت بنص الصالة، حطت إيدها في وسطها وبصت لنورهان بتحدي وعينين ضيقة أيوه يا نورهان، أنا اللي لغيت اسمك! الشقة دي شقتي، وملك فلوسي، وأنا حرة فيها أدخل اللي على مزاجي وأطلع اللي على مزاجي. واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل! إنتِ فاكرة نفسك مين؟ ده إنتِ داخلة بشنطة هدومك! عايزة تعملي عليا معلمة في ملكي وتبطلي تنضفي وتطبخي لابني؟ لاء فوقي لنفسك، لو مش عاجبك عيشة الهوانم دي، ألف مين تتمناك تخدم طارق وتراب رجلين طارق!
طارق كان واقف، وشه في الأرض، مبيقولش بم. أمه بتهين مراته وبتمرمط بكرامتها الأرض قدامه، وهو واقف زي الكرسي اللي في زاوية الصالون، مفيش منه غير صوت تنفسه المكتوم.
نورهان بصت لطارق نظرة أخيرة.. نظرة كانت كفيلة تدفن أي حب أو احترام كان باقي له في قلبها. اتأكدت بالدليل القاطع إن الراجل ده عمره ما هيكون ضهر، وإنه بايعها برخيص عشان ميزعلش ماما.
نورهان مدت إيدها في شنطتها الشيك بالراحة أوي.
طلعت ملف بلاستيك لونه أزرق، متدبس بحرفية وفيه أوراق رسمية عليها أختام نسر وأوراق تانية مطبوعة من بنك.
تيسير برقت إيه الورق ده كمان؟! هتعملي لي فيها محامية؟!
نورهان فتحت الملف ببرود أعصاب يحرّق الدم، وطلعت ورقة معينة وبصت لتيسير وطارق وقالت بنبرة هادية بس كانت ترن في الصالة زي القنبلة
الشقة دي فعلاً مكتوبة باسمك في عقد الكومباوند يا طنط تيسير.. بس حضرتك وطارق نسيتوا تفصيلة صغيرة أوي من تلات سنين. نسيتوا الشيك البنكي اللي بقيمة سبعمية وخمسين ألف جنيه اللي خرج من حساب والدي الله يرحمه لحساب حضرتك مباشرة عشان تكملي تمن الشقة دي وقت الاستلام لما الشركة كانت هتلغي الحجز وتسحبها؟
تيسير وشها بهت فجأة، وريحة الشياط اللي في المطبخ كأنها دخلت في زورها وشرقتها.
نورهان كملت وهي بتبص في الورقة ونسيتوا إقرار الأمانة وعقد الاتفاق العرفي المتسجل في الشهر العقاري بصحة توقيعك إنتِ شخصياً، اللي بيثبت إن المبلغ ده مكنش هدية ولا سلف، ده كان مساهمة في تمن الشقة مقابل نسبة تلاتين في المية من ملكيتها، وإن من حقي في أي وقت أطالب بفرز وتجنيب النسبة دي أو استرداد المبلغ بقيمته السوقية الحالية.. اللي هي النهاردة بعد التعويم تعدي التلاتة مليون جنيه مرتاحين.
طارق رفع راسه فجأة وتنح، عيونه كانت هتطلع من مكانها إيه؟! ورق إيه ده؟! إنتِ بتقولي إيه يا نورهان؟! ماما.. هو في كلام من ده بجد؟!
تيسير لسانها اتشل، بلعت ريقها بصعوبة، وإيدها اللي كانت في وسطها نزلت تترعش جنبها، وعينيها بتتنقل بين الورقة المختومة وبين عينين نورهان اللي كانت بتلمع بقوة وثبات عمرهم ما شافوه فيها قبل كدة.
الصالة بقى فيها سكوت قاتل، مكنش مسموع فيه غير صوت طقطقة كعب جزمة نورهان وهي بتقرب خطوتين من السفرة، حطت نسخة من الورقة فوق حلة الرز المحروقة اللي في مدخل المطبخ، وقالت بابتسامة تقطع شرايين
أنا بقى مش هطالب بفلوسي دلوقتي.. أنا هطلب حاجة تانية خالص هتخليكم تدعوا إنكم مكنتوش فتحتوا أبلكيشن الكومباوند ده أصلاً..