اختي دلقت علي فستان فرحي اللي 350 الف جنيه الأخير
الجزء الثالث والأخير
الصندوق الخشب لما اتفتح، حسيت إن الأوضة كلها نورت بنور مختلف، نور هادي فيه هيبة وريحة غالية مألوفة، ريحة الأتيليه بتاع الزمالك نفسه، بخور العود الخفيف المخلّط بريحة قماش الستان والتول الخام النضيف.
الغطا اترفع براحة، وظهر من تحته طبقات من ورق الزبدة الأبيض المنقوش بماية دهب، وبدأوا الشباب بتوع الأتيليه يشيلوا الورق واحدة واحدة بحرص شديد، كأنهم بيكشفوا عن تحفة أثرية خايفين يخدشوها.
ولما الورق انزاح تماماً، شهقت... شهقة طويلة حسيت بعدها إن روحي اللي كانت مسحوبة رجعت لي في ثانية واحدة.
الفستان كان أوف وايت، بس مش أي أوف وايت... درجة رايقة جداً ما بين العاجي واللؤلؤ، معمول من قماش حرير ميكادو تقيل وناعم، وطبقات الدانتيل الفرنساوي كانت مطرزة بإيدين محترفة بحبات اللولي الصغير والكريستال اللي بيعكس النور من غير ما يكون فاقع أو مزعج للعين. كان فيه فخامة ملكية متتوصفش، مقفول من عند الرقبة بحزام لولي رفيع، وبأكمام طويلة من الشيفون الحرير المنقوش بنقشات شجر هادية، نازلة لحد كف الإيد وبتنتهي بأزرار لولي متقفلة بحرفنة.
نيرة حطت إيديها الاتنين على خدودها وعينيها وسعت من الذهول: "يا نهار أبيض... إيه الجمال ده؟! ده أحلى من الأولاني ميت مرة يا نور! ده حكاية لوحده!"
أنا لساني كان عاجز عن النطق، كنت ببص للفستان وببص لرامي اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة ومكتف إيديه، مبتسم ابتسامته الواثقة اللي بتطمن قلبي دايماً، عينيه كانت بتقول لي: "مش قولتلك متقلقيش؟"
الأستاذة فريدة خطت خطوتين لقدام، ومدت إيدها اللابسة قفاز قطن أبيض، ومسكت طرف الطرحة الطويلة اللي كانت مطبقة بعناية فائقة جنب الفستان، وبصت لي بعينين مليانة تقدير واحترام وقالت: "الفستان ده مكنش معروض للبيع يا نور، ومكنش معمول لأي عروسة تانية... الفستان ده قصة تانية خالص."
بلعت ريقي وسألتها بصوت مهزوز من فرط المفاجأة: "قصة إيه يا أستاذة فريدة؟ الفستان ده جه منين؟ وأستاذ شريف بعتهولي إزاي وهو عارف إني كنت مستقرة ع التاني؟"
فريدة ابتسمت بهدوء، وطلعت من الدوسيه الأسود جواب كارتون صغير لونه بيج، مقفول بشمع أحمر مختوم بختم شريف فهمي الخاص، ومدتهولي: "اقري الجواب ده الأول... ده مكتوب بخط إيد شريف نفسه، وهو موصيني أسلمهولك في إيدك لو حصل أي ظرف طارئ، وكان متابع خطوة بخطوة من الصبح."
فتحت الجواب وإيديا بتترعش، الورقة كانت تقيلة وملمسها ناعم، والكلام مكتوب بحبر أسود عربي أصيل، خط واضح ومرتب:
"بنتي الغالية نور... لما الحاج رشدي الله يرحمه جالي الأتيليه من أكتر من سنة، وقعد معايا الساعات الطويلة وهو تعبان وبيعافر مع المرض، كان عينيه فيها لمعة أب حاسس إن أيامه معدودة ونفسه يسيب لبنته الكبيرة ذكرى تعيش معاها العمر كله. بعد ما اخترتوا الفستان الأولاني ومشيتوا، الحاج رشدي رجع لي تاني يوم لوحده... كان ساند على عكازه، وقعد قدامي في مكتبي وطلع من جيبه ظرف مقفول. قالي: 'يا شريف يا بني، أنا عارف إن نور بتحب الشياكة بس بتخاف ع الفلوس وبتستخسر في نفسها، واختارت الفستان اللي على قد جمعيتها عشان متتقلش عليا ولا على عريسها. بس أنا عايزك تعملها تحفة تانية، تحفة ملكية تليق بقلبها وببرها بيا... فلوس الفستان ده مدفوعة من حر مالي يا شريف، سيبه عندك في الأمانات، ومتقولهاش غير يوم فرحها، أو لو الدنيا ضاقت بيها في أي لحظة. عايزها يوم ما تلبسه تحس إني حاضر .' الفستان ده هديّة أبوكي ليكي يا نور، ده مش بديل ولا تعويض... ده الأصل اللي كان مستنيكي. البسيه وافرحي، وخلي اللي غار وحقد يعرف إن البر والنية الصافية عمرهم ما بينكسروا. عمك شريف فهمي."
الدموع نزلت من عيني زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا حزن، كانت دموع سكينة غريبة دخلت قلبي وغسلته من كل وجع الساعات اللي فاتت. بصيت للسما وهمست من كل قلبي: "الله يرحمك يا حبيبي... الله يرحمك يا بابا، حتى وإنت في دار الحق مش سايبني ولا هاين عليك انكسر."
رامي قرب مني، وطى راسي بحنية، ومسح دموعي بطرف صباعه وقال بصوت دافي هادي: "شوفتي بقى؟ باباكي مسبكيش، ولا كان هيسمح للي تحت دي إنها تكسر فرحتنا. من الصبح لما نيرة كلمتني وقالت لي ع المصيبة اللي حصلت، وأنا قلبي كان هيقف، بس افتكرت مكالمة جاتلي من أستاذ شريف من تلات أيام... كان بيأكد عليا معاد التسليم بتاع المفاجأة دي، ولما كلمته وقولتله ع اللي عملته مي، قالي: 'اطمن يا رامي، حق نور القانوني هيجيلها بالبوليس، وهدية أبوها هتوصلها في دقايق.' يلا يا عروسة، كفاية دموع بقى، الكوافير والميكب أرتست مستنيين برة عشان نظبط الدنيا من تاني."
نيرة مسحت دموعها هي كمان وضحكت بصوت عالي: "يلا يا نور! عندنا فرح عايزين نولعه! وسيبك من أي نكد ورا ضهرك!"
الأستاذة فريدة بصت في ساعتها واستأذنت باحترام: "أنا هسيبكم دلوقتي تجهزوا، وهنزل أتابع الإجراءات في القسم مع النيابة. متقلقيش خالص من حتة البلاغ، الكاميرات مسجلة كل حاجة بالصوت والصورة، والغِرا اللي في إيدها متطابق مع التلف اللي حصل، والمحضر هيمشي جناية واضحة وصريحة عشان تكون عبرة لكل اللي يستبيح أذى غيره."
هزيت راسي بشكر وامتنان، وخرجت الأستاذة فريدة، ودخلت الميكب أرتست ومساعدتها ومعاهم البنتين بتوع الأتيليه.
بدأوا يشتغلوا كأنهم خلية نحل. واحدة مسؤولة ع الفستان لبستني إياه بحرص شديد عشان الحرق الخفيف اللي كان عند طرف كتفي، بعد ما حطوا عليه مرهم طبي وشاش معقم مبيبانش خالص تحت القماش. الفستان نزل على مقاسي بالمللي، كأن بابا وشريف فهمي كانوا عارفين وزني وطولي وحساب كل تفصيلة بدقة متناهية. القماش كان تقيل وواقف برونقه، الديل بتاعه كان مفرود ورايا بمسافة مترين ونص، مطرز بحرفية خيالية تخطف العين.