دخل المطعم بملابس قديمة

لمحة نيوز

 

— «إنت عارف بكام؟»

— «قول.»

— «عشرة آلاف جنيه.»

سامح ابتسم.

— «هاتها.»

أكرم بص لموظف قريب منه وضحك.

— «حاضر يا حاج.»

لكن وهو ماشي، قرب من الشيف وقال بصوت واطي:

— «هات له أرخص قطعة عندنا.»

الشيف بص له باستغراب:

— «بس هو طلب الـRib Eye.»

أكرم رد:

— «هو فاكر نفسه يقدر يطلب؟ طلّع له أي حتة وخلاص.»

سامح كان سامع.

لكنه ما علّقش.


 

في ناحية البار كانت واقفة نهى.

ويتر شابة.

بنت بسيطة، شغالة عشان تصرف على أمها المريضة، وتساعد أخوها يكمل دراسته.

نهى كانت شايفة حاجات كتير بتحصل في المطعم.

كانت شايفة أكرم وهو بياخد جزء من البقشيش.

شايفة إزاي بعض العاملين بيتخافوا منه.

شايفة إزاي بيتم التعامل مع الزبون حسب شكله.

ولما شافت اللي بيحصل مع سامح…

حست إن الموضوع زاد عن حده.

راحت له بهدوء وقالت:

— «حضرتك تحب تشرب حاجة لحد ما الأكل ييجي؟»

سامح بص لها.

— «ممكن مية.»

ابتسمت.

— «حاضر.»

حطت المية قدامه.

وقبل ما تمشي قالت بصوت منخفض:

— «معلش يا حاج.»

سامح رفع عينه.

— «على إيه؟»

— «على الطريقة اللي بيتعاملوا بيها معاك.»

سامح بص لها شوية.

وبعدين قال:

— «إنتِ مالكش ذنب.»

نهى ابتسمت ومشيت.

لكن سامح فضل باصص وراها.

كان واضح إنها مختلفة.


 

بعد شوية، الأكل وصل.

أكرم جه بنفسه.

حط الطبق قدام سامح.

وقال:

— «بالهناء والشفاء.»

سامح بص للطبق.

وبعدين رفع عينه لأكرم.

— «ده الـRib Eye؟»

— «طبعًا.»

سامح قطع قطعة صغيرة.

بص لها.

ما أكلهاش.

حط الشوكة.

وبص حواليه.

المطعم كله كان مليان مظاهر فخامة.

لكن ورا الأبواب…

كان فيه فساد.

وإهانة.

واستغلال.

سامح مد إيده لجيب الجاكت.

طلع قلم.

وسحب منديل المطعم.

وكتب عليه كام كلمة.

وبعدين طلع كارت أسود صغير.

الكارت اللي ما كانش بيديه لأي حد.

وحط جنبه مبلغ كبير من الفلوس.

بعدها قال:

— «أكرم.»

المدير جه وهو مبتسم.

— «ها يا حاج؟ عجبتك اللحمة؟»

سامح وقف.

لأول مرة، أكرم حس إن فيه حاجة غريبة في نظرات الراجل.

سامح قال:

— «أنا ما كلتش.»

أكرم استغرب.

— «ليه؟»

— «لأني ما كنتش جاي أكل.»

سكت أكرم.

— «أمال جاي تعمل إيه؟»

سامح حط المنديل قدامه.

— «جاي أشوف.»

أكرم ضحك.

— «تشوف إيه؟»

سامح بص له في عينه.

— «أشوف الكلام اللي وصلني كان حقيقي ولا لأ.»

ابتسامة أكرم اختفت.

— «مش فاهم.»

سامح قرب منه خطوة.

— «هتفهم.»

وبعدين ساب المكان ومشي.


 

أكرم مسك المنديل.

كان فاكر إن الراجل بيهزر.

فتح المنديل.

قرأ أول سطر.

وشه اتغير.

قرأ التاني.

إيده بدأت ترتعش.

وفي آخر المنديل كانت مكتوبة جملة:

«أنا سامح الشهاوي… صاحب المكان اللي إنت أهنتني فيه الليلة.»

أكرم حس إن الأرض اتحركت من تحته.

بص ناحية الباب.

سامح كان خرج بالفعل.

جري وراه.

— «يا أستاذ!»

سامح وقف.

أكرم قرب منه وهو مش قادر ينطق.

— «حضرتك… صاحب المطعم؟»

سامح لف له.

— «مش بس صاحب المطعم.»

وسكت لحظة.

— «أنا صاحب السلسلة كلها.»

أكرم وشه اصفر.

— «بس… بس أنا ما كنتش أعرف حضرتك.»

سامح رد:

— «ودي بالضبط هي المشكلة.»

أكرم بدأ يتكلم بسرعة:

— «والله يا فندم أنا كنت فاكر…»

سامح قاطعه:

— «كنت فاكر إني فقير.»

أكرم سكت.

— «وعشان كده أهنتني؟»

— «لا يا فندم، الموضوع سوء تفاهم.»

سامح ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.

— «سوء تفاهم؟»

وأشار ناحية باب المطعم.

— «والراجل اللي طردتوه قبل كده؟»

أكرم سكت.

— «والبقشيش اللي بتاخده من الموظفين؟»

سكت أكتر.

— «والأكل اللي بتخليه يروح للناس حسب شكلهم؟»

أكرم بدأ يعرق.

سامح قال:

— «أنا دخلت هنا عشان أتأكد من حاجة واحدة.»

وبص له في عينه:

— «واتأكدت.»


 

في نفس اللحظة، تليفون أكرم رن.

بص للشاشة.

مكالمة من الإدارة الرئيسية.

رد وهو بيرتعش:

— «ألو؟»

جاله صوت من الناحية التانية:

— «الأستاذ سامح أصدر تعليمات بإيقاف مدير الفرع فورًا.»

أكرم ما قدرش يرد.

وفي نفس اللحظة، دخل عدد من مسؤولي الشركة ومعاهم أفراد الأمن.

المطعم كله اتقلب.

الزباين بدأوا يسألوا:

— «في إيه؟»

الموظفين وقفوا في أماكنهم.

نهى كانت واقفة بعيد، مش فاهمة.

سامح رجع ناحية الباب.

بص للموظفين كلهم.

وقال:

— «النهارده أنا مش هحاسب حد عشان لبسه.»

سكت.

— «لكن هحاسب أي حد أهان إنسان لمجرد إنه افتكر إن مفيش فلوس في جيبه.»

وبص لأكرم.

— «إنت مش هتكمل هنا.»

أكرم انهار.

— «يا فندم أرجوك… عندي أولاد.»

سامح رد بهدوء:

— «وأنا ما طلبتش منك تجوّعهم.»

أكرم سكت.

— «أنا طلبت منك بس ما تجوّعش ضميرك.»


 

قبل ما سامح يمشي، لفت نظره نهى.

كانت واقفة جنب البار.

ساكتة.

سامح أشار لها.

— «إنتِ… اسمك إيه؟»

— «نهى.»

— «بقالك قد إيه هنا؟»

— «تلات سنين.»

— «وشوفتي حاجات كتير؟»

نهى اترددت.

بصت لأكرم.

وبعدين قالت:

— «أيوه.»

سامح قال:

— «من بكرة، إنتِ مديرة المكان.»

نهى فتحت عينيها.

— «أنا؟»

— «أيوه.»

— «بس يا فندم… أنا مجرد ويتر.»

سامح ابتسم.

— «يمكن تكوني مجرد ويتر في نظرهم… لكن النهارده أنا شفت فيكي حاجة أهم من أي شهادة.»

نهى سألت:

— «إيه؟»

قال:

— «ضمير.»

وسابها ومشي.


 

بعد ما خرج سامح من المطعم، وقف على الرصيف.

الهواء كان بارد.

مد إيده ولمس الجاكت القديم.

بص له وابتسم.

افتكر الشاب الفقير اللي كان واقف قدام مطعم من تلاتين سنة، واتطرد عشان هدومه.

وقال لنفسه:

— «شكراً يا صاحبي…»

وبص للجاكت.

— «لسه بتفكرني مين ولاد الأصول… ومين الفلوس عمت عينه.»

ركب عربيته اللي كانت مستنياه بعيد.

لكن قبل ما يقفل الباب، بص مرة أخيرة ناحية المطعم.

المكان كان لسه منور.

النجف لسه بيلمع.

والناس لسه بتاكل.

لكن من الليلة دي…

البرنس 58 ما بقاش نفس المكان.

لأن صاحبه اكتشف بنفسه إن أفخم ديكور ممكن يتبني في يوم…

لكن لو اللي جواه مفيهوش أخلاق…

فكل الفخامة دي ما تسواش حاجة.

وسامح كان عنده قاعدة واحدة عمره ما نسيها:

«إنت ممكن تعرف قيمة الإنسان من فلوسه… لكنك ما تعرفش قيمته الحقيقية غير لما تشوفه بيتعامل إزاي مع اللي فاكره أقل منه.»

والمدير الليلة دي ما خسرش شغله بس…

هو خسر أكتر حاجة كان فاكر إن محدش يقدر ياخدها منه… ثقة صاحب المكان نفسه.

تم نسخ الرابط