مقلب في عيد ميلادي الجزء الاول حكايات مني السيد
اليود والنسيم بتداعب وشها. طلعت التليفون، كانت قافلة الشريحة الأساسية، بس مشغلة الواي فاي بتاع الأوتيل. فتحت الشات، لقت ندى زميلتها باعتة لها عملتي إيه يا مچنونة؟! طمنيني وصلتي؟. رنا صورت لها البحر ورجليها في الرملة وكتبت وصلت الجنة يا بنتي.. وعمر زمانه بيستمتع بعيد ميلادي مع خاله إبراهيم دلوقتي في فيصل.. ربنا يقدره على فعل الخير!. قفلت الموبايل، وغمضت عينيها، وطلبت من الويتر ينزل لها ساندوتش جمبري مشوي.. لأول مرة من خمس سنين تحس إنها بتتنفس من غير ما تحسب حساب غسيل الأطباق ولا مين زعلان ومين راضي.
نرجع لچحيم فيصل.. الساعة بقت تلاتة العصر، والعيال في الصالة بدأوا يتخانقوا، واحد كسر أباجورة صغيرة، والتاني دخل الحمام وغرق الأرض مية. خاله إبراهيم كان وشه جاب ألوان من هبوط السكر يا عمر يا ابني، هناكل إمتى؟ أنا لو فضلت كده هطب ساكت عندك هنا! كوثر بصت لابنها پغضب ما تطلب الأكل يا زفت مستني إيه؟! وإلا انزل هاته بنفسك!
عمر اضطر ينزل، قال لهم نازل أجيب الأكل بنفسي عشان الدليفري هيتأخر، ربع ساعة وجاي!
نزل السلم بيجري وهو بيكلم صحابه في التليفون ألو.. مصطفى؟ إلحقني بألفين جنيه سلف حالا، أي حاجة، محتاجهم ضروري.. ألو؟ يا عم أنا على الحديدة ومستني الجمعية تقبض.. قفل واتصل بزميله في ورشة العربيات سيد.. معاك أي فلوس في المحفظة؟ معيش غير ميتين جنيه يا عمر، والدنيا واقفة زي ما إنت شايف.
عمر وقف في الشارع يلطم في سره. الحل الوحيد كان محفظة خاله إبراهيم أو أمه، بس لو طلب منهم، أمه هتفضحه في العيلة وتقول إن مراته مشيّاه على عجين ملخبط ومجوعاه، وخاله هيعايره لآخر العمر. بص حواليه لقى محل كشړي كبير في الشارع العمومي، وجنبه محل فول وفلافل، ومحل فطاطري بلدي على قده. دخل الفطاطري ووقف يفرك إيديه بقولك إيه يا أسطى.. الستمية جنيه دول يعملوا لي إيه يشبّع خمستاشر بني آدم؟ الراجل بصله من فوق لتحت باستغراب خمستاشر نفر بستمية جنيه؟! في سنة عشرين ستة وعشرين يا أستاذ؟! دول يدوبك يجيبوا لك تلت فطاير مشلتت سادة، وعلبتين عسل أسود وجبنة قديمة.. وتروح تكمل عليهم عيش وبتاو من بيتكم!
عمر غمض عينه بحسرة اعملهم يا أسطى.. كتر الجبنة القديمة والعسل والنبي عشان يغمسوا ويشبعوا، ولفهم كويس!
بعد نص ساعة، عمر كان طالع السلم بينهج، شايل التلات فطاير وعلب الجبنة والعسل في أكياس بلاستيك، ومستخبي بيهم كأنه شايل مصېبة. أول ما فتح الباب، الريحة بتاعة المشلتت فاحت. خاله إبراهيم رفع عينه من التلفزيون إيه ده؟ الريحة مش ريحة شوي خالص.. إنت جايب إيه يا عمر؟ عمر دخل الصالة، حط العلب على السفرة برعشة، وقال بصوت مهزوز بيحاول يخليه حماسي ق.. قولت أغير لكم الجو! أكل بيتي فلاحي أصيل.. فطير مشلتت بسمنة بلدي مع عسل نحل وجبنة قديمة مخدومة! قولت نرجع لأيام زمان وخيرات الريف!
صفاء وقفت وتنحت في الأكياس فطير وجبنة حادقة؟! إنت جايب لراجل عنده الضغط والسكر جبنة قديمة وعسل أسود يا عمر؟! دي وجبة عزومة دي؟! فين اللحمة وفين التورتة اللي قولنا عليها؟! كوثر اټصدمت، ضړبت بإيدها على صدرها فطير يا عمر؟! مريم.. قصدي رنا، رنا هي اللي وزتك على كده؟! دي بخلت علينا بالأكل وجريت لطنطا وسابتك تذلنا باللقمة دي؟! العيال هجموا على الفطير من الجوع، قطعوه وفتفتوه في كل حتة، وخاله إبراهيم بصلهم
بقرف، مسك عصايته وقام أنا راجل يتقالي معزوم في بيت ابن أختي، ويتحط قدامي مشلتت وعسل؟! ده أنا لو دخلت قهوة بلدي كان المعلم عزم عليا بغدا أحسن من كده! وسّع يا واد إنت وهي.. أنا ماليش قعدة في البيت النحس ده!
البيت اتقلب دراما حقيقية. خاله زعل وخارج يخبط بالعصاية، وكوثر بتجري وراه تحلف عليه بالطلاق إنه ما ينزلش وهو جعان، وصفاء بتلم شنطتها وبتنق على البيت وعلى رنا، والعيال بيلعبوا بالفطير وبيزيتوا الصالون الجديد!
وفي عز المعمعة دي، جرس الباب رن تاني. عمر فتح الباب وهو خلاص هينفجر، لقى قدامه راجل لابس يونيفورم بتاع شركة نقل وشحن، ومعاه كرتونة كبيرة هنا شقة الأستاذ عمر؟ عمر بصله بذهول أيوه.. إيه دي؟ طرد واصل باسم المدام رنا، بس هي مش بترد ع التليفون، والراسل دافع الشحن وكاتب يُسلم للزوج باليد.
كوثر شافت الكرتونة، عينيها وسعت طرد؟! تلاقيها الهانم كانت طالبة خزين وأكل وحاجات وخبتها قبل ما تنزل! افتح يا واد الكرتونة دي بسرعة، افتح يمكن فيها اللحوم اللي أمها باعتها لها! الكل اتلم حوالين الكرتونة، حتى خاله إبراهيم وقف يبص من بعيد بفضول. عمر جاب سکينة المطبخ وفتح الكرتونة بإيدين بترجف.. الكل كان مادد رقبته، يتوقعوا فراخ، بط، حلويات، أي مصېبة تسد الجوع.. بس اللي طلع من الكرتونة خلى الصالة تسكت سكووووت تام، كأن ملك المۏت دخل المكان.
الكرتونة كان فيها شواية فحم متنقلة مقفولة بكرتونتها.. كيس فحم عشرة كيلو.. مريلة مطبخ مكتوب عليها بالبنط العريض أنا شيف العيلة النهاردة.. ومعاهم نوتة صغيرة بخط رنا، محطوطة على الوش عشان لما تحب تعزم خمستاشر نفر تاني، متعتمدش على مراتي.. اعتمد على دراعك. الشواية والفحم هدية مني ليك عشان تبدع، والمرة الجاية
جهّز اللحمة من جيبك! باي يا عُمر!.
صفاء شهقت شهقة سمعت في الشارع يا لهويييي! دي متكتكة لكل ده! دي لا خالتها عيانة ولا نيلة، دي بتهزأنا يا كوثر! دي باعتالنا شواية ومريلة عشان ابنك يشوي لنا الهوا!
عمر قعد في الأرض في وسط الصالة، بين الفحم، وفتفيت الفطير، والعيال اللي بيتنططوا، وأمه اللي بدأت تصوت وتندب على حظ ابنها وخيبته، وخاله اللي قفل الباب وراه ونزل وهو بيتحسبن.
في نفس التوقيت، في شرم الشيخ.. رنا كانت قاعدة في كافيه مفتوح على الممشى، مشغلة أغاني رايقة في السماعات، وبتطلب كريب نوتيلا بالموز. شافت إشعار من البنك على تليفونها بخصم تمن الشواية والفحم اللي كانت طالباهم دليفري يوصلوا وقت العزومة بالظبط، ابتسمت ابتسامة هادية، رفعت فنجان القهوة ووشوشت لنفسها أحلى ستمية جنيه دفعتها في حياتي.. ودوق بقى يا سي عمر، عشان تعرف إن الله حق، وإن خدمة البيت دي كانت كرم مش فرض!
كانت الشمس بدأت تغرب، والسما اتقلبت برتقالي في دهبي، ورنا كانت حاسة براحة مكنتش حستها من سنين.. بس في نفس الوقت، كانت عارفة إن دي مجرد البداية، وإن الرجوع للقاهرة بعد تلت تيام مش هيكون عادي، ده هيكون مواجهة هتغير قواعد الجوازة دي كلها للأبديتبع