كسرة خاطر الجزء الاول حكايات مني السيد
المحتويات
إيه يا بابا؟! دفتر إيه اللي خده؟ إنت مش بتقول الدفتر الأزرق بتاع البوستة؟
هز راسه ببطء، ودموعه نزلت في تجاعيد وشه، دموع راجل عجوز حس بقلة الحيلة قدام ابنه اللي من صلبه
أيوه... دفتر التوفير اللي كنت شايل فيه قرشين للزمن، عشان لما أكبر محتاجش لحد ولا أمد إيدي لمخلوق. قالي يا بابا هخليه معايا عشان المستشفيات والعمليات، وأول ما راسي لفت في المستشفى وكان عندي الدوخة بتاعة الڼزيف، جاب لي ورق وقالي إمضي هنا عشان نخلص ورق المستشفى ونطلع المعاش... وأنا مضيت... مكنتش شايف يا بنتي، مكنتش شايف قدامي، وأخوكي هو اللي كان شايلني، قولت ابني ضهري وسندي، عمره ما هيأذيني.
مسكت دماغي بإيديا الاتنين، حاسة إني في كابوس مرعب، وعايزة أصحى منه ومش عارفة.
دفتر البوستة ده أنا عارفة إنه شايل فيه شقى عمره
كله في السكة الحديد، مكافأة نهاية الخدمة، وتحويشة سنين الغربة زمان لما سافر العراق، وفلوس كان شايلها وبيقول دي لستر الزمان ولما واحد فينا يقع. كان بيقولي دايمًا أنا شايل ميتين ألف جنيه، مش هلمسهم إلا للمۏت أو للمرض الشديد.
وهو سحب الفلوس يا بابا؟ إنت متأكد إنه ورق بيع ولا ورق إيه؟
سمعته... سمعته أول أمس بيكلم مراته بره في الصالة... بيقولها إحنا هنسحب آخر مية ألف ونسدد بيهم القسط بتاع العربية، والشقة هنأجرها مفروش للطلبة بتوع الجامعة، وندخلنا كل شهر خمس تلاف جنيه فوق المعاش، ونعيش مرتاحين... ولما قولتله يا ابني حرام عليك شقتي، قالي إنت خلاص ملكش عازة بالدنيا، وملكش دعوة بالمصاريف، إحنا اللي شايلينك وبنغيرلك قرفك!
الكلمة نزلت على قلبي زي مية مغلية.
ملكش عازة بالدنيا؟ بنغيرلك قرفك؟!
أبويا أنا؟ الراجل اللي كان بيلف على رجليه من الفجر للمغرب عشان يدخلنا أحسن مدارس، الراجل اللي كانت بدلته بتلمع ومحدش يقدر يرفع عينه في وشه، يتقال له كده؟! وفي بيته، ومن ابنه اللي ميزه عليا في كل حاجة من وإحنا صغيرين؟!
قومت وقفت من على السرير، وجسمي كله بينتفض من الغيظ والقهرة.
وحياة تراب أمي ما هسكت له يا بابا. وحياة ۏجع قلبك ده لأرجعلك حقك قرش قرش، وأقعدك في شقتك سيد وتاج راسنا كلنا!
أبويا مسك في عبايتي بإيده اللي مش مکسورة، وقال بړعب حقيقي
لأ يا هدى... متواجهيهوش دلوقتي، هيرميني في الشارع يا بنتي، هيسيبني وأنا مش قادر أروح الحمام لوحدي... متخربيش بينك وبين أخوكي يا بنتي، أنا خلاص أيامي معدودة.
بصيت له وبكيت بحړقة
أيامك معدودة إيه يا حبيبي! بعد الشړ عليك، ربنا يديك طولة العمر في صحة وستر. بس أخويا ده اتعمى، الفلوس عمته ومراته ماشياه على عجين ميلخبطوش. إنت هنا مش عايش، إنت هنا مدفون بالحيا!
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة الخارجي، وصوت كعب عالي بيطقطق في الطرقة.
أبويا ارتجف، وبسرعة قالي بهمس مړعوپ
مراته جات... شيماء جات، متتكلميش!
مسحت دموعي بسرعة بطرحتي، وبلعت ريقي اللي
كان مر زي العلقم، وحاولت أعدل ملامح وشي عشان ميبانش عليا حاجة.
دخلت شيماء، مرات أخويا، شايلا في إيدها أكياس شيبسي وحلويات لعيالها، ولابسة عبايتها الخروج وحاطة روج فاقع وميكب كامل. أول ما شافتني خارجة من أوضة أبويا، وقفت مكانها ورفعت حاجبها الشمال ونزلت التاني بطريقة مستفزة.
إيه ده؟ إزيك يا هدى... إنتِ هنا من بدري؟ مسمعتش صوتك يعني وإنتِ داخلة!
بصيت لها من فوق لتحت، وحاولت أكون هادية قدر المستطاع
أه يا شيماء، جيت من نص ساعة كدة أطمن على بابا، لقيته لوحده والباب متوارب فدخلت.
حطت الأكياس على الترابيزة بتاعة السفرة بزهق وقالت
متوارب إيه يا ختي، أنا قافلاه ورايا بس تلاقي الولاد نزلوا يشتروا حاجة وسابوه. وبعدين ما هو كويس أهو، مش قولتلك مالهوش لزوم تقطعي مشاوير كل يوم؟ إحنا قايمين بيه وزيادة، وكتر خيره عصام مش مخليه محتاج الهوا.
ضحكت بسخرية مكنتش قادرة أداريها
كتر خيره فعلاً! بس غريبة يعني يا شيماء، الراجل هدومه متبهدلة من الصبح، ومفيش نقطة مية جنبه يشربها، والعلاج بتاع الضغط بتاعه شريط الدوا فاضي ومحدش جاب غيره، مع إن معاشه يشتري صيدلية بحالها!
وشها اتغير، وعينيها احمرت، وبانت نبرة الھجوم اللي هي شاطرة فيها
إيه الكلام ده يا هدى؟ إنتِ جاية تفتشي ورانا؟ إحنا شيلين أبوكي بقالنا شهور وساكتين، محدش قالك تعالي شيلي معانا ولا شيلي قرفه! وبعدين العلاج عصام نازل يجيبه بالليل، والهدوم لسه كنت هغيرهاله أول ما أرجع من مشواري، هو إحنا معندناش غيره ولا إيه؟ أنا عندي بيت وعيال ومسؤوليات!
أبويا مش قرف يا شيماء! قلتها بصوت عالي هز الشقة، مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده أبويا هو اللي عمل البيت ده، وعمل الشقة اللي إنتِ قاعدة فيها دي، وعصام لما اتجوزك أبويا هو اللي دفع تمن العفش وجهزكوا من الألف للياء! أبويا مبيشحتش منكم، ده بياكل من ماله ومعاشه اللي في جيب جوزك، وبياكل من صحته اللي راحت عشان تبقوا بني آدمين!
شيماء زعقت وهي بتحط إيديها في وسطها
لا لا، دا
إنتِ جاية
تتخانقي بقى وتسمعينا كلام! والله كويس، ده بدل ما تقولي كتر خيرك يا مرات أخويا إنك مستحملة راجل عاجز زي ده في شقتك؟ قولي لأخوكي بقى الكلام ده لما يرجع، وخليه يشوف حل في المهازل دي!
أخويا أنا هعرف أكلمه كويس، وهعرف أرجع كل
متابعة القراءة