كسرة خاطر الجزء الثالث حكايات مني السيد
الجزء الثالث و الاخير
المكالمة اللي جات لطارق وإحنا في طرقة المستشفى مكنتش مجرد مكالمة عادية، دي كانت أول حجر يقع في جدار الظلم اللي بناه عصام.
طارق فتح الخط، وفضل يسمع بملامح مشدودة، وعينيه بتوسع من الصدمة، وكل شوية يقول لا حول ولا قوة إلا بالله... إمتى الكلام ده يا فندم؟... تمام، إحنا موجودين في مستشفى التأمين.
قفل التليفون وبصلي بذهول، فسألته بلهفة مين يا طارق؟ في إيه؟ عصام حصله حاجة؟
طارق مسح على وشه ببطء وقال ده المعرض بتاع العربيات يا هدى... المعرض اللي عصام اشترى منه العربية الزيرو بالقسط واداهم شيكات بمبالغ كبيرة بعد ما سحب فلوس عمي... طلع مستلف فلوس من ناس تانية بضمان الشقة اللي لسه متباعتش، وكاتب على نفسه وصلات أمانة وشيكات بدون رصيد، والناس قالبين عليه الدنيا وراحوا عملوا فيه محاضر ڼصب واحتيال في القسم، والبوليس نزل يدور عليه في شقته!
بصيت لطارق وأنا مش قادرة أستوعب. الطمع عماه لدرجة إنه ورط نفسه في شبكة ديون ميعلمش بيها إلا ربنا! سحب ميتين وستين ألف جنيه من شقى عمر أبوه، ومع ذلك مفكش زنقته، بل رمى نفسه في التهلكة عشان يركب عربية جديدة ويتمنظر قدام الناس هو ومراته.
خرج الدكتور من أوضة الأشعة، وطمنا إن رجل أبويا فيها كدمة شديدة والتواء في الأربطة بس الحمد لله الكسر القديم متفتحش تاني.
دخلت الأوضة، كان أبويا نايم على السرير الأبيض، باصص في السقف بعيون مفيهاش أي لمعة حياة، كأن الروح بتنسحب منه بالتدريج.
قعدت جنبه، مسكت إيده الباردة وحطيتها على خدي حمد الله على سلامتك يا حبيبي... خلاص يا بابا، الکابوس خلص، إنت هتروح معايا بيتي، وهتعيش معايا معزز مكرم.
أبويا لف وشه ناحيتي ببطء شديد، وشفته كانت بتترعش، ونزلت دمعة سخنة من طرف عينه حړقت قلبي ابني يا هدى... ابني يا بنتي هان عليه شقاي؟ هان عليه يرميني في الأرض كأني كلب ملوش صاحب؟ أنا عملتله إيه؟ ده أنا كنت بجيب له الجنيه قبل ما يطلبه، وكنت بحرم نفسي من اللقمة عشان
يشبع هو... ليه يا رب؟ ليه في آخر عمري أشوف كدة؟
حضنته وفضلت أعيط في صدره، مكنتش لاقية كلام أرد بيه، چرح الأب في ضناه ملوش دواء في الصيدليات، ومفيش كلمة في الدنيا تقدر تطيب كسر خاطر راجل قعد خمسة وسبعين سنة يبني في بيته وعياله، وفي الآخر يتهد البيت فوق دماغه.
أستاذ مجدي المحامي جه المستشفى، ومعاه كل الأوراق الرسمية، وقال بحسم أنا قدمت البلاغ العاجل، والنيابة أشرت بوقف التعامل على الشقة لحين الفصل في الدعوى وتعيين هدى حارسة قضائية على أموال والدها بسبب ثبوت تدهور حالته الصحية وقت تحرير التوكيل، وجبت شهادة من المستشفى تثبت إن الڼزيف أثر على قواه الإدراكية، وكده التوكيل اتجمد قانونًا وعصام ميقدرش يتصرف في قشة.
خرجنا أبويا من المستشفى، وطارق شاله بحنية زي ما بيشيل ابنه الصغير، ونزلنا بيه على بيتي.
خصصت لأبويا أحسن أوضة في الشقة، الأوضة اللي فيها شباك كبير بيدخل منه نور ربنا وشمس الصبح. فرشت له أنضف ملايات بيضاء، وجبت له مرتبة طبية عشان ضهره، وحطيت كل أدويته بنظام على الكومودينو جنبه.
بقيت أصحي الفجر، أغير له هدومه، وأمسح جسمه بمية دافية وريحة حلوة، وأعمله الشوربة الدافية والأكل الخفيف اللي بيحبه بإيدي، وأقعد أأكله بالمعلقة كأنه طفل رضيع. وطارق كان يدخل يقعد معاه بالساعات، يقص له ضوافره، ويشغل له إذاعة القرآن الكريم، ويحكيله عن حكايات الشارع والناس عشان ميحسش إنه معزول.
أبويا كان بيبتسم ابتسامة شاحبة، ويقولي كل يوم ربنا يرضى عنك يا بنتي... ربنا يباركلك في صحتك وعيالك ويرزقك برهم... إنتِ اللي طلعت بيكي من الدنيا دي.
بس الحزن كان حافر في ملامحه خطوط غويطة مكنتش بتمحى. كان ساعات يصحى في نص الليل يتنهد ويسأل بصوت واطي هو عصام مجاش سأل عليا؟
الكلمة دي كانت تقطع شرايين قلبي. رغم كل اللي عمله فيه، رغم السړقة والپهدلة والرمية في الأرض، قلب الأب مكنش قادر يكره، كان لسه بيستنى ابنه يجي ويقوله سامحني يا أبا!
أما عصام... فالدنيا اسودت في وشه زي ليل أظلم.
الشرطة بدأت تدور عليه
بسبب شيكات المعرض، وأصحاب الديون حاصروه. البوستة جمدت الحساب بناءً على قرار النيابة، والشهر العقاري وقف أي تعامل على الشقة.
عصام اتزنق زنقة المۏت، ومراته شيماء، أول ما شافت المركب بټغرق والديون محاصراهم والبوليس رايح جاي على العمارة، فضلت تصرخ في وشه وتعيره، وخدت عيالها ودهبها اللي اشترته بفلوس أبويا وسابت له الشقة وهربت عند بيت أمها وقالتله أنا مش هقعد مع واحد هيدخل السچن!
هنا بس، عصام لقى نفسه لوحده تمامًا، متجرد من كل حاجة مفيش فلوس، مفيش عربية، مفيش زوجة وقفت جنبه، والسمعة الطيبة اللي سابهاله أبوه في المنطقة اتمسحت وبقى الناس يمشوا يبصوا له بقرف ويقولوا أهو ده اللي سرق أبوه العاجز ورماه!
بعد أسبوعين من خروج أبويا للمستشفى، وتحديدًا يوم جمعة بعد الصلاة...
كنت في المطبخ بعمل لأبويا صينية بطاطس مسلوقة وفراخ مسلوقة زي ما بيحب، وطارق كان في الصالة بيقرا قرآن، وأبويا نايم في سريره بيسمع الشيخ رفعت من الراديو الصغير اللي جنبه.
فجأة، جرس الباب رن بخبطات متوترة وسريعة.
طارق فتح الباب، ولقيته وقف مكانه متسمر.
خرجت من المطبخ، وبصيت ناحية الباب... كان عصام!
بس مكنش عصام بتاع زمان، المتكبر، الفرعون اللي صوته بيهز العمارة. كان واقف مكسور، لابس هدوم مبهدلة ومش مكوية، دقنه طويلة ومهملة، وعينيه غايرة في وشه وسودا من قلة النوم والهم.
طارق وقف سادد الباب بجسمه وقال بنبرة جافة وقاسېة عايز إيه يا عصام؟ جاي ليه هنا؟
عصام منزلش عينه في عين طارق، وصوته كان واطي ومبحوح، خالي من أي ذرة كبرياء عايز... عايز أشوف أبويا يا طارق. عشان خاطر ربنا خليني أدخل أشوفه دقيقة واحدة.
طارق رد عليه ببرود أبوك مبقاش ليه ابن غير هدى. امشي من هنا بدل ما أطلبلك النجدة والناس اللي بيدوروا عليك ييجوا ياخدوك من على الباب.
أنا وقفت مكاني في الصالة، وبصيت له بكل الۏجع اللي عيشهولنا. عصام شافني، ونزلت دموعه على خده، وخطى خطوة لجوة ومد إيده برجاء هدى... أبوس إيدك يا أختي... أنا ضعت خلاص! شيماء خدت العيال وسابتني، وعليا أحكام هتتحبس بكرة الصبح،
والناس مش سايبيني... أنا مش جاي عشان فلوس ولا شقة، والله العظيم ما عايز مليم! أنا بس عايز أبويا يدعيلي ويسامحني، قلبي واكلني عليه ومش بنام الليل من كوابيس بشوف فيها أبويا بيبصلي پقهر... خليني أبوس رجله بس!